تاريخ النشر: 2023-10-21 | 09:49
تاريخ النشر: 2023-10-21 | 09:49
لعلي لا أبالغ إذا قلت انّ ـ بلادكم ـ قد بلغت حدّا من الغرور تصوّرت معه أنّها ملكت مفتاح الحقيقة المطلقة،ولم تعد بحاجة إلي الجديد أو التجديد،نسيت تماما ونهائيا أنّ ما تملكه ليس أكثر من إحدي جزئيات الحقيقة،وأنّ الحقيقة الكلية المطلقة ليست بمتناول أحد أو بلد أو حقبة من التاريخ،ولكنّها قدّست الحقيقة الجزئية النسبية وحوّلتها إلي فكرة جنونية.
لقد كانتـ ولاياتكم المتحدةـ في بداية الستينيات تمثّل أقوي دولة في العالم وفي التاريخ،رمزا ديناميكيا للحرية والديمقراطية..
واليوم..
صارت هيبتها تتلقّي الصفعات من كلّ جانب وأضحت رمزا للإمبريالية والاستعمار الجديد،مما أضاف أزمة أخلاقية عميقة داخل الضمير الأمريكي العام.
لقد كان جونسون مصابا بجنون العظمة،واقتنع بأنّه أقوي رجل في العالم،وأنّه يستطيع شراء فيتنام كما اشتري مساعديه في واشنطن،باعتبار الدولار سيّد الأحكام هناك..لا في كل مكان.. وّكان نيكسون أكبر مدلّس في تاريخ الرئاسة الأمريكية وكانت ووترغيت عنوانا كبيرا للانحطاط..
وإذن؟
هل ستقرؤون التاريخ إذا-يا جو بايدن-لتتعلّموا من خبرات الذين سبقوكم..ولتعتبروا بتجاربهم وأخطائهم إذا كنتم فعلا تحبّون الحياة وتعتقدون بأنّكم تستحقون هذه الحياة..؟
يا "سيد البيت الأكثر بياضا من العدم":
إنّ فكرة أمريكا فكرة استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة عبر الاجتياح المسلّح وبمبرّرات غير طبيعية هي محور فكرة إسرائيل التاريخية.وإنّ عملية الإبادة التي تقتضيها مثل هذه الفكرة مقتبسة بالضرورةـبشخصيات أبطالها:الإسرائيليين،الشعب المختار،العرق المتفوّق.وضحاياها: الكنعانيين الملعونين،المتوحشين البرابرة.ومسرحها:أرض كنعان،واسرائيل.ومبرّراتها:الحق السماوي أو الحضاري.وأهدافها:الإستيلاء علي أرض الغير واقتلاعه جسديا وثقافيا من فكرة اسرائيل التاريخية.
هذا الإعتقاد بأنّ هناك قدرا خاصا بأمريكا وأنّ الأمريكيين هم الإسرائيليون الجدد و الشعب المختار الجديد يضرب جذورا عميقة في الذاكرة الأمريكية،وما زال صداه يتردّد في اللغة العلمانية الحديثة أو ما صار يُعرَف بالدّين المدني religion civile إنّه اعتقاد يتجلّي بوضوح في معظم المناسبات الوطنية والدينية وفي كل خطابات التدشين التي يلقيها الرؤساء الأمريكيون مفاده أنّ الله القدر،حتمية التاريخ…إلخ اختار الأمّة الأمريكية (الأنكلوساكسونية المتفوقة) وأعطاها دور المخلّص (الذي يعني حق تقرير الحياة والموت والسعادة والشقاء لسكان المجاهل).
أذكّركم بالحكمة المتعبة التي تقول من يزرع سوف يحصد.ومن هنا ينبغي أن يعرف أفراد شعبكم أنّهم ليسوا موضوع الكراهية،بل سياسات حكوماتكم المتعاقبة،ولا يُعقَل أنّهم يرتابون في أنّهم أنفسهم ـ بموسيقييهم الرائعين،بكتّابهم،بممثليهم،برياضييهم المدهشين وسينماهم ـ موضع ترحاب في العالم بأسره،جميعنا تأثرنا بشجاعة ورشاقة عمّال المطافئ ورجال الإنقاذ وموظفي المكاتب العادية في الأيّام التي تلت -أحداث مانهاتن-ولكن من المؤسف أنّه بدل استخدام الحدث كفرصة لمحاولة فهم يوم 11 أيلول/سبتمبر،استخدمت-أمريكا-الفرصة لإغتصاب أسى العالم، لكي تمارس وحدها الحداد والإنتقام..
أيّها الرئيس -المناصر لإسرائيل-:
ها نحن في لبّ المسألة،استيحاء التمييز بين الحضارة و الوحشية بين ذبح النّاس الأبرياء أو، إذا شئتم صدام الحضارات و الضرر المجاور أمام تعقيد العدالة اللامحدودة وجبرها الحرون.
والأسئلة التي تنبت على حواشي الواقع:
كم نحتاج من الموتي العراقيين قبل أن يصبح العالم مكانا أفضل؟ كم نحتاج من الموتي الأفغان مقابل كل قتيل أمريكي؟كم من القتلي الأطفال والنساء الفلسطينيين مقابل كل قتيل إسرائيلي؟كم من القتلي المجاهدين مقابل استثمار مصرفي نهم؟
النّاس ليسوا من حجر،ولا هم أغبياء،إنّهم يرون استقلالهم مُصادرا،وثرواتهم وأرضهم وحياة أبنائهم مستلبة،وأصابع الاتهام التي يرفعونها تتوجّه إلي الشمال:إلي المواطن الكبري للنهب والإمتياز.ولا مناص للترهيب من أن يستولد الترهيب.
يا-جون بايدن-: عنصريتكم،لا تستهدف الدول السبع التي قرر سلفكم-دونالد ترامب-منع مواطنيها من دخول بلادكم،وهي العراق وسورية واليمن والصومال وليبيا والسودان،بالإضافة إلى ايران،وإنما تتخذون هذه الدول،وما يجري فيها من فوضى دموية،هي من صنع أمريكا بالأساس،كغطاء لعنصريتكم وكراهيتكم لكل المسلمين دون أي استثناء،أيا كان مذهبهم أو أصلهم.
ولكن..
مجادلة-إدارة عنصرية-مثل إدارتكم بالحقائق،والعقل،والأدلة المنطقية،مثل القول بأن أمريكا لم تتعرض لأي عمل إرهابي شارك فيه مهاجرون،أو التذكير بالدستور الأمريكي،وعلمانية الدولة،وقيم العدالة والمساواة،يعتبر مضيعة للوقت والجهد،ولا طائل منها،تماما مثل مجادلة-الجاهل الأحمق-
“السيد الرئيس” هذه الدول السبع لا تشكل ومواطنوها أي تهديد إرهابي لأمريكا،وإنما العكس تماما،فهي كانت،ومازالت،ضحية الإرهاب الأمريكي،وما حدث في مدينة البيضاء في اليمن في السنوات القليلة الماضية من استشهاد ستين يمانيا بغارة أمريكية معظمهم من المدنيين،إلا أحد الأمثلة.
ولكن..
لا نستغرب هذا الصمت العربي المتواطيء،وربما لا نبالغ إذا قلنا أن بعض الزعماء العرب،يرحبون بخطواتكم”المدروسة جيدا”هذه،لأنهم يمارسونها فعلا،أو هم بصدد ممارستها في بلدانهم،من حيث تضييق الخناق عليها،واثقال كاهلها بالضرائب والرسوم،تمهيدا لإبعادهم.
والألم:
لا يوجد زعيم عربي واحد حتى كتابة هذه السطور في ظل حمم الجحيم التي تسقط على رؤوس الفلسطينيين،اتخذ موقفا أخلاقيا شجاعا على غرار الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو*،الذي شبّه الهجمات الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة باضطهاد النازيين لليهود.وقرر بالتالي قرر تعليق العلاقات الخارجية مع إسرائيل.
في الختام أقول لكم:
إنّ الشعوب العربية المضطهَدَة-وعلى رأسها الشعب الفلسطيني الجريح-وحدها تستطيع أن يتحدث عن أمل ممكن أن ينبثق من دفقات الدّم ووضوح الموت،المواجهة عندها تعني الفعل الذي لا يقف عند حدود الكلام والنوايا،وإنّما هي فعل وجود يصرخ أمام العالم بأنّ الإستعمار غير مقبول وبأنّ الحرية والسيادة مبدآن لا يمكن التخلي عنهما مهما كانت سطوة -الطغاة-وعمى الدول الكبري..
*طلب وزير الخارجية الكولومبي الفارو ليفا من السفير الإسرائيلي في بوغوتا الاعتذار ومغادرة البلاد،بعد رد الدبلوماسية الإسرائيلية على تصريحات للرئيس غوستافو بيترو تناول فيها الحرب بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية،وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية (حماس).
وفي منشور على منصة إكس ردا على إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت حصارا كاملا على غزة في المعركة ضد من وصفهم بـ"الحيوانات"،قال الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو "هذا ما قاله النازيون عن اليهود". وشدد على أن الشعوب الديمقراطية لا يمكنها السماح للنازية بإعادة ترسيخ نفسها في السياسة الدولية.