لم يعد السكن في إيران مجرد قضية اقتصادية أو قطاع يعاني من الركود، بل أصبح أحد أبرز مؤشرات الأزمة الاجتماعية التي يعيشها المجتمع الإيراني. فما تنشره الصحف الرسمية يكشف أن سوق العقارات يمر بمرحلة غير مسبوقة من الاختلال، حيث تتراجع القدرة على البناء، وترتفع الأسعار بصورة متواصلة، بينما يعجز ملايين الإيرانيين، ولا سيما الشباب، عن امتلاك منزل أو حتى استئجار مسكن لائق. ولم تعد المشكلة مرتبطة بدورة اقتصادية عابرة، بل أصبحت أزمة بنيوية تمس الاستقرار الاجتماعي ومستقبل الأسرة الإيرانية.
وتشير المعطيات التي تتناولها الصحف الاقتصادية إلى أن قطاع الإسكان، الذي كان يُعد أحد محركات الاقتصاد الإيراني، يعاني اليوم من ركود عميق. فقد أدى ارتفاع أسعار مواد البناء، وزيادة تكاليف التمويل، وضعف الاستثمار، إلى تراجع مشاريع الإنشاء الجديدة، في وقت يواصل فيه الطلب على السكن الارتفاع بسبب النمو السكاني والهجرة من المدن الصغيرة إلى المراكز الحضرية.
ويزداد الوضع تعقيداً مع استمرار التضخم، الذي التهم دخول الأسر الإيرانية. فأسعار المساكن والإيجارات ارتفعت بوتيرة تفوق بكثير نمو الأجور، الأمر الذي دفع عدداً متزايداً من العائلات إلى تقليص نفقاتها الأساسية من أجل تأمين السكن، أو الانتقال إلى أطراف المدن، حيث الخدمات أقل وفرص العمل أكثر صعوبة. أما فئة الشباب، فقد أصبح تأسيس أسرة جديدة بالنسبة إلى كثيرين منهم مشروعاً مؤجلاً إلى أجل غير معلوم.
ولا تقتصر الأزمة على نقص المعروض أو ارتفاع الأسعار، بل ترتبط أيضاً بغياب سياسات إسكانية فعالة. فقد أعلنت الحكومات المتعاقبة عن مشاريع لبناء ملايين الوحدات السكنية، إلا أن معظم هذه الوعود بقي حبراً على ورق بسبب نقص التمويل، وضعف الإدارة، والفساد، وتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية. وهكذا تحولت الوعود الرسمية إلى مصدر إضافي لفقدان الثقة بين المواطن والدولة.
ومن ناحية أخرى، فإن هيمنة المؤسسات المرتبطة بالحرس والأجهزة النافذة على أجزاء واسعة من الاقتصاد، بما في ذلك قطاع العقارات، أضعفت المنافسة ورفعت كلفة الاستثمار، في حين بقيت المضاربات العقارية إحدى الوسائل الأكثر ربحية لفئات محدودة، بينما تحملت الأغلبية عبء ارتفاع الأسعار. وبدلاً من أن يكون السكن حقاً اجتماعياً، أصبح سلعة تخضع للاحتكار والمضاربة.
وتنعكس هذه الأزمة بصورة مباشرة على النسيج الاجتماعي. فتأخر سن الزواج، وانخفاض معدلات الإنجاب، واتساع الفجوة بين الطبقات، ليست مجرد ظواهر اجتماعية، بل نتائج مباشرة لعجز ملايين المواطنين عن تأمين مسكن مستقر. ولذلك لم يعد الحديث عن أزمة السكن منفصلاً عن الحديث عن أزمة الثقة في السياسات العامة، وعن شعور متزايد بأن الدولة لم تعد قادرة على تلبية أبسط احتياجات مواطنيها.
وفي الوقت نفسه، يربط كثير من الإيرانيين بين تدهور أوضاع السكن وبين الأولويات التي اختارها النظام خلال العقود الماضية، حيث وُجهت مليارات الدولارات إلى المشاريع العسكرية والتدخلات الإقليمية، بينما بقي الاستثمار في الإسكان والخدمات الأساسية دون المستوى المطلوب. ومع اتساع هذا الإدراك، أصبحت الأزمة المعيشية أحد أهم دوافع الاحتجاجات الشعبية، إلى جانب البطالة والتضخم وتراجع الخدمات.
وخلال زيارتها الأخيرة إلى إيطاليا، أكدت السيدة مريم رجوي أن أي مشروع لإعادة بناء إيران يجب أن يبدأ بإعادة توجيه ثروات البلاد نحو رفاه المواطنين، وإقامة دولة تقوم على الشفافية وسيادة القانون، وتضمن تكافؤ الفرص، وتشجع الاستثمار المنتج، بما يتيح لكل إيراني الحصول على حياة كريمة، وفي مقدمتها الحق في السكن اللائق.
إن أزمة السكن في إيران لم تعد مجرد ملف اقتصادي، بل أصبحت مرآة تعكس طبيعة الاختلالات التي أصابت بنية الدولة والاقتصاد. وما لم تتغير السياسات التي أنتجت هذا الواقع، فإن امتلاك منزل سيظل بالنسبة إلى ملايين الإيرانيين حلماً بعيد المنال، بينما تتعمق الفجوة بين السلطة والمجتمع يوماً بعد آخر.