تاريخ النشر: 2015-12-01 | 09:45
تاريخ النشر: 2015-12-01 | 09:45
لقد دَخلت الأزمة السورية منعطفا جديداً ونوعياً مع دخول روسيا عسكريا على خط المواجهة في الأزمة السورية. فقد بات واضحاً بروز الدور الروسي المؤثر بشكلٍ ملحوظ قياساً لحجمه وفاعليته عن الفترة السابقة، ويأتي التدخل العسكري الروسي في سوريا في سياق التَدخُلات الدولية التي عنوانها العريض المصالح الاستراتيجية الكبرى لمختلف الأطراف المُتدخلة في مسارات الأزمة السورية وتعقيداتها. فالتدخل الروسي في سوريا، هو تَدخُل استراتيجي أولاً وأخيراً، حيث تُريد روسيا الحفاظ على مصالحها الحيوية في سوريا، واستعادة دورها في المنطقة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في أوائل تسعينات القرن الماضي، الأمر الذي يتعارض مع مصالح دول حلف الناتو.
وتعتبر أزمة اسقاط الطائرة الحربية الروسية، من قبل طائرة حربية تركية يوم 24 نوفمبر2015 منعطفاً خطيراً في سياق الأزمة السورية، فقد ألقى الحادث بظلاله على العلاقات الروسية التركية بشكل خاص، والعلاقات الروسية مع دول حلف الناتو بشكل عام. الأمر الذي يطرح مجموعة من التساؤلات حول مستقبل العلاقات الروسية والتركية ؟ ومدى امكانية تطور الأوضاع بين البلدين وصولاً لمواجهة عسكرية مباشرة، في ظل الغضب والتهديدات الروسية لتركيا؟
منذ اللحظة الأولى رأت روسيا - أن حادثه اسقاط الطائرة السوخوي24- ، بمثابة تعدي كبير على الكرامة والكبرياء الروسي، وهو ما يفسر حجم التهديدات والغضب الروسي، والذي جاء قوياً جداً من كافة المستويات، ففي بيان صدر عن وزارة الخارجية الروسية، أكد أن هذا الحادث يعتبر انتهاكاً سافراً للمذكرة الروسية الأمريكية المشتركة حول ضمان سلامة طلعات الطائرات العسكرية في سوريا، والتي أخذت الولايات المتحدة فيه على عاتقها المسؤولية عن التزام جميع دول التحالف الدولي بالقواعد المنصوص عليها في هذه الوثيقة . وفي معرض تعقيبه على الحادث، اكد الرئيس الروسي " فلاديمير بوتين" أن ما حدث هو ضربة في الظهر من قبل دولة يفترض أنها حليفة لروسيا وتشارك في الحرب على الارهاب!!!. وقال "أن أعوان الإرهابيين وجهوا ضربة لروسيا – في إشارة لتركيا – وحذر بوتين من عواقب وخيمة لهذا الحادث".
وعلى العكس الموقف الروسي جاء الموقف التركي، فيما يتعلق بقضية الطائرة الحربية الروسية، فقد ندد الرئيس التركي، أردوغان، بنشاط الطيران الروسي في المنطقة الحدودية، قائلا " إن الأراضي بين اللاذقية في سورية ومحافظة هاتاي التركية، والتي يقطنها التركمان، ليس فيها قواعد لتنظيم "داعش" الذي تحاربه روسيا"!!!. وأكد أنه" ليس لأحد حق انتهاك الحدود التركية، ولن نسكت على أي انتهاك يقع بالمستقبل.
وكان التصرف التركي ناتج عن قيام الجيش السورية ومسلحون موالون للحكومة، بدعم جوي روسي، بهجمات مكثفة منذ الأسبوع الماضي على معاقل المعارضة في جبل التركمان المحاذي للحدود التركية، وقد حققت تلك القوات بعض التقدم واستعادت بعض المواقع من المقاتلين التركمان في المنطقة. الأمر الذي أثار حفيظة الجيش التركي ودفعه لإسقاط الطائرة الروسية بحجة اختراق الاراضي التركية، نظراً لأن الحدود السورية التركية يوجد بها مراكز تدريب ومراكز أمنية وعسكرية تابعة للجيش التركي.
وفي ظل هذه المواقف المتناقضة والمتعارضة بين الجانبين؛ فيما يتعلق بالأزمة السورية بشكل عام وأزمة الطائرة الحربية الروسية بشكل خاص،الأمر الذي يفتح الباب أمام مجموعة من الاحتمالات المستقبلية التي يمكن أن تُشكّل مصار للأحداث والتطورات الميدانية والسياسية والاقتصادية، فيما يتعلق بالعلاقات التركية والروسية في المنظور القريب:
احتمالات الصدام العسكري
تبيّن بعد إسقاط الطائرة الروسية، أنّ هناك سياسة تركية أكثر هجومية، خصوصا بعد الانتصار الذي حقّقه حزب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الانتخابات التشريعية الأخيرة, الأمر الذي أدى إلى عاصفة من التهديدات الروسية، مما فتح الباب أمام مزيد من التوتر في العلاقة بين البلدين، مع إمكانية وصولها إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، الأمر الذي يمكن أن ينعكس على المنطقة العربية بشكل عام ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا بشكل خاص؛ نظراً لأن هذه الحرب لو اندلعت يمكن أن تكون بمثابة حرب عالمية ثالثة. وفي هذا السياق جاءت الغارة التي قامت بها المقاتلات الروسية، يوم الأربعاء25/11/2015، والتي استهدفت مركز تجمع وتنظيم شاحنات نقل مواد إغاثية، قرب معبر باب السلامة، على الحدود التركية السورية، والتي قتل فيها 7 أشخاص، وأصيب 10 آخرون، مخلفةً دمارًا كبيرًا في الشاحنات المتوقفة. فهل يمكن أن تكون هذه الحادثة شرارة الانفجار ووصول الأزمة بين البلدين لمرحلة الانفجار والصدام العسكري المباشر؟؟
احتمالات المقاطعة الاقتصادية والدبلوماسية
اتخذت الأزمة السورية بعداً آخر في طبيعة العلاقات بين روسيا وتركيا، بعد إسقاط تركيا المقاتلة الروسية، فقد تكون الأبعاد الاقتصادية والدبلوماسية هي أحد الوسائل المناسبة للرد على حادثة اسقاط الطائرة الروسية. فقد تزايدت مؤشرات توتر العلاقات، خاصة التجارية، بين موسكو وأنقرة، بعد وقف روسيا استيراد اللحوم التركية، والتلويح بعقوبات اقتصادية أخرى. فقد اتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تركيا بأنها تقود بشكل متعمد العلاقات مع روسيا إلى طريق مسدود، وقال "أنقرة لم تعلن عن اعتذارات أو مقترحات بتعويضات عن إسقاط الطائرة الروسية، أو معاقبة مرتكبي الجريمة حتى الآن"، وأشار إلى أن الغدر التركي لا يمكن تفسيره، وطالب بوتن باعتذار رسمي من أنقرة، لكن الأخيرة رفضت. واتخذت موسكو عددا من الإجراءات العقابية من بينها وقف العلاقات العسكرية وإلغاء صفقات تجارية.- وهو الاحتمال المرجح من وجهة نظري- وفي هذا السياق حذر لرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أن الحادث سيكون له "آثار وخيمة" على العلاقات بين الجانبين. الأمر الذي يزيد من احتمالات تصاعد حدة التوتر في العلاقات الروسية التركية وصولاً المقاطعة الاقتصادية شبة الكاملة، في ظل حالة التفرج الأمريكي، وعجزها عن تقديم أي مساعدة سياسية أو دبلوماسية لتركيا البلد الحليف في هذه الأزمة.
احتمالات التوافق السياسي
تدرك روسيا وتركيا أن التصعيد العسكري والسياسي والاقتصادي ليس في مصلحة البلدين في الوقت الراهن، لذلك قد تتجه الأمور نحو التسوية السياسية والدبلوماسية، من خلال التوافق على عدم تكرار الحادثة، لأن كل طرف يمتلك وسائل ضغط على الطرف الأخر.
فالخيارات العسكرية والاقتصادية المتاحة والمتبقية أمام روسيا للرد على إسقاط الطائرة قد تؤثر على الاقتصاد الروسي المتدهور أصلا. في المقابل تملك تركيا ورقة هامة بتحكمها في مسار السفن الروسية المارة عبر مضيقي البوسفور والدردنيل، رغم أن اتفاقية "مونترو" لعام 1936، التي تنظم حركة المرور عبر المضايق، لا تعطيها الحق في التضييق على الملاحة البحرية إلا إذا كانت في حالة حرب وتهديد مباشر لأمنها. فليس من السهل على الطرفين التضحية بهذه المصالح الحيوية بسهولة، لذلك من المتوقع أن تكون هناك استجابة للطرق الدبلوماسية لتسوية الأزمة، وذلك لصعوبة فتح مواجهة عسكرية أو اقتصادية بين البلدين، في ظل هذا الوضع الدولي والاقليمي.
لقد تركت حادثة اسقاط الطائرة الروسية تداعيات كبيرة على العلاقات التركية الروسية، ووفرت فرصة ذهبية لروسيا لفرض وقائع جديدة على الأرض، لم تكن لتستطيع فرضها في الظروف الطبيعية، من خلال قيام روسيا بنشر منظومة الدفاع الجوي 400 -s في قاعدة حميميم بسوريا والتي تستطيع رصد الهدف من على بعد 600 كم، وإصابته من على بعد 400 كم، بالإضافة لقيام روسيا بمحاولة حشد تحالف دولي يضاف إلى التحالف الحالي لضرب داعش، في المقابل لم تستطع تركيا تحقيق أي من أهدافها والتي كانت تهدف بالأساس إلى وقف تمدد النفوذ الروسي في سوريا وإقامة منطقة عازلة في شمال سوريا. فتركيا الآن منشغلة ومترقبة وتركز كل جهودها العسكرية والدبلوماسية ترقبا لردة الفعل الروسية .
وفي النهاية يمكن القول أن إسقاط تركيا لطائرة روسية حربية يعتبر نقطة تحول رئيسية في مسار الاحدث في الأزمة السورية؛ الأمر الذي عمق أزمة العلاقة ما بين البلدين، وصب الزيت على النار المشتعلة بين روسيا حلفائها من جهة، وتركيا وحلف الناتو من جهة أخرى، بما ينذر بحرب عالمية ثالثة، الأمر الذي أدى إلى تعزيز التواجد العسكري الروسي على المستوي الكمي والكيفي، وتراجع للدور التركي بما يعزز فرص بقاء النظام السوري الحالي، واستمرار أمد الحرب إلى أبعد مدى.