تاريخ النشر: 2023-09-09 | 08:47
تاريخ النشر: 2023-09-09 | 08:47
احتدم صدر بعض الدول الغربية غيظا من مزاعم نسبت للرئيس الفلسطيني محمود عباس حول أصول الأشكناز اليهود وعلاقتهم الملفقة بالسامية وفقا لدراسات وأبحاث موثقة قام بها مؤرخون وسياسيون كان لهم بصمات في التاريخ المعاصر.
ولأن الرواية التاريخية تثبت صحة التحولات الدينية في حقبة زمنية امتدت من بحر الخزر حتى الأطلسي غربا مرورا في أوروبا وأسباب هذه التحولات وتداعياتها في تلك المنطقة وعدائها لليهود جاء رد الفعل الغربي على أقوال نسبت لعباس قاسيا بقدر قسوته على اليهود إبان الحقبة النازية.
وبين الرواية التاريخية والجرائم التي ارتكبتها النازية ضد اليهود وغيرهم شاطت أحوالا اجتماعية متشابكة بين اليهود والمسيحيين في أوروبا كان لها وقعها على تلك الأحداث التي انتهت بالهولوكوست لكن أوروبا لم تستخلص العبر من جرائمها ضد اليهود بل وقعت في خطيئة أخرى ضد الشعب الفلسطيني حين قدمت الدعم للحركة الصهيونية لتأسيس "وطنا قوميا" لليهود على أرض فلسطين.
ولا يخفى على المؤرخين والرأي العام دور الحركة الصهيونية في العبث بالنظام الاجتماعي في الدول الأوروبية وإغراقها في الربا والدعارة والسيطرة على وسائل الإعلام وسبل الحياة الأخرى مما دفع بالتطرف واللجوء إلى العنف إلى السطح عززه صدام شرس بين قوتين (الصهيونية والنازية) برزتا تباعا خاصة في ألمانيا.
الكارثة التي حلت بالشعب الفلسطيني لا تقل بفظاعتها عن تلك التي وقعت في أوروبا مع إدراكنا لدور الإعلام في القدرة على تقديم دفع حدث على آخر في الصراعات الدولية إلى الصدارة ومثال ذلك تجاهل مقتل حوالي 25 مليون مواطن من دول الاتحاد السوفييتي السابق خلال الحرب العالمية الثانية بينما أبرز مقتل ستة ملايين يهودي بما في ذلك ازدواجية المعايير السياسية إزاء عدم الاعتراف باحتلال فلسطين في الوقت الذي ترى في الحرب على أوكرانيا احتلالا روسيا لأراضيها ما يفضح انحياز الغرب لمصالحة وحلفائه.
إن الغريب في حبك المؤامرة ضلوع الدول التي أدانت الأقوال المنسوبة لعباس ليس في تلك الجرائم فحسب بل في التسبب بنكبة الشعب الفلسطيني المستمرة حتى اليوم من خلال دعم الأوصياء الصهاينة على ضحايا الهولوكوست بأشكال عدة بدءا من وعد بلفور ومد المنظمات الإرهابية اليهودية بالسلاح بما في ذلك بناء فرنسا مفاعلا نوويا جنوب فلسطين لإرهاب العرب في مواجهة العدوان على فلسطين وبالمقابل خنق وطرد الفلسطينيين من وطنهم لإقامة كيان يهودي بالشراكة مع الحركة الصهيونية على أرض هي وطنا للشعب الفلسطيني.
وذهبت الدول الضالعة في الهولوكوست بازدواجيتها الإجرامية ضد اليهود والشعب الفلسطيني إلى أبعد من ذلك بمحاولتها حرمان الشعب الفلسطيني من حق الدفاع عن النفس فاستخدمت تشريع ما يسمى بـ "معاداة السامية" الذي اتهم به الرئيس عباس ضد الشعب الفلسطيني بعد انتزاع حقه في وطنه بالإرهاب اليهودي والدعم الغربي للمنظمات الإرهابية اليهودية معا.
إن تشريع ما يسمى بـ "معاداة السامية" وجد للحد من تفاقم كراهية الأوروبيين لليهود ولم تكن القضية الفلسطيينية آنذاك في دائرة الاشتباك الفلسطيني اليهودي بالرغم من اضطهاد الاستعمار البريطاني للشعب الفلسطيني وتوطئته لتأسيس ما يسمى بـ "دولة إسرائيل" والمشاركة في مخطط طرد الشعب الفلسطيني من وطنه ومحو بلداته والاستيلاء على ممتلكاته ثم احتلال المستوطنين لها.
لذلك نرى في تمدد تشريع "معاداة السامية" إلى المنطقة العربية وفرضه على الشعب الفلسطيني وحججه الواضحة في استراتيجية الدفاع عن النفس واسترجاع الحقوق الفلسطينية كاملة وسيلة لتحقيق غايتين تتمثلان أولا: في محاولة أوروبا للتملص من فعلتها ضد الفلسطينيين واليهود، وثانيا: لصق تهم باطلة بالشعب الفلسطيني وقيادته كبديل للوم أوروبا وتحميلها المسؤولية عن جرائمها ضد الإنسانية.
ولم تكن هذه السيناريوهات مكشوفة لآبائنا وأجدادنا بالجلاء الذي اتضح بعد مرور أكثر من سبعة عقود على النكبة واستمرار تداعياتها باحتلال كل أرض فلسطين لذلك فإن استعادة بناء القوة الفلسطينية بقدرات الجيل الرابع في ظروف معقدة سنوات طويلة إلى ما وصلت عليه في هذه الأيام من الشعب الفلسطيني الذي لا يعرف الخوف من إرهاب جيش الاحتلال وذراعه الإرهابي في المدن الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة.
وفي معمعة المفاهيم وخلطها فإننا نؤكد وقوفنا إلى جانب ضحايا الهولوكوست بشجاعة بالقدر الذي به نعادي الحركة الصهيونية وحقنا في الدفاع عن فلسطين ومن نحب عليها ضد مخططات الحركة الصهيونية في فلسطين المحتلة ومن يقف وراءها.
إن موقفنا هذا ليس وليد اللحظة بل امتدادا لمواقف المسلمين الذين بسطوا نفوذهم جنوب القارة الأوروبية ومنحوا الحماية لليهود الهاربين من الظلم إبان الحقبة النازية وعاشوا في أكناف دول عربية منها العراق واليمن والمغرب الذي رفض تسليم يهود مطلوبين لفرنسا باعتبارهم مواطنين مغاربة. وهو ما فعلته الدولة العثمانية عندما جلبت عددا من اليهود إلى القدس ليتمكنوا من تلقي العلاج ون وباء أصابهم.
هذا التباين الغربي بما في ذلك الولايات المتحدة في التعامل مع قضيتي الشعبين الفلسطيني واليهودي وليس شركائها في الحركة الصهيونية يعكس حالة نفسية مرضية لازمت الغرب ومع ذلك يجرده من سيف "معاداة السامية" الزائف وصلاحيتها بإطلاق الأحكام على الرئيس محمود عباس وأي فلسطيني اختار طريق الحرية وجعل نفسه درعا في حامية الوطن وصدق المثل القائل: "الشمس لا يمكن تغطيتها بالغربال".