تاريخ النشر: 2019-03-08 | 14:57
تاريخ النشر: 2019-03-08 | 14:57
عزيزي ماجد...
وكلما شعرت بالقلق، ناديت ماجد كي يصحبني إلى الأحراش… نمضي عزلتنا في أجواءالمكان الفسيح الحيوي النقي!!!
نحتطب ونقيد النار، ثم نشرب قهوتنا السمراء المثيرة!!!
-هل تشبهنا الطبيعة؟؟!!هل نشبه الأشجار في سخائها؟؟!!!
يسألني ماجد!!!
هل يمكن أن نجد أنثى تشبه هذه الأشجار، في عالم الآدميين القلق؟؟!!! أسأله أنا!!!
ماجد عازف، يعزف على الكمان، وينفخ بالناي….
فيصمت كل شيء!!! تعتدل حرارة الدنيا وتنام وقد غمرتها الراحة!!!
تتسع عيوننا على نحو غريب!!! نسمع الموسيقى، ونضحك و نغني، نسافر إلى النجوم،ثمّ نعود ممتلئين بالجنون!!!
أكثر من عشرين عاما مرّت!!!!
ذهبت وتركتني وحدي يا ماجد!!!
لماذا سحبت ابتسامتك من قلبي يا رفيق؟؟!!
كنت أظن أني سألحق بك، لكن زائر الموت كلما حضرني خدعني والتف من ورائي!!! أركض وراءه أناديه فيمضي ضاحكا ضحكته البلهاء!!!
في المرة الأخيرة جاءني غاضبا، هدّدني!!!
قلت له: كن شجاعا وافعلها… فما عشته يكفيني!!!
المكان أصبح حزينا من دونك يا ماجد!!! صار أكثر فوضى وحمقا!!!
لقد أكل الحزن هذه الأحراش، ولفها البرد والضباب!!!
أنا متأكد أنك مرتاح هناك، لكنّي أشتاق إلى موسيقاك…أشتاق للفراشات التي تغفو في عينيك!!!
أنا لا أستطيع أن ألحق بك، فتعال أنت!!!
امنح نفسك إجازة لتعود هنا ولو مرة واحدة، ولو بعد سنة، ولو بعد سنتين، سأنتظرك سأؤجل موتي!!!
سنشرب القهوة السمراء ونغني ونضحك كثيرا كتغريدة العصافير!!!
لا تخف منهم، لا تلتفت خلفك، ستحميك الأشجار، إنها تحبك وتحب عزفك!!!
وإن جاؤوا، أوعدك هذه المرة ،أنّي لن أتركك تغادر وحدك، سأكون معك!!!
أقسم أني لم أخدعك في المرة الماضية!!! لقد ناديتك بأعلى صوتي، لكنك آثرت أن تسافر وحدك، لماذا؟؟!!
هلّا وعدتني أن تعود!!!
2- الهوى والهاوية!!!
وسط استكانة الصمت، كانت تتعالى وتهبط، تتمايل كراقصة غانجة!!!
تتباهى بنفسها وبسرها الغريب، الذي تطويه تحت أجنحتها وفي مملكتها!!!
إنها تكتشف عالمها وألوانها، تتزين بشالاتها وبعسلها المغري!!!
منحتني فرصة تأملها، مع رفرفة أجنحتها ترتعش أهدابي!!! طاردتها كعاشق مغامر، يكتشف أوهام الشهوة الأزلية، ويفكك رموزها!!! يركض وراء سره الكبير…
حطّت على آخر زهراتها، ضمتها لصدرها بحنو ولثمتها...
ثم تماوجت حولي، وصارت تطنُّ في أذني، أحدثت صخبا داخل قلبي!!!
وأخيرا حطّت على صدري، رقيقة صغيرة وهشة!!! شعرت أنها قريبة مني!!!
ظننت أنها أصبحت من أملاكي!!! فتحت شهيتي للسعادة!!! أردت أن ألامسها بأطراف أصابعي، كانت حذرة جدا، لقد لسعتني… آلمتني!!! أفرغت سمها في جسمي وفي حلمي!!!
ثم استكانت وهدأت... لقد ماتت!!!
هل هي من تجرعت السم وانتحرت، ولم تستسلم!!!
أهكذا يكون الموت تضحية؟؟!! أهكذا يكون الانتحار فكرة رائعة وهادئة؟؟!!
النحلة انتحرت ولم تدنس عفتها!!!
علمتني هذه النحلة، أن هناك فرق بين الهوى والهاوية!!!
3- يمرُّ القطار...
لقد مرت الأيام، وشاخت الأشياء، وتغيرت الملامح، وغابت وجوه من أحببناهم بإخلاص، وغفت صورهم في صدورنا كلوعة أبدية لا تفارقنا!!!
ولم يبق سوى الجدران الباردة وقد بهتت ألوانها، وانمحت الخربشات التي رسمناها يوما على ذراع الأحراش!!!
يمر بنا قطار الأحزان والأحلام في المسافة الممطوطة بين الجرح الصاخب و النهارات البعيدة!!!
عبرالنوافذ تحدّق فينا وجوه الأحبة الذين أجبروك على الرحيل عنهم؛ لتبقى ذكراهم مشتعلة في الجسد وفي الروح!!!
تتساءل بحسرة : متى يعود بنا القطار إلى الأمام؟؟!!
لكن القطار يتابع مسيرته مسرعا بصمت الشهداء!!!
فتضمّك الغربة عنيفا إلى صدرها المفروش بالمسامير!!! وتستقبلك الوحدة كالصفعة!!!
أحاول أن أنادي أحدهم ، أو ألوّح له بمنديل يدي المبتورة!!! لكن القطار يمضي في الضباب المسائي الكئيب!!!
أنادي : وداعا... بلّغ سلامي لهم جميعا!!!
3- مُقتطف!!!
التقينا في بستان البرتقال في المساء قبيل الغروب!!!!
البرتقالة تدور بين أصابعي باردة…
يا إلهي، ماذا بإمكاني أن أفعل قبل أن يهبط الليل؟؟!!!
خط الأفق يرسم اللون البرتقالي كألسنة النار فيخترق جوف البرتقالة!!!
يذوب الثلج، تدفأ، ثمّ تسخن... تتهيأ لتشعل قناديل حلمي... تتسرب السخونة نحوي... ارتعش صدري!!!
والفكرة تلحُّ وتلحُّ كشيء صعب، الرحيق كامن في جوف البرتقالة!!!
صرت أبحث عن ألواني في داخلي وفي البرتقالة!!!
هيا نمضي… أقترح عليك أن ترافقيني وكل شيء سيكون هادئا هناك، إلى ما قبل الفجر وسينتهي كل شيء!!!
فالحياةلن تمنحنامزيدا من الوقت... فالحب حماقة، نمضي في مسالكها القاسية أملا في الخلاص، خلاص نتصالح في مع الحياة ومع ذواتنا!!!
طغت طفولتها!!! لقد خافت!!! لقدتبعثرت كلماتي وأنا أراقبها وهي تبتعد عنّي والمسافة تزداد... وهي تتلاشى حتى غابت، لقد غابت لتختبئ في أدفأ زوايا قلبي!!!
دائما خساراتي فادحة!!!
هل ستكون من بين خساراتي الكثيرة التي ضاعت مني: أيامي، سعاداتي الصغيرة، أحبتي الذين غابوا ، أصدقاء طفولتي ومدرستي وأزقة مخيمي، ترابي الذي صبغ جلدي...
حبة البرتقال التي كانت تدور بين أصابعي…. هوت!!!
بقيت عالقا في مكاني!!!
أنا لا أعرف من الذي اختل توازنه أنا أم حبة البرتقال؟؟!!!
4- كلزار... زهر الحديقة!!!
صباح الخير كلزار...
كلزار أغنية جبلية حالمة...
كلزار تتلفع بعباءة الغيم وتمضي صوب مثوى جدّنا النبي!!!
تتهادى بخطواتها الرشيقة...
تزيح عتمة الغرباء عن الدروب العتيقة حيث خطا أسباط النبيّ الذي خذلوه!!!
عند المنعطف كانوا يتراقصون بسحنهم السوداء كقبيلة متوحشة حول اللهيب المسعور!!!
صار الموت يحوم حول كلزار!!! يحتشد و يقترب!!!
لم تطرف عينا كلزار ولم تخشع!!!
التمعت عينا كلزار الواسعتان بنور الفجر!!!
امتدت يد الغوليّ السفلية الآثمة وطعنت بغدر صلاة كلزار!!! انحنت كلزار على قلبها كما تنحني الأم على رضيعها، جبهة كلزار في التراب وركبتاها في التراب!!!
أتمت كلزار صلاتها، والدم اللامع يتهاطل من بين أصابعها، كلزار تسبّح في محراب جدتها مريم البتول!!!
ماتت كلزار، ماتت فتاة الصلاة والأحلام!!!
هناك حصان ناري يحمحم، ويذرف زهر الحزن على كلزار!!! صهل الحصان الناري بنداء الجبال: كلزااااار ، صرخة لطمت أصنام الكوكب!!!
انتشل الحصان كلزار وكساها بخيوط الشمس وشالاتها!!!
قدح بسنابكه الصخر المُدمى، وتوارى بكلزار كملاكٍ عبر مسارب السماء في فضاء الغيم، ليكون الزفاف، الزفاف الذي يليق بكلزار!!!
كلزار زهر الحديقة...
5- استدراك!!!
ثمّ كأسا رابعة، فكأساخامسة... أريد أن أشعر بالعبث، أريد أن أذوب في ألفراغ كدخان سيجارتي هذا المتطاير!!!
أريد أن أنساها نهائيا وإلى الأبد، كأنها ميتة!!! لقد صفعتها بقسوة وتركتها تحترق من الحزن!!!
إنك تشتهي حضورها أيها الأحمق!!! لكنك تعاند خاطرك، ما زالت تجذبك نحوها بخيط ناعم ودقيق لا تراه، ها أنت تشتم رائحتها القوية!!!
رأيتها تجلس أمامي كأني أراها لأول مرة!!! خطفت كأسي من أمامي وارتشفت منه بلذة!!! فسرقتُ الكأس منها و أخذت أرتشف، صرنا نتنازع الكأس!!!
ثم أخذنا نسكب ونشرب، نشرب ونضحك ضحكات عالية!!! ضحكات تسخر من هذه الدنيا القاسية!!!
لقد دفنت رأسها في صدري وأخذت توشوشني بكلمات دافئة، شعرت بأني أسعد إنسانا في الدنيا، فأخذت أراقب العسل في عينيها كطفل بريء، العسل يملؤني ويطفح فيقطر ويسيل على صدري!!!
استفقت على يد النادل وهو يربت على كتفي… وليتني ما استفقت، كنت منهكا ومشتتا!!!
هل يمكن مساعدتك؟؟!! هل تحتاج مساعدتنا؟؟!!
ألقيت برأسي على كتفه، نعم سيدي، أريد عناية فائقة!!! أريد قتل حماقاتي، أريد قتل الإنسان البدائي الذي يختبئ تحت جلدي!!!
6- موت شفيق!!!
ترى الأشياء تتضاءل لتصير كذرات صغيرة!!! كرغوة الضباب لا قيمة لها!!!
واللحظات تتكاثف كأنها تريدك أن تكون مشدوها، لتعيش الإثارة في أقصى حدودها!!!
فتكتم أنفاسك الثمينة، وتشعر بالثقل يتكدس في أطرافك!!!
هكذا تجد نفسك وجها لوجه مع الموت!!!
أكثر من مرة تسلل إليك الموت كلص في لحظة مباغتة ووقف أمامك شاخصا بلا حواجز وأخذ يتفرسك!!! يقترب منك يكاد أن يلامس أنفك!!! فلا تشعر بالخوف، رعشة ارتباك حادة فقط!!!
تتعذب لكي لا تستسلم له ببساطة، لا تريد أن تغمض عينيك، بل ترفع رأسك لترى ملامحه وتحددها!!! لون عينيه، شكل أنفه، ابتسامته الساخرة!!! كأنك في إغماءة فلا تجد إلا الفراغ والصمت!!!
تنسى كل الأشياء، ولا يبقى سوى أمريْن يعانقان روحك
أولهما: أن تعفو عن الجميع بإخلاص!!! نعم عن الجميع ، فالعفو والصفح صفة الأقوياء النبلاء!!!
أما الآخر فهو: صورة أجمل من في الدنيا: أمك، زوجتك، صغارك... تتمنى أن تودعهم للحظة كبطل وهمي في فيلم سينمائي، يُريق دموع المشاهدين ويترك ذكراك الجميلة ، وبعدها والآن تموت!!!
ترتسم وجوه أحبتك وتنزلق في داخلك عميقا، وهي مليئة بالحزن والعتاب!!!
- لقد كنت أنانيًا!!! لقد تشجعت وتركتنا بلا قبلة وداع!!!
يسدل الموت ستائره، ويغيب متراجعا ويتركك منشغلا في إطفاء مشاعرك التي اشتعلت!!! وكأن الموت يشفق عليك!!! كأنه يشعر بأحاسيسك وأحاسيس من تحبهم ويحبونك!!!
ثم تستفيق وأنت ترتمي في أحضان نفسك وتعانق حياتك بلهفة!!!
هل الموت يُشفق على مشاعرنا، أم أنّ فينا شيئ خفي يتوهج يوهمك بأنك بطل قد نجوت من الموت بأعجوبة؟؟!!
7- ضربة عمياء!!!
أغراني المطر الهادئ بالخروج من بيتي... شعرت بأنّ كل شيء صار ناعما وطريا...فسرحت في رحلة قصيّة… رحلة ركضت فيها من جهة لأخرى في براح متسع أطارد غزالتي الشاردة، فتبقى هاربة في عمق المدى!!! أمد يدي... يصعب الإمساك بها، إنها تراوغني بدلال!!!
وعندما افترشت الأرض منهكا، وأغمضت عينيّ في غفوة قصيرة… شممت رائحتها وهي تقترب، ثمّ تجلّت أمامي كعروس بثوبها الأبيض…
جلست بجانبي، وأخذت برأسي بين يديها، فازداد سحر المكان، وسكنت كل الأشياء، لقد انطفأت كل الأنوار إلا نورها!!!
شعرت بالآلام تنسل من جسمي بانسياب، فصرت خفيفا كريشة تتهادى في زمن مضى بعيدا!!! أنا في حلم بعيد تهرول لحظاته مسرعة!!!
قالت بصوت خافت مخنوق: أرجوك أن تعذرني عمّا حدث، لم يكن ذنبي!!! ثم توقفت كأن كفا خفية كممت فمها!!!
كانت دقات قلبها تعلو وتعلو حتى أنّي أكاد أسمعها!!!
لقد أمضيت ليلة كاملة في كتابة تلك الرسالة!!! كنت غارقا حتى التلاشي في كلماتها!!! أحاول أن أكتب لكِ تلك الرسالة من أدفأ قطعة في قلبي… أكتب كلمة واحدة ثم أتوقف ألتقط أنفاسي!!! كل كلمة أكتبها أتأملها وهي ترقص أمام عينيك، وهي تلامس شفاهك!!! حاولت جاهدا إتمام الرسالة!!!
ماحدث بعد ذلك شبيها بالحلم!!! لم أكن مستعدا أن أخسرك، بضربة عمياء!!!
شعرت بنظام الكون قد انهار!!! كيف يحدث هذا؟؟!! كيف اختلط الأمر على ذلك الصغير الذي أعطى الرسالة لشقيقتك بدلا منك؟؟!!! لم يكن باستطاعتي الوصول إليك!!!
لكنك تسرعت في قرار الزواج… هل راودك الظن بأني أخدعك؟؟!!!
أغمضت عيني لكي لا أرى من يشتهيها قلبي!!!حتى لا أرى من ظلّت هاربة مني طوال الزمن الذي مضى!!!
وقلبي يتوسلني أن افتح عينيك، افتح عينيك، دعها تشق صدرك وتسيل دمك ، استرد الأمانة التي أودعتها للريح!!!
لكنك حسمت قرارك، ولم تسأليني عن رأيي!!!
ازدحمت نداءاتي، كادت تخنقني، لكنك آثرت ألا تسمعيني حتى آخر لحظة!!!
تركتيني أواجه قدري النهائي!!! كان كل شيء قد انتهى ولم يبق سوى ذلك الشوق الثقيل الذي أنهك قلبي، وطيف لك يتموّج أمامي ثم يضيع في الفراغ!!!
شعرت بحزني يلفّ الدنيا، وبأن لونها صار كالحا وباهتا!!!
كدت أصرخ بأعلى صوتي في وجه الدنيا: ما هذه القسوة؟؟!! ليسمعني من في أقصى الدنيا، لكني ابتلعت صرخاتي وتركتها تستوطن أعماقي كألم مقيم ولذيذ!!! وحدي كنت أسمع صرخة الألم!!!
أومأت لي أن أتوقَف عن الكلام !!! نظرت في عينيها فالتمعت كمرآة تضجّ بنداءات عميقة، ثم انطفأت من حزن ثقيل!!!
... هل شعرتْ بالإنهاك والذنب؟؟!!
لقد مضت بخطواتها وملامحها مبتعدة بضجة حزينة، وأبقت ظلالها الثقيلة في عمق قلبي!!!
ناديتها: أرجوك خففي وطء خطواتك فهي تدبُّ على جسمي!!!
8- أريد النوم في الأبد!!!
هناك ألم كبير متداخل يتمدد في رأسي ينهكني… بجهد أحاول أن أركض منه، أهرب منه!!! لكنه يطاردني بإلحاح وكأنه مربوط بعنقي!!!
أهرب منه بخطوات ثقيلة كأني أنتزعها من وحل هائل لزج!!!
الشارع ممتلئ بالناس وازدحام السيارات لكني بالكاد أسمع أصواتهم!!! إنها تأتي من بعيد مبهمة وصاخبة!!! الأشياء بلا شكل أو لون أو وزن!!! متداخلة كمرآة منكسرة… إنهاعقارب الساعة تدور مسرعة للوراء فتجرفني لجهة مظلمة...
كنت في التاسعة أو العاشرة من عمري… لقد أخذوا يطاردونني!!! من أين جاؤوا؟؟!!! وكيف جاؤوا؟؟!!! ولماذا يطاردونني؟؟!! لا أعرف!!!
كلُّ ما أعرفه أنهم قبضوا عليّ، أحدهم ضغط بيده الضخمة على كفي وعصرها… ثم لواها بلا رحمة!!! لقد سمعت عظامي تطقطق كغصن ناشف يتكسر!!! لقد كسر ذراعي… نعم كسرها…
ما زالت إلى الآن تؤلمني!!! وآخر أخذ يركلني بقدمه، ثمّ شجّ رأسي لا أعرف بماذا ولماذا؟؟!!
كنت أحاول أنام ولو في إغفاءة خاطفة فلا أستطيع!!! كانت أشكالهم تتراءى أمامي!!! أشكال ضخمة يصعب تحديدها، بهراوات غليظة وأحذية ثقيلة، كانت أشكالهم تتماهى مع بعضها فتصير رخوة كغيمة سوداء محشوة بأصوات عالية، تزحف نحوي تلفني كعين عاصفة، فأغمض عينيّ وألقي برأسي بين كفيّ، ثم أبدأ بالصراخ والارتعاش…
كلما سمعت طرقا على الباب أفزع؛ أظنهم عادوا ليكسروا ذراعي الأخرى أو ذراع أمي، فأركض سريعا لأختبأ، لا أجد مكانا أختبأ داخله، فأحوم من غرفة لغرفة وأحوم، وأنا أصرخ كالمجنون!!! تتلقفني أمي وتدفنني في جسمها وتغمرني برائحتها!!!
لم تكن أمي ترى ما أراه، أو تسمع ما أسمعه، كل ما تفعله أن تحشو أصابعها في أذني وتغطي عيوني بثوبها حتى لا أسمع ولا أرى تلك الأشكال والأصوات الغريبة… ثم تجهش بالبكاء عليّ ومن عجزها!!! ترفع وجهها لأعلى وتتمتم، تبتهل إلى ربها تدعوه بالرحمة!!!
حين جاء الطبيب الدولي… أعطاني ورقة بيضاء وقلم رصاص وألوان وطلب مني أن أرسم…
أخذ القلم يرتعش بين أصابعي ثم ينزلق... كان الطبيب يشجعني ويمسح على رأسي الثقيل بكفه الحانية ، ويطلب مني أن أحاول أن أرسم ما أريد…
ثم تبدأ تنزلق من تحت القلم الخطوط و والأشكال المختلفة و الرموز و الإيهامات والحروف وبعض الكلمات، أعمل على تلوينها... في كل زيارة كان يطلب مني أن أرسم!!!!
صار النور يتسلل في الغيمة السوداء فتتضاءل، والأصوات تبهت شيئا فشيئا...
ولكن تلك الذكرى ما زالت واقفة على رأسي وفي رأسي، تحتل جزءا من دماغي، كلما عنّت تلك الذكرى ألوذ بالرسم، فيضيء تلك المساحة المعتمة في رأسي ولو بضوء خافت وهزيل!!!
بعد أن أرسم تنتابني الرغبة بالنوم، أريد أن أنام إلى الأبد لا أفتح عينيّ بعدها!!!
أريد أن أنسى الأسماء والأشياء والحروب والصراعات، وأبدأ من جديد طفلا بريئا لا أعرف سوى أسماء الأزهار والأسماك والطيور!!!
9- ثلج يذوب على الأوتار!!!
نسمة ماكرة تداعب شعرها فيتطاير في الهواء؛ و يناغي شفاه الليل!!!
والنغم العسلي ينام في جسم العروس، كصهيل خيل يختبئ في كأس العسل!!!
جميع العشاق ينتظرون قدحة الاشتعال، و المعزوفة العنيفة الغضبى!!!
بدأت أناملها تداعب الأوتار... مناقير طير ينقط منها أنغام كالثج الملون يذوب عن الأوتار!!!
سحابة تمطر أحلاما وألحانا وتشعل الحرائق...
والشال الخزاميُّ على أكتافها غمام ساخن يبللها بالظلال!!!
تخطُّ بريشتها أنغام عشق حزين، يطرّز ملاءة الليل السوداء!!!! ثم صار يعلو ويعلو والدخان يتصاعد من جمر الهتاف والتصفيق حتى صار سحابة رماد!!!
ثم سرت برودة ناعمة، أغرقتهم وأسكرتهم فتراقصوا مع النجمات على بساط يسبح في بحر السماء...
وتركتهم نائمين في العراء يرضعون شهدا من ضوء القمر!!!
لقد أرهقها العزف فتمددت بقميصها المشقوق من عطر أنوثتها، وخيط الكحلٍ يشقّ عينيها العاشقتين كهلالين كحلهما سواد الليل!!!
قالوا أنها تحب فلاحا، وقالوا أنها تحب صيادا، والشعراء أقسموا أنها لا تعشق إلا شاعرا … وأنا أصبت اثنتين من الثلاثة، فأنا فلاح وصياد ولست شاعرا، لكنّي مجنون!!!
فكم ناداني رمشها الأكحل وغامزني أن تعال وأقبل!!!
كنت أرى الطريق، ولكنّي إلى الآن لم أخطُ خطوة واحدة إلى الأمام!!!
10- مصادفة!!!
توقفت عند تلك المحطة القديمة…
ماذا حدث لي للتو؟؟!!
ما الأمر الذي أثار ذاكرتي؛ فانهمرت الصور على رأسي دفقة واحدة، واجتاحتني رائحة جارحة!!!
نعم، لقد تذكرت… هنا التقينا ذات مرة مصادفة!!! كان الطقس ماطرا والليل هامد يلف كل شيء!!!
دنوت منها ودنت مني، فصار الطقس باردا جدا!!! والدفء صار رحمة لنا وشفاء…فغرقنا بذهول في الدفء وفي المطر!!! هكذا حدثت الأمور سريعا!!!
عندها أفقنا على حشد غفير!!! فهربنا واستغثنا كما يفعل العاشقين!!!
لا أتذكر ماذا حدث بعدئذٍ؟؟!! وكيف تبعثرنا؟؟!! كل ما أذكره أنّا التقينا هناا ذات مرة مصادفة!!!
11- آلان شنو حامل الراية الكردي..
كان الليل يتعطر بضوء القمر و يغفو هادئا في حديقة النجوم...
آلان شنو حامل الراية الكردي في قارورته يمضي من سواحل الشام مع الموج كالغيوم المسافرة، يهرب من بلاد صارت عقاب الله… فليتطهروا بالنار!!!
الطفل يلهث هاربا مع مشوار الليل المائي، لقد أعمت رغوة الشيطان أعين الأخوة الأعداء!!!
آلان ينادي: افتح يا بحر كل المنافذ لخطواتي وللهواء، أنا من جيل الحصار والرحيل!!!
أيها البحر، لا تدع بابا مغلقا، امنحني فرحا صغيرا على رقعة ضيقة!!!
لكنّ ساعة البحر دقّت، دار البحر واستدار، صار الموج يعلو ويعلو ثم يندفع ويبعثر الأحلام ، هل يخون البحر؟؟!! أيها البحر نحن أصدقاء!!!
( لا أحد، لا أحد...!!!
وليكن هذا النشيد خاتم الدمع عليكم كلكم يا أصدقائي الخونة )
تاه المركب بين الأزرقين سماء وماء، بحر يغطيه من فوق، وبحر من تحته ينقض عليه!!!
تعب المركب واتكأ على جنبه بين الموج لعله يستريح ، موج أزرق وحلم أسود كمشنقة تدلت من السماء...
نظرت الأم في كل الجهات، فلم تجد سوى صورتها وطفلها وحلمها الذي صار يذوب في الماء!!!
وحدها وطفلها آلان شنو في صحراء الصمت والماء… صرخات: يا غريبة ووحيدة وبعيدة… ارتدّ الصدى في جوف وحدتها… وحدكم و البحر، وجهنم الشيطان خلفكم!!!
صراخ غرس مخالبه النافرة في خناق الإنسانية النائمة...
انكسر الصراخ وذاب في الماء، وأدركها حصار الموج ، أفرغت آخر الصراخ في الماء ،لا شيء هنا لا شيء سوى الماء...
لقد احترقت مراكبنا، وطارت خيمتنا مع الريح، وتعانقت أذرعنا!!!
اهدأ يا آلان، فعمّا قريب ستكون الرعشة الأعلى لنعود كما ولدتنا السماء!!!
آلان: أين آسيا الملكة؟؟!!أين آيات ربي المجيدة؟؟!!
لكن الرعشة الأعلى التفت على عنق آلان!!! فرّ الطفل؛ ليحرس طوافات البحر عند حواف الشام، والخلق نيام!!!
هناك أرواح طاهرة تتطاير كالمناديل البيضاء عبر ممرات السماء فوق الغيوم بعيدا عن خوذات القتلة!!! توّجت البحر بإكليل الجثث...
اكتمل التيه بقبر في الماء!!! والجثث موائد في البحر!!! هنا ماتوا، وصاروا كلمات وذكريات!!!
آلان الكردي الإنساني بجسمه الضئيل على مدخل الشط، يلقم التراب ويرضع رحيقها المالح!!! لقد غرقت بساتين التفاح واللوز في عينيه الكحلاء!!!
كانت الملكة (آسيا ) تنتظرآلان عند مأدبة الجنة بثوبها الذي يشبه زبد البحر، أجلسته الأم في حجرها، وألبسته تاج البرق لمملكة بابل والفرات!!!
( وكان نسيم الطفولة ينضحُ مما شقوق الجنازة
بين المخيم والشام تنصت أين اللقاء
جنازة مَنْ هذه؟! ولماذا بلا وطن؟!!!)
صار آلان الصغير طائرا كبيرا حرا، طاووس يتبختر فوق الموج، ينثر ريشه الملون فوق المآذن و الأجراس كل صباح وكل مساء!!! فيشعلها بوعوده الأكيدة…
إنه الآن حُرّ مثل النجمة التي تحرس بوابات الشام!!!
12- قبلة الصباح...
استطعت ان أمشي على أطراف أصابعي كي لا أوقظك يا صغيرتي!!!
حين اقتربت منك كنت وادعة في فراشك، الحمد لله، ها أنت بخير…
أشفقت على وجنتيك الورديتين من قبلتي القاسية، وعلى عينيك الغافيتين!!!
كنت أعرف أنك تحلمين، لقد سمعت وشوشة ذلك الحلم يخبرك بصباح وادع وهادئ !!!
كيف بي أن أحرس أحلامك من خناجرهم؟؟!! وأن أمنحك بصدق يملأ يقيني: الحب والأمان والحرية...
سحبت الستارة بحذر وانسحبت بهدوء على أطراف أصابعي، لكني توقفت فجأة…. وأخذت أنظر إليك طويلا … صارت عيناك تناديني بإلحاح: تعال يا أبي، أنصت لحلمي، تعال استمع لأفراحي …. وبعدها امنحني قبلة الصباح التي اعتدت عليها!!!
تحرّكت روحي… فخطوت عائدا إليها… طبعت قبلتي بين عينيها، تفشت قبلتي على وجهها فازداد ألقًا… حلّق طائر السنونو وصار ينثر ألحانه كبائع الورود!!!
أنا في سحر مكان يملؤه نور الصباح والطفولة الرقيقة وحلم صغيرتي الجميل!!!
اعذريني يا أميرتي، فأنا لا أعرف ما تخفيه الأزمان...
تركتها في عمق خدرها الهادئ إلى الفراغ ورهبة المجهول، إلى تيه ممتلئ بالضجيج!!!
13- جبروت أنثى!!!
كان المقهى شبه فارغ… شعاع الضوء الهادئ يأتي من المصباح المعلق، يتسلل من بين أنغام أغنية حزينة، يلتمع على خدها ثم يمتزج ببريق الكأس...
خليط من الأنوار والظلال والألوان الدافئة يدور كدولاب سريع!!! فيكسبها جاذبية كبرى لا تطاق!!!
أغمض عينيه لعله ينجو من هذا الدوران المريع!!!
صار يسمع وقع حركات أنأملها وهي تتحرك تمسك بالكأس فيرنُّ في الفراغ ما بين شفتيها والزجاج!!!
كيف يمكن أن أتسلل لداخلها؛ لأقرأ أشواقها وأتعرف على الأشباح التي تنام متخفية؟؟!! أشباح كلما اقتربت منها قفزت من عمقها كالمستحيل!!! إنها أمامي هادئة مبهمة كسرٌّ عظيم!!!
ساد صمت مربك.. كان ممتلئ بالأسئلة لكنها انطفأت فجأة كجمرة مشتعلة ألقيت في الماء….
بدأ يحاول أن ينزلق ببطء في عمقها السميك، فتأخذه الآلام، آلام تشعره بدفء ناعم، إنه خائف من أشباحها يحاول أن يتفاداها!!!
-كيف أبدأ معها؟؟!! من أين أبدأ؟؟!!
شعر بالخوف وهو يستمع لحروفه الصغيرة المتلعثمة تترنح سكرى في الفراغ...
لماذا نحمّل أنفسنا كثيرا؟؟ لماذا نتطرف و نقف بحياتنا على الحواف القاتلة؟؟!!!
- لماذا لا نلتقي في منطقة وسطى في المساحة الآمنة، لنجعل حياتنا أكثر تواضعا وهدوءا؟؟!!
- لماذا نشعل الحرائق قريبا منها؟؟!! ألقى بأسئلته دفعة واحدة، كأنه يريد التخلص من ثقلها الذي أرّقه طويلا!!!
نهضت من مكانها واقفة، لقد فهمت كل التفاصيل بلمحة واحدة!!! إنها حادة، تستكشف طريقها بطلّة عميقة وبعيدة!!!
-أنت ترهق نفسك أكثر من اللازم، اللقاء انتهى!!!
-انتظري، لم أنته بعد، لم أقل كل ما في خاطري!!! لماذا التسرع؟؟!!
عاد صوتها الناعم الحاد يثقب رأسه كرصاصات ثاقبة!!! لقد أطلّت أشباحها المتغطرسة!!!
-أريد الكثير من الضجيج والحرائق في حياتي؛ لأدرك المعنى المثير للحياة!!!
- أريد أن أستمتع بجنون الحياة!!! أنت لا تعرف معنى متعة المغامرة!!!
- إذا كنت ترتاح بملل الحياة، فأنا أبحث عن صخبها؟؟!!! هل فهمت؟؟!!
- مشكلات الحياة هي التي تمنحنا القوة للاستمرار بها بقوة، وتجعلها أجمل وأغنى وأكثر دهشة!!! الملل يجعلنا نمضي في ممر ضيق، نحبو كأطفال مفزوعين نحو الموت!!!
- يمكنك أن تذهب الآن، أو أن أذهب أنا!!!
انطفأ صوته نهائيا، تبعثرت كلماته، وشعر بأنه سينهار بين يديها… إنه هشٌّ كطفل صغير أمام جبروتها!!!
- وداعا أيها المُمل، سأغادر الأسوار!!!!!!!!
14- حبة المانجو….
حبة المانجو أمامي بكل عفويتها، و بألوانها الواضحة... كأنها خرجت للتوِّ من رحم أمها الطبيعة!!!
حبة المانجو تداعب قلبي...عشب أخضر مبلل ينمو في مساحة صدري!!!
أراقبها كاني أحدّق في قمر ملون يغازلني؛ فيرتعش قلبي، وعيناي تدمعان وتحرقاني!!!
أتأمل رخامها الملون، فتتدحرج عيناي عن سطحها الأملس الناضج!!!
تتكسر ألوانها... ألسنة النار تشعلها من أسفل، يهرب الأخضر لأعلى ويسيل دما ويستغيث!!!
ضممتها بيدي فصارت تتقافز بشقاوة و بفرح، ثمّ عانقتني … أيقظت غروري العارم؛ قضمتها فرشقت رحيقها على وجهي وملابسي!!!
يا لرعشة رحيقها!!! رحيقها شقَّ صدري وجعل دمي يسيل على بلاطها العاري!!!
عصفور جميل حطَّ على أغصان صدري، نقر قلبي فأدماهُ، ثم طار نحو عين الشمس!!!
15- غسان والحمام!!!
اعتلى غسان سطح البيت ينقي وقته، يبحث عن الطمأنينة على أرجوحة الغمام بين هديل الحمام الطاهر!!!
كلما اعترته الأحزان يزور الحمام يبحث معه عن صدفة لغفوة قصيرة ينتزعها من يقظة الموت!!!
كانت الطائرات توقظ الموت المسعور و تنشره في كل اتجاه !!! الموت يرافق غسان، الموت قريب منه كظله، وغسان يحتال عليه!!!
غنّى وتراقص غسان مع الحمام وهو ينثر عليه الطعام كالمطر الدافئ، و يحادثه عن الغرام والأشعار والسلام!!!
لم تكن الرصاصة صدفة قاتلة، كانت قاصدة ومقصودة!!!
لقد غابت الرحمة!!! الرصاصة شقّت صدر الحمامة البيضاء ونثرت ريشها المنتوف المغسول بالدم!!!
خانت الرصاصة الحمام واغتالت السلام!!! كيف يصاب البشر بالجنون ويقتلون الحمام، أجمل شعارات الدنيا في العشق والوئام ؟؟!!! كيف تسطو الأيدي القذرة على البراءة والأبرياء؟؟!!!
بعد تنهيدة أو تنهيدتين، خرّت الرصاصة الأخرى، الجمرة اللاهبة في قلب غسان، فأغفى إغفاءته الأبدية بين ريش الحمام!!!
كيف تُنصب الأشراك الغادرة في الظلام وتصير البراءة ورشة للشيطان؟؟!!!
لم يحتمل الحمام مشهد الطائرات التي تنثر الموت وترشق على الجدران الدم الشريف الحرام!!! فأعلن الحمام الإضراب عن الطعام وعن السلام!!!