تاريخ النشر: 2019-04-05 | 23:06
تاريخ النشر: 2019-04-05 | 23:06
تثير قضية الإصلاح في المشرق العربي العديد من الإشكاليات والتساؤلات حول مفهوم الإصلاح ودواعي ومحددات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومدى تلبيته لاحتياجات المجتمعات العربية، ومدى درجة توافقه مع السياسات الدولية وخاصة الاقتصادية التي تتطلب الحصول على قروض ومنح من المؤسسات الدولية، أو الإصلاح السياسي الذي يتوافق أحيانا مع متطلبات السياسية الخارجية الأمريكية في إطار ما يعرف بمشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، الذي عملت على فرضه الإدارات الأمريكية السابقة عقب احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م.
وتعتبر قضية الإصلاح في بلاد المشرق العربي من أهم التحديات التي تواجه المنطقة العربية، خاصة في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة في العالم العربي ما ينذر بحدوث مشكلات كانت كفيلة بتفجير ما يعرف "بالربيع العربي". ويرتبط مفهوم الإصلاح السياسي بالديموقراطية، أو العملية الانتخابية كأحد أهم أشكال الإصلاح السياسي في المنطقة، فلا حديث عن إصلاح سياسي بدون منح الشعوب العربية حق الوصول لصندوق الانتخابات وممارسة حقها الطبيعي في اختبار حكامها.
رغم ذلك يبقى التساؤل المهم والمصيري الذي يتكرر في العديد من الورش والندوات والمؤتمرات العلمية، لماذا فشلت تجربة الإصلاح الديمقراطي في بلاد المشرق العربي بمقارنتها مع بلاد المغرب العربي، وما هي الأسباب والعوامل التي ساهمت في تراجع مسيرة الإصلاح في الوطن العربي بشكل عام ومنطقة المشرق العربي على وجه التحديد؟
ربما البحث في هذا الأمر يحتاج إلى مقاربة جديدة. مقاربة تنطلق في الأساس من فهم طبيعة الظاهرة السياسية محل الدراسة، فهم يؤدي لإدراك العوامل والأسباب التي قادت إلى تراجع مسيرة الإصلاح في بلاد المشرق العربي، كون تجربة الإصلاح في بلاد المشرق العربي تتميز بالعديد من الخصائص والسمات المختلفة عن تجربة بلاد المغرب العربي، والتي أدت إلى تراجع عملية الإصلاح في بلاد المشرق العربي بالمقارنة مع التجربة المتقدمة في المنطقة المغاربية، ومن أهم هذه الخائص والسمات، ما يلي:
- غياب الإرادة السياسية: فالإصلاح يحتاج إلى إرادة سياسية جادة في الإصلاح، وإحداث تغييرات سياسية عميقة وشاملة، إن ضعف أو غياب الإرادة السياسية يعني أن النظام لا يريد الإصلاح ولا سيما إذا وصل إلى درجة كبيرة من الانغلاق والتحجر والاستبداد والفساد.
- وجود إسرائيل في المنطقة: يمثل وجود إسرائيل في منطقة المشرق العربي من أهم العوامل التي تساهمت على عدم الاستقرار السياسي والأمني، نتيجة كثرة الحروب والصراعات، وتركيز الإمكانيات خلال فترة الستينات والسبعينيات للمجهود الحربي، بما ساهم في تراجع الاهتمام بقضايا الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي لصالح الاهتمام بالصراع مع إسرائيل.
_ أرت الدولة العثمانية: خضوع بلاد المشرق العربي بشكل كامل للحكم العثماني ترك تداعياته على العقل العربي، فقد تركت الدولة العثمانية البلاد العربية في حالة يرثى لها من تخلف وأميه مازالت رواسبها مستمرة حتى الآن في العقلية العربية حتى الوقت الراهن.
- الصراع على السلطة: تشهد منطقة المشرق العربي حالة صراع محتدمة على السلطة بين المؤسسات العسكرية والجماعات والحركات الإسلامية، في العديد من دول المشرق العربي، منها مصر، وسورية، واليمن، وفلسطين، فالصراع على السلطة يحد من قدرة مجتمعات كثيرة على إجراء الإصلاح.
- عدم اكتمال بناء الدولة الوطنية: لا تزال كثير من الدولة المنطقة تمر بمرحلة البناء، وهذا يعود إلى حداثة لنشأة بعضها التي نالت استقلالها منتصف القرن الماضي، وتحولت إما لنظلم ملكي أو جهوري بدون ممارسة إصلاحات عملية في مجال النية السياسة والمجتمعية.
- أزمة الهوية: في ضوء هشاشة الهوية الوطنية الجامعة، وبروز الهويات الفرعية (العرقية، والأثنية، والدينية) تبرز مفاهيم الأمن والاستقرار على حساب مفاهيم المواطنة والديمقراطية والإصلاح السياسي، لقد أصبحت ورقة الهوية الوطنية أحد الأوراق التي يستخدمها النظام السياسي بما يتلائم ومصالحه، حيث يتم تفتيت المجتمع على أسس جغرافية وعشائرية وجهوية، وإعادة إنتاج النظام القبلي، مما يعكس أزمة في الهوية ويعيق فرص التقدم وتحقيق الإصلاح السياسي.
- غياب الثقافة الديمقراطية: إن الثقافة تلعب دورا يفوق دور السياسة في التأثير على الأفكار والسلوك الإنساني، وبالتالي فانه من الصعوبة بمكان تحقيق إصلاح سياسي بدون ثقافة ديمقراطية في الأسرة والمدرسة والجامعة والحزب السياسي والبرلمان والحكومة وغيرها من مؤسسات الدولة، والثقافة الديمقراطية أو الثقافة المدنية المطلوبة هي تلك التي تجسد قيم التعددية واحترام سيادة حكم القانون.
- العوامل الاقتصادية: تلعب العوامل الاقتصادي ونقص الموارد عامل أساسي في تأخير عملية الإصلاح، التي تتطلب في بعض الأحيان موارد كبيرة في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها بعض البلاد وارتفاع حجم المديونية الخارجية التي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وانتشار الفساد في كافة مفاصل الدولة، واختفاء الطبقة الوسطى، وغيرها من الاختلالات الاقتصادية، التي تؤدي لتأخير عمليات الإصلاح.
- ضعف المؤسسات الأهلية: المجتمع المدني منبع الديمقراطية، وهو ركيزة أساسية من ركائز الإصلاح، إذ يمكن أن تلعب مؤسسات المجتمع المدني دوراً فاعلاً في صياغة أجندة الإصلاح، والمشاركة في تفعيل الإصلاح، إذ لا يمكن تصور نجاح مشروع إصلاحي في ظل مجتمع مدني متخوف أو ضعيف وهش.
- هيمنة الدولة العميقة: تلعب مؤسسات الدولة العميقة الأمنية والإدارية في العالم العربي دوراً سلبياً في كتير من الأحيان في تأخير عملية الإصلاح، فقد أثبتت التجربة أنها عصية على الاختراق أو التغيير، إلا في حدود ضيقة، وفي حالات تكون فيها الضغوط الداخلية والخارجية أكبر من قدرة هذه المؤسسات على مقاومة عمليات الإصلاح السياسي الاقتصادي والاجتماعي.
- الظروف الإقليمية المضطربة: المشهد الدموي لثورات سوريا وليبيا واليمن، وتعثر الانتقال الديمقراطي في اليمن ومصر ليبيا، سورية وعدم الاستقرار السياسي في العراق وفلسطين والأردن، كل ذلك كان له تأثير على حركة ووتيرة الإصلاح السياسي في المنطقة العربية، حيث يتراجع الحديث عن أولوية الإصلاح في ضوء الظروف الإقليمية المضطربة التي تهدد الأمن الوطني والاستقرار السياسي.
- البعد الطائفي والمذهبي
ساهم انقسام المجتمعات العربية في بلاد المشرق العربي بين مذاهب وطوائف مختلفة في تراجع معدلات التنمية والاستقرار السياسي، ما انعكس على جهود الإصلاح، فأصبحت كل طائفة تركز على مصالحها الخاصة على حساب الصالح العام، أضافة للارتباطات السياسية لدى بعض المذاهب مع بعض دول الجوار الأمر الذي يقلل من فرص الإصلاح، تحت مبررات الأمن القومي.
وقد تميزت تجربة الإصلاح في بلاد المغرب العربي بمجموعة من الخصائص والسمات التي تتميز بها عن تجربة الإصلاح في بلاد المشرق العربي والتي تم تناولها في سياق العرض السابق، ويمكن تحديد أهم ملامح هذا التمايز في سياق النقاط التالية:
- مرونة الحركة الإسلامية في المغرب العربي
تتميز الحركات الإسلامية في المنطقة المغاربية بالمرونة وقدرتها على التكيف مع المواقع، وقبول الدولة ككياني سياسي ومؤسساتي عكس تجارب الحركات الإسلامية في المشرق العربي التي دخلت في حالة صراع مع الدولة الوطنية.
فالحركة الإسلامية المغربية لديهم خصوصية ومراجعات بدأت قديما قبل تسعينيات القرن الماضي، وقادها عبد الإله بنكيران وغيره، حيث اعترفوا بالدولة وقبلوا أن يعملوا تحت مظلتها، وقاموا بمراجعات مهمة بالتدريج، على اعتبار أن المغرب بلد إسلامي وهم ليسوا مبشرين بدين جديد أو عقيدة جديدة. وقال إنه لكل هذه العوامل أصبح الحزب مختلفا تماما عن الأحزاب الإسلامية الأخرى، وأصبح مدنيا وأخرج جزءا من تياره العقدي في حركة التغيير والإصلاح، وأصبح الحزب يتحدث في نسب النمو والبطالة والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية، وباتت الحركة تعمل في الدعوة والحزب يعمل في السياسة ولا خلط بينهما.
الاهتمام بالفكرة بشكل مبكر
تاريخياً نجد أن الاهتمام بالتنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا جاء مبكرا، منذ نشأة الأمم المتحدة وظهورها إلى الوجود. إن المتتبع لبرامج التنمية في دول هذه المنطقة يلاحظ عليها نمطا عاما تميزت به: فقد غلب نمط " إحلال الواردات " على معظم البرامج التنموية المختلفة التي ساد العمل بها خلال الفترة من حقبة الخمسينات وحتى حقبة السبعينات، حيث كان الهدف الأساسي من برامج التنمية هو حماية الصناعة الوليدة. ولذا فقد غلبت النزعة الحمائية على معاملات دول تلك المنطقة مع العالم الخارجي. وانتهت تلك الفترة بأزمات طاحنة في جانب النقد الأجنبي، حيث قل المتوافر من احتياطيات تلك الدول من العملات الأجنبية.
انفتاح اختياري
خصوصية التجربة المغربية وتميزها عما حدث في المشرق بالانفتاح بدأ في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، حيث شارك الإسلاميون في الانتخابات وكان لهم حضور في البرلمان، وكان خطابهم عاديا ويعرفون الثوابت جيدا. وشدد سليمي في هذا الإطار على أن هذا الانفتاح كان ولا يزال اختياريا لا إجباريا، نافيا أن تكون ثورات الربيع العربي قد ضغطت بهذا الاتجاه. واعتبر أن التجربة في المغرب تعمل بقواعد الديمقراطيات المعاصرة في العالم، رغم بعض الهفوات المرتبطة بالمسلسل والصراعات الموجودة بين الأطراف.
تغيير حقيقي
الأحزاب والحركات في المنطقة المغاربية تتقدم على الكثير من نظرائه في المشرق فيما يتعلق بالفصل بين الدعوي والسياسي، ليس فقط على مستوى الدعاية السياسية، بل أيضا على صعيد التأصيل الفكري، وكذلك على صعيد البرامج السياسية والاقتصادية. وبالنسبة لتجربة الحركات والأحزاب السياسية في المشرق يرى أبو رمان أنه كان هناك تعثر كبير وتأثر المحيط العربي بما حدث في ميدان التحرير بمصر، أن التجربة المغربية بدأت تأخذ ظلالا لم تأخذها في البداية لأن الوهج كان للجانب الثوري، واليوم بدأت بعض الدول تعيد الحسابات بعدما رأت نتائج الثورة المضادة وحالة الانقسامات السياسية والطائفية إلى النموذج الإصلاحي الهادئ الذي وازن ما بين التغيير والاستقرار، والأردن هنا نموذج على ذلك.
مقاربة جديدة
أظهرت تجربة الإصلاح في بلاد المشرق العربي فشل الأنظمة في التوصل إلى تفاهمات داخلية تسمح بالخروج من حالة الانسداد الراهنة والدخول المتفق والمفاوض عليه في مرحلة التحول نحو الديمقراطية والاصلاح. ويستدعي ذلك البحث عن صيغ ومقاربات جديدة تكون قادرة على إخراج المجتمعات العربية من عنق الزجاجة، وتجاوز الانسداد وخلق مناخ جديد أكثر ايجابية، وتجنب مخاطر الانفجارات الكبرى وحالة الصراع على السلطة، المقاربة التالية:
- القبول الدولة المدنية: القبول بالدولة كوحدة تحليل سياسي كما يقول الدكتور محمد الشرقاوي، بحيث تكون هذه الدولة الكيان السياسي القادر على ضبط إيقاع العمل السياسي والقانوني في إطار منظومة الحقوق الواجبات لكل مواطنيها. الدولة المدنية البديل المناسب عن الدولة الدينية والدولة العلمانية.
- النظر إلى الإصلاح كمشروع تكاملي: بحيث يشمل هذا المشروع كل جوانب الحياة برؤية شمولية وتكاملية، تشترك فيها كل القوية السياسية والمجتمعية في المجتمعات العربية، لإجاد القواسم المشتركة، مع مراعاة الانسجام والتناغم بين الإصلاح الفكري والإصلاح المؤسساتي، بما يحدد الرؤية العامة للنظام السياسي والاجتماعي الأفضل.
- إشراك المجتمع ضمان نجاح الإصلاح: لابد من إشراك القوى السياسية والمجتمع المدني في عملية الحوار الشامل، إذ لا يصح التفكير أو الإصلاح بالنيابة عن المجتمع، بل المطلوب إشراكه وتعبئته وتوعيته ليتفاعل إيجابيا مع مشروع الإصلاح، حتى يصبح هذا المشروع مشروع مجتمع لا مشروع شخص أو نخبة أو هيئة مهما علا شأنها، فتتم بذلك مقاربة مشروع الإصلاح في إطار تكاثف جهود الدولة والمجتمع معا بعيدا عن محاولة أي طرف منهما لتجاوز الطرف الآخر وإضعافه.
- عمق الإصلاح: صحيح لأبد من الانطلاق من الواقع لرسم المستقبل، لكن فلا يجوز أن يقتصر الإصلاح على إدخال ترميمات على الأوضاع القائمة بشكل يؤدي في الأخير الى إعادة إنتاج التخلف والجمود في ثوب جديد يوهم بالإصلاح لا غير، سواء تعلق الأمر بالإصلاح الفكري أو الإصلاح المؤسساتي.