تاريخ النشر: 2026-06-28 | 15:43
تاريخ النشر: 2026-06-28 | 15:43
تحكم العلاقات الاستخباراتية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، منذ عقود، قواعد اشتباك غير مكتوبة تقوم على غض الطرف المتبادل عن مستويات منخفضة من جمع المعلومات، وهو ما يُعرف في عالم الأمن بالهوامش المقبولة بين الحلفاء. إلا أن التسريبات الأخيرة الصادرة عن البنتاغون تشير إلى تحول بنيوي عميق، حيث تشير البيانات الأمنية إلى أن إسرائيل تجاوزت العتبات المدركة للأمن القومي الأمريكي، ولم يعد نشاطها مجرد محاولات حليفة لاستشراف المواقف، بل تحول إلى اختراق مكشوف ومباشر لغرف القرار السيادي. هذا التحول الخطير لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتاج مسار تصاعدي ممتد عبر العقود، بدأ في منتصف ثمانينيات القرن الماضي وشهد ذروته الصادمة في قضية جوناثان بولارد، محلل المخابرات في البحرية الأمريكية، الذي سرب آلاف الوثائق السرية للغاية التي شملت كشوفات للأقمار الصناعية وأدلة الشفرات، مما شكل صدمة أولى كسرت العتبة المطلقة للتجسس المقبول وأجبرت تل أبيب حينها على تقديم تعهد مكتوب بعدم تكرار مثل هذه العمليات البشرية على الأراضي الأمريكية. هذا التعهد الإسرائيلي لم يمنع الأجهزة الأمنية من مواصلة البحث عن منافذ جديدة، وهو ما تكشف بوضوح عام ألفين وأربعة من خلال فضيحة لاورنس فرانكلين، محلل شؤون إيران في البنتاغون، الذي ضبط وهو يسرب وثائق دفاعية سرية حول السياسة الأمريكية تجاه طهران إلى دبلوماسيين إسرائيليين وأعضاء في منظمة إيباك، مما أثبت لواشنطن أن حليفها مستعد لخرق كافة الاتفاقات إذا كان الأمر يتعلق بملفات تعتبرها تل أبيب وجودية. ومع التطور التكنولوجي الهائل، انتقل هذا التجسس من الاعتماد على الأفراد إلى الاستباحة التقنية المباشرة، وهو ما تجسد عام ألفين وتسعة عشر عندما رصدت الأجهزة السيادية الأمريكية زرع أجهزة تجسس دقيقة تُعرف باسم أبراج الخلوية الوهمية لتلقي الاتصالات في محيط البيت الأبيض ومواقع بالغة الحساسية في العاصمة واشنطن، وتتبعت الدوائر الفنية مصدرها لتقود مباشرة إلى جهاز الموساد الإسرائيلي، في خطوة نقلت الإحساس الأمريكي بالخطر إلى طور الفارق الملحوظ والمكشوف. ولم تتوقف الاندفاعة الاستخباراتية عند هذا الحد، بل وصلت إلى مستويات غير مسبوقة من الجرأة عندما حاولت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية زرع أجهزة تنصت داخل مقر رئاسة وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية نفسه عام ألفين وواحد وعشرين، وتلاها محاولة أخرى قام بها جهاز الأمن العام الإسرائيلي لزرع جهاز تنصت داخل إحدى مركبات الخدمة السرية الأمريكية المكلفة بحماية قادة الدولة والمنشآت العسكرية، مما عكس تخطياً تاماً لكل الخطوط الحمراء المتعارف عليها بين الدول الحليفة. هذا المسار التصاعدي الطويل وصل إلى نقطة الانفجار الحالية مع تصاعد الخلافات المكتومة بين الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حول صياغة الاستراتيجيات الإقليمية والاتفاقات السياسية؛ إذ شنت إسرائيل حملة تجسس تقنية شرسة استهدفت اختراق الهواتف الشخصية لكبار مسؤولي إدارة ترامب ومفاوضيه، وعلى رأسهم المبعوث الخاص ستيف ويتكوف ومسؤول السياسات في البنتاغون إلبريدج كولبي، بغرض الاستيلاء على مسودات ومواقف واشنطن التفاوضية السرية. هذا الاختراق الفج والواسع النطاق هو ما دفع البنتاغون رسمياً إلى اتخاذ خطوة تاريخية غير مسبوقة برفع تقييم تهديد التجسس الإسرائيلي إلى الدرجة القصوى تحت تصنيف حرج، وهي مرتبة تفوق أي دولة حليفة أخرى، ليجبر الإدارة الأمريكية على تطبيق بروتوكولات دفاعية صارمة وعزل حليفها استخباراتياً في غرف المفاوضات الحساسة، بعد أن تأكدت واشنطن أن الطرف الآخر لم يعد يكترث بالحفاظ على عملياته تحت العتبة المدركة، بل تعمد كسر عتبة الفارق الملحوظ وبات يهدد أمن الدبلوماسية الأمريكية وسيادتها المعلوماتية بشكل مباشر.