تاريخ النشر: 2021-05-21 | 08:26
تاريخ النشر: 2021-05-21 | 08:26
تعيش المنطقة والعالم هذه الأيام على وقع معادلات متغيرة...
ومفاهيم ناهضة...
واقتصاديات تتبادل مواقعها...
ودول تزحف نحو العظمة، وأخرى تنكس أعلامها...
من بروز التنين واستعادة الدب لدوره، الى صعود لليمين في أوربا...
وارتباك امريكا، وإطلالة جديدة لقوى اليسار...
وتململ شعبي عالمي واسع من الحكومات لأسباب داخلية ورأسمالية...
وانبعاث حراكات رفضوية ومنها القومية اليمينية في أكثر من مكان...
وقسطنا كعرب وكعرب فلسطينيين مما يحدث ليس بسيطًا.
نحن في فلسطين وقضيتها لربما نكون القضية التحررية الثورية العادلة الأطول ما تنبّه لذلك المنتفضون في أطرهم ومجتمعاتهم وأحزابهم لدى المنطقة وفي العالم...
وماذاك الا نتيجة مجمل نضالات الثورة الفلسطينية العظيمة المتراكمة منذ الانطلاقة المجيدة عام ١٩٦٥ حتى اليوم...
لذا نجد جدلًا واسعا حول الموقف تجاه فلسطين الذي من مظاهره البارزة اليوم في أمريكا كمثال تفتت الاجماع بين الحزبين على الدعم الأعمى للكيان الغاصب في فلسطين ظالمًا أو ظالمًا (رغم البيان المعاكس الذي صدر في 16/5/2021).
بلاشك أن المتغيرات لاتأتي فجأة...
وإنما عبر تراكمات العمل المخطط خلال السنين...
تأتي المتغيرات عبر صنع الأحداث أو التأثير بها
ولا تاتي المتغيرات صدفة أو بالضربة القاضية وإنما عبر الجهود الجبارة للرواد والثوار والشباب...
تأتي المتغيرات الثورية من خلال المصداقية بمدى انطباق المبادئ على الأقوال.
المتغيرات لا تأتي بإعلاء النفس الفصائلي المريض وإنما بالوحدوية الجامعة
المتغيرات في المنطقة والعالم والفروقات في الاجيال كبيرة، وهو ما يحصل -كمثال-لدى اليسار الأمريكي، وشبيبة الحزب الديمقراطي الامريكي المتّجه نحو فلسطين في مقابل الاحتلال.
يكتب السفير روبرت فورد في صحيفة الشرق الاوسط تحت عنوان: «الديمقراطيون» الأميركيون والفلسطينيون في 14/5/2021 : (لا يزال الرأي العام الأميركي منحازاً بإيجابية ناحية "إسرائيل"، ولا تساعد الهجمات الصاروخية المنطلقة من قطاع غزة ضد "إسرائيل" على التحسين من صورة فلسطين داخل المجتمع الأميركي. وهناك حالة انقسام واضحة داخل أروقة الحزب الديمقراطي الأميركي الحاكم بشأن هذه الأزمة الراهنة، ما بين موقف الرئيس بايدن من التصرفات الإسرائيلية وبين موقف الجناح اليساري للحزب الديمقراطي.)
إلا أنه ورغم ذلك يختم مقاله بالقول الهام: (على المدى البعيد، ومع اختفاء الأعضاء الأكبر سناً من الحزب الديمقراطي، من المرجح أن يدفع الأعضاء الشبان حزبهم بالكامل لأن ينتهج السياسات الأكثر تأييداً للفلسطينيين. ولا أعرف ما إذا كان هذا التغيير في الحزب الديمقراطي سوف يأتي قبل أن تتلاشى من الأفق فرصة الوصول إلى حل الدولتين.)
المتغيرات تفرض على القائد السياسي أن يغير خريطة تفكيره فيفهم ويدرك معنى المتغيرات ليجترح طرائق جديدة وسياسات مختلفة واستراتيجيات لا تلغيه ولا قضيته، ولربما يكون تنحّيه أمام الشباب في الفكر والعطاء والسن قد يكون حلًا حقيقيًا.
في منطقتنا العربية فإن مثلث الانهاك والتقوقع والانعزال سيد الموقف.
دول عربية أنهكت من حروب التطرف الاسلاموي المحتضن استعماريًا، وأنهكت من الاحتلالات والتدخلات الأمريكية وعدوانها السافر وامتصاصها ثروات الامة، وانهكت من الفوارق بين الطبقات الحاكمة والشعب، وأنهكت من التدخلات غير المحمودة لدول أقليمية غير عربية بما مثّل تساوقًا مع مخططات التفتيت الصهيو-أمريكي.
هناك دول تقوقعت حول نفسها، وتباعدت عن مركز الأمة فلسطين تحت حجج المصالح فنأت وصمتت، فلاتخرج منها الكلمة الا بشق الأنفس.
ودول انعزل قادتها (أو بعضهم) عن عمقهم العروبي، وعمقهم الاسلامي، وعن مركزية القضية التي بدأوا ينظرون لها "بالبائدة" و"القديمة" "التي عفا عليها الزمن"! وكأن للحق والعدل زمن محدد، أوكأن للإيمان بالله أو القضية شروط على الله!
وهؤلاء القادة -ربما دون أن يدرون أو بسطوتهم واستبدادهم- قد ابتعدوا عن الجمهور العام الغاضب وخاصة الشباب المتفجر عنفوانًا ورفضا لمن يسلبه هويته او دينه أو قوميته أوكرامته.
في منطقتنا العربية صراعٌ محمومٌ (ونراه مذمومًا) بين المحور العربي بقيادة السعودية وبين المحور الايراني الذي أدمن التدخل في كل المنطقة للأسف، وذاك التركي-الاخواني، وبالطبع دون إغفال اللاعب الأكبر والمتسيّد للمنطقة وهو الاحتلال الصهيوني الذي بدأ اللاعبون كل بطريقته يتقرب منه ليس من أجل فلسطين -كما أدعى بعضهم سابقًا!- وإنما إرضاء لهذا النظام أوذاك ومصالحه الضيقة.
الصراع الاقليمي في منطقتنا وعلى منطقتنا صراعٌ لايفوز فيه الا الإسرائيلي فقط.
الإسرائيلي الذي اخترق جسد الأمة العربية والاسلامية- وفيها الدول التي ترفع من مقام مصالحها وسلطانها واستبداد أنظمتها ولو دفعت كل ما أعطاها إياه الرب لتحقيق هذا الهدف السامي!- هو الإسرائيلي العنصري الفاشي الذي يتقن التفتيت وزرع الشقاق بين أجزاء الأمة عمليا وفضائيا، وقد ينجح إن طلقنا الوعي، وإن طلقنا الارتباط الأصيل بحضارتنا العربية الاسلامية الجامعة.
إن لم يجد الاقليم (العربي والاسلامي) صيغة توافقية تكفّ أيدي العابثين عن جسد الأمة العربية سيظل استغلال فلسطين هو الحقيقة، وسيستمر استغلال التفتت الحاصل لمكسب مصلحي اقتصادي او جزئي أولصالح السلطة بالبلد هنا أو هناك، والمكسب الحقيقي هو للاعب الأكبر أي الإسرائيلي المستعمر والمحتل ليس لفلسطين فقط بل لاقتصاديات وأمن و عقول البعض المتخلف والانعزالي بالأمة.
دخلت فلسطين إثر هبة رمضان ١٤٤٢هجرية في مواجهات طالت كل البلاد ومازالت مستمرة، وتعملق العدوان الصهيوني على غزة، والمتواصل يوميًا بالضفة، في ظل تفتت العرب واستجدائهم الغرب، وفي ظل التمحورات الايرانية والتركية!
كيف لأمة منهكة أو متقوقعة أو منعزلة أن تنتصر؟
وكيف لأمة تخترع عدوًا (مركزيًا) من الجار التاريخي لها، وتترك عدو الأمة (المركزي الرئيسي) الصهيوني أن تنتصر؟
وكيف لأمة لا تنتصر لنفسها بالتآلف والوحدوية، والكفّ عن التفتيت، وبالتقارب أن تنتصر لفلسطين؟
وكيف لمن يرفعون شعارات تحرير فلسطين بالأمة أن يَصدُقوا، وهم يساهمون في تدمير جسد الأمة في كل مكان؟
التغييرات العالمية قادمة والمعادلات متغيرة ومنطقتنا العربية وتلك العربية-الإسلامية إن لم تجد صيغة توافق حقيقي فإننا في فلسطين نستند على حائط مائل، وسننتظر النصر طويلا...
لن نملّ صحوة الأمة وجماهيرها الشجاعة، ومؤازرة أحرار العالم ولكن من الواضح أننا سنظل نعتمد أساسًا على دمائنا المهراقة وسواعد شبابنا السمراء ومقاومتنا بكافة الأشكال، وما النصر الا من عند الله.