تاريخ النشر: 2022-03-20 | 09:26
تاريخ النشر: 2022-03-20 | 09:26
قبل أيام قليلة تم الإعلان من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة -بعد ان تقدم المندوب الباكستاني بمشروع بخصوصه -عن تخصيص 15 مارس من كل عام يوما عالميا لمكافحة رهاب الإسلام "إسلامفوبيا".. إن هذا الإعلان العالمي يمسح عارا لحق بالأمم والدول وهي تصمت على أخطر جريمة عنصرية فتكت بمقومات إنسانية عظيمة لأمة تشارك الأسرة البشرية مصيرها بإمكانها ترميم الخراب في البنيان الاجتماعي والسياسي الدوليين الناتجين عن حركة الإنتاج والاقتصاد في الحضارة الغربية.. إذ أنّ غياب الإسلام من مسرح الحياة كمرجع للقيم الاجتماعية والقوانين الدولية والسياسية لم يرتد بالضرر على المسلمين وواقعهم فقط، بل على البشرية الناهضة بالتكنلوجيا والعلوم الشتى فيما هي تتخبط في نتائج معامل التجريب الأخلاقي والقيمي والقانوني الذي يقوده كبار أصحاب المال الى الحروب والمظالم..
ليس الامر متعلقا باستجابة البشرية او عدمها لعقيدة الإسلام فتلك عملية ايمانية فردية لا سلطان لاحد فيها، انما المعني هنا القيم الناظمة والمهيمنة على سلوك البشر في السوية والعدل والرحمة والتآخي الإنساني والسعي المتوازن لحياة إنسانية كريمة.. وتقدمها دونما قيود مسبقة وحواجز عصية من الدعايات المنظمة لشيطنة المسلمين والإجراءات القمعية لكل شيء يمت للإسلام بصلة.. وفي هذه الحال تصبح مفاهيم الإسلام وقيمه في تنافس مع ما انتجه الغرب من قيم ومفاهيم في مناخ الاخذ والرد وفي هذا فرصة عظيمة لاستفادة البشرية من الدين الذي حصرت مهمته الاساسية في الرحمة بجميع البشر سواء المعتقدين به او غير المعتقدين.
حرب ثقافية طويلة الأمد:
لم تكن الحرب الأمريكية على العراق وأفغانستان أول العدوان على بلاد العرب والمسلمين بل جاءت في سياق الهجوم المعاصر الذي امتد منذ محاكم التفتيش في اسبانيا وتواصلت الحروب الصليبية وبعدها الحملات الاستعمارية وكل ذلك تحت شعارات عنصرية ضد المسلمين واتهامهم بكل أنواع القبح والشيطنة.. وانبرى لذلك ادباء وشعراء وكتاب ورجال دين زودوا الحملات العدوانية بمبررات تلهب مشاعر العامة وتزود القادة بمحرك للحشد والتعبئة.. ولم تكن الكوميديا الإلهية للأديب الكبير كانت الا واحدة من نتاج المراحل العدوانية المغرضة على ثقافة الإسلام ورموزه.
ان ما حصل في محاكم التفتيش وعمليات "الاسترداد" في اسبانيا من إبادة للمسلمين ومعنوية ومادية وحملهم بالعنف على ترك دينهم يعتبر من ابشع ما تم عبر التاريخ البشري وهو لم يتم قبل ان تشحن جماهير المقاتلين بمفاهيم عدوانية ضد الإسلام.. واستمر المستشرقون في انتاج كل ما من شأنه تشويه الإسلام واظهاره على نسق مغاير للحضارة والمدنية.. وبهذه الشعارات اجتاحوا بلاد العرب والمسلمين في حرب عنصرية إجرامية ابادت ملايين البشر كما قال فردريك أنجلز ان البرجوازي الأوربي خير بلا شك من وجود المتخلفين البرابرة في شمال افريقيا والقول نفسه قدمه كارل ماركس عن المجازر التي ارتبكها البريطانيون في الهند، وعندما نأتي على ذكر مفكرين يساريين فان الامر يكون اكثر بشاعة في حالة المنظرين اليمينيين العنصريين.. وبعد المستشرقين جاء دور مراكز البحث وتقدير الموقف في أمريكا ولندن وسواهما من عواصم الحضارة الغربية حيث تورطت هذه المراكز في تعميم ثقافة الاسلاموفوبيا بشكل ممنهج ومن خلال ارتباط عضوي بين هذه المراكز ووسائل الاعلام تم شن أوسع حملة لشيطنة الإسلام وتشويه مقاصده والطعن فيه وامعانا في تكريس هذا المشهد في اذهان المجتمعات الغربية تمت عدة عمليات مركبة من صنع أجهزة الامن الامريكية كما قالت هيلاري كلينتون عن صناعة داعش وتحميلها أدوار معينة كما تمت صناعة أوضاع سياسية في بلداننا الإسلامية تقوم بمهمات مشوهة تستدعي الحروب المستمرة في البلدان العربية والاسلامية كما تم الصاق تهمة انهيار البرجين في أمريكا لمنظمة "إسلامية" في قصد واضح محدد وهو تشويه الإسلام فيما تم التأكد من خلال عدة جهات عالمية ان كل العملية كانت فبركة لا سند حقيقي لها.. وكان قادة هذه المجموعة صناعة أمريكية خاصة عندما كانت تحارب السوفييت في أفغانستان في الثمانينيات.
على مدار اكثر من الف سنة كانت اللغة الرسمية والمنظمات الثقافية بما تتضمنه من وسائل اعلام في المجتمعات الغربية تستبيح الإسلام ورموزه بالإساءة والتشويه وقد اعتبر ذلك من باب حرية الرأي والتعبير.. مما يعني أن هناك أمرا مقصودا من ذلك وهو زرع بذور العداوة بين المجتمعات الغربية والمجتمعات العربية.
لم يكن منطقيا ولا معقولا ان يستمر هذا السلوك الثقافي مهيمنا في المجتمعات والجمعيات الغربية لأنه في حقيقة الامر يعمل على تأسيس عملي للحروب والصراع الذي لا سلام معه في العالم بما ينشره من ثقافة الكراهية بين البشر.. ثم ان وسائل الاعلام أصبحت ليست حكرا على أصحاب المشاريع العدوانية وبدأت الحقائق تعرف طريقها في الوصول ولو تحت وطأة الإرهاب الفكري.. ولكن أصحاب المصالح الكبرى في الولايات المتحدة وامتداداتهم في العالم استمروا في التحريض على اعتبار انه يحفظ ديمومة الصراع الذي يوفر شروط نهب الثروات وإلحاق أسواق المسلمين بمنتجات المصانع الرأسمالية.. ومن المضحك ان شعارات الديمقراطية والحرية أصبحت غطاء لتدميرهم لمجتمعات العرب ودولهم.
التطورات العالمية:
منذ أمد قريب كنا نتساءل الى أي مدى يكون الحوار بين الحضارتين الغربية والإسلامية أمراً ممكناً؟ لاسيما بعد الموجات التي انتقلت بها نظرية صراع الحضارات والتي أطلقت يدي ترسانة الولايات المتحدة لتدمير دول العرب والمسلمين؟ ولكن يبدو أن تطورات عميقة تجد طريقها الى النخب الثقافية والسياسية فلقد كان لمقاومة العراق وأفغانستان دورا رئيسيا في إعادة العقل الأمريكي الى خانة التريث ومراجعة الحسابات في موضوع العدوان المتصاعد على العرب.. فلقد مثلت الخسارات في المال كما في الأرواح ثقلا كبيرا تنوء به الدولة والمجتمع على حد سواء.. وما مبلغ 20 تريليون ديون على الخزينة الامريكية بأمر هين!
هذا بالإضافة الى إفرازات التصادم مع الصين وروسيا وميلاد قوى دولية تبحث عن مكانة مقتدرة في الاقتصاد العالمي وكانت الانتكاسة الخطيرة في الصدام الأخير مع روسيا على ارض أوكرانيا حيث حرص الامريكان على توجيه ضربة قاسمة لنفوذ الروس واستنزاف كبير لاقتصادهم واعادتهم الى حيث كانوا عشية انهيار الاتحاد السوفيتي.. فارتدت الضربة على أمريكا بعنف وظهرت أمريكا في حالة عزلة عملية كبيرة بعد ان ادار حلفاؤها ظهورهم لها في موضوع ضخ النفط والغاز الإضافي فيما أصبحت مصداقيتها في تعويض المحروقات الروسية لا قيمة لها الامر الذي زرع بذور التنافر مع اوربا المنهمكة بتوفير الطاقة ولم يكن لها حاجة في حرب مع روسيا ولم تكن تنوي تنفيذ وعود الامريكان للاوكران بالانضمام للاتحاد الأوربي او للناتو.. والملفت ان العرب شعبيا كانوا في انحياز لروسيا رغم ما ارتكبت ضدهم في أماكن عديدة ورسميا كان الموقف العربي في صالح روسيا ورفض العرب العقوبات الامريكية على روسيا.. وكانت هذه أحد اهم افرازات حرب أوكرانيا.. وهكذا تصبح الحرب على الإسلام بلا جدوى بل مضرة بالسياسة الامريكية والاستراتيجية الامريكية التي يجب أن تتفرغ للروس وتحالفاتهم الخطرة مع الصين وبعض الدول الأخرى وقد تحتاج للمسلمين في هذه المعركة او على الأقل تحيدهم والتفرغ لشيطنة الروس وبوتين الذي حولوه في اعلامهم الى مجرم حرب.
صمود الحضارة الإسلامية:
رغم الحملات العدوانية المتوالية منذ عشر قرون لم تنكسر الحضارة الإسلامية في قيمها ومفاهيمها وظلت هي باعثة الحركات التحررية والنضالية في بلاد العرب والمسلمين ضد اشكال الاستعمار وظل الإسلام يتحرك بحيوية في مجتمعاته بل ان الملاحظ يتاكد من قدرته الذاتية على الانتشار في المجتمعات الأخرى رغم ضعف حامليه وسطحيتهم وقلة امكاناتهم فهاهو يصل الى قمم في الفكر والفلسفة ونخب معتبرة في المجتمعات الغربية.. وفي احصائيات حديثة تظهر وتيرة انتشاره هي الأسرع من كل الديانات والمذاهب الفكرية.. وعلى هذا يعلق ميشال اونفري وهو من اهم الفلاسفة الفرنسيين واغزرهم انتاجا وقد ترجمت كتبه الى 30 لغة وهو صاحب كتاب “الانهيار، من يسوع إلى بن لادن، حياة الغرب وموته” بقوله: أن الحضارة الغربية في انهيار متواصل وشارحا أن أوروبا قد ماتت وأن الغرب قرب موعد نهايته الكاملة. أعني بذلك الثقافة اليهودية-المسيحية ذات النشاط الحي والفعال على الأراضي التي تبنتها وتطابقت مع دعائمها، وأقصد أوروبا والتي بعد توسعها وانشطارها أدمجت وضمت قارات أخرى كالأميركيتين وقارة أستراليا.. انها تشهد انهيار وقع بالفعل. لقد انتهى الأمر! ويعدد دلائل الانهيار ويشرحها واحدة واحدة وينتهي الى هيمنة دين الاستهلاكوية الذي يقيس قيمة الذات بما تملكه، الفساد المستشري لرجال السياسة على نطاق واسع وحصانتهم، الاستهتار الذي غدا يمارس في العلن، اختفاء الشجاعة، قبول العبودية الطوعية برحابة صدر وسرور.
ويستخلص في حوار له مع صحيفة العرب قائلا: التاريخ لا يتكرر فلا يمكن أبدا أن تعود حضارة بعد موتها بل تموت لتترك مكانها لحضارة أخرى في منطقة أخرى وينطبق هذا الأمر على الإنسان وعلى الحضارة معا. الا انه يقف مستثنيا الحضارة الإسلامية:" توجد حضارة إسلامية بفنها وقوانينها وأدبها وفقهها وفلسفتها وهندستها وشعرها وفتوحاتها وجامعاتها.. لا يجب مقارنتها بحضارة أخرى إذ لا يوجد مقياس لقياس القوى في مثل هذه الأمور. ولكن تعرف الحضارة الإسلامية استعادة لحيويتها بعد فترة راحة كما يحدث أحيانا لنباتات معينة تعود إلى الحياة بعد فترة من السّبات. ومن هنا لا يمكن أن نتكهن بمستقبل هذه الحضارة إذ مع مرور الوقت، وارتباطا مع التكنولوجيا والحداثة والرأسمالية، يمكن جدا أن تولد نسخة جديدة غير مسبوقة."
والقول نفسه للمفكر الفلسطيني الأمريكي وائل الحلاق التلحمي المسيحي البروفيسور بالجامعات الامريكية الذي أشار بوضوح أن ليس أمام المجتمعات الغربية إلا الإسلام منهجا ينظم لهم حياة بقيم بعيدة عن الاستغلال والعبودية التي ورثته النظام الاستهلاكي الرأسمالي. ولقد كان لأفكاره دوي واسع في الجامعة وأصبحت مقولاته عن الشريعة اكثر رواجا.
وقبل عشرات السنين كان المفكر الفرنسي رينيه قينون في كتابه ازمة العالم الحديث يصرخ في الغرب ان الإفلاس الرهيب في ضوابط القيم الاجتماعية سيقود المجتمعات الى الضياع بعد ان فقدت سلطة الكنيسة وتقاليدها.. وانتهى المفكر الفيلسوف الى ان الإسلام وحده من يستطيع ان يحل الازمة المستفحلة في منظومة القيم والمفاهيم التي تعيشها المجتمعات الغربية.
الإسلاموفوبيا ومشتاقتها تتهاوى:
بتعمد ماكر كان يصار الى مصطلحات ملتبسة: التطرف الإسلامي، الإرهاب الإسلامي، الإسلام السياسي، الجماعات الإسلامية المقاتلة،.. ولقد اشتركت جهات عديدة في صناعة هذه المصطلحات منها ما هو محلي سياسي او ثقافي ومنها ما هو دولي.. بل هناك ما هو أسوأ وهو القيام بصناعة مجموعات تطلق على نفسها أسماء رمزية إسلامية والدفع بها لإرباك المجتمعات وتفجيرها كما فعلت داعش واخواتها وهي صناعة أمريكية بشكل مباشر كما صرح بذلك مسئولون أجانب تم نشر تصريحاتهم واعترافاتهم في الصحف الغربية.
كان يكفي ان يشن على أي شخص او مكون ثقافي او سياسي لفظ إسلامي كي يتم الالتفاف عليه بان يصنف إرهابي او متطرف وفي هذا السلوك عدوان ضد حقوق الانسان وكرامته.. لاسيما ونحن نتابع الترحيب بمن يقوم بالإساءة للدين الإسلامي ولمعتنقيه.
من هنا يأتي الإعلان عن يوم اسقاط إسلامفوبيا وملحقاتها وذلك بإجماع دول العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة بمثابة انتصار لحقوق الانسان وتكسير الطابو المفروض على الإسلام.. ويكون المجتمع الدولي قام بتصحيح جوهري للموقف من الإسلام.. ولا يهم هنا ان كانت جهات دولية معينة قد دعمت ذلك في محاولة للاستفادة منه في تشكيل تحالفات جديدة.
لا يمكن الانتهاء من هذا المقال دون القول ان التطرف والإرهاب لادين لهما ولا وطن ولا قوم فهما موجودان في كل المجتمعات وأكثر ما يوجدان ففي الولايات المتحدة الامريكية التي تعاني شعوبها من انتشار الجريمة المسلحة.
الان على الإسلام ان يظهر رحمته ورسالته ببيان واضح لبشرية تحتاج الخروج من المآزق العميقة.. الان وقد تم رسميا الاخلاء بينه وبين الناس فعليه من خلال علمائه ومفكريه ومنظريه ان يرتقوا للمهمة الإنسانية التي جاء لها الإسلام رحمة بالبشرية وتكريسا للأخوة الإنسانية والتصدي لمحاولات استعباد الانسان وتقييده وظلمه.. انها خطوة مهمة للغاية ولكن فقط في حال تم تفعيلها بوعي وجدية.