تاريخ النشر: 2016-11-02 | 21:13
تاريخ النشر: 2016-11-02 | 21:13
[غزة هذه البقعة الصغيرة، التي تشبه مصنع للغيوم، الكتاب كأنه غيوم، لكن ينتظرون وقت أن يسمح لهم بالمطر، آلاء الهباش قلم يستحق العناية من الجهات الرسمية والغير رسمية في فلسطين]
"الاء عبد الرحمن الهباش" تحكي عن تجربتها في كتابة النص الذاتي...
الكتابة في نظري محض قدر وليس صدفة او اختيار، وقد اكتشفت بذورها داخلي منذ الصغر في المرحلة الابتدائية.. بدأت باكتشافي لنفسي بأني أملك اذن موسيقية شاعرية، كانت تعجبني الكلمات المرهفة المنمقة وتجذبني الأوزان والقصائد والأشعار.. لم أكن أملك سوى كتاب اللغة العربية لأتمتع بكل قصيدة فيه وأعيد قراءتها وتكرارها على نفسي لأمتع بها أذني وقلبي.. كانت هذه البداية، مجرد حس أدبي نما داخلي منذ الصغر، ولكن تجربتي الفعلية لأول قصيدة كانت أيام الانتفاضة الثانية، مشاعر الخوف والحزن والقهر انتابتني كأي طفل، فخطت على ورقة قصيدة بعنوان " طفل بريء" لكن للأسف لم تخرج للنور، فمعلمتي لم تعجبها خاصة أني كتبتها بطريقة غير موزونة.. ثم تركت الكتابة ولم أترك حسي الادبي والفني ، وعدت إليها ثانية في المرحلة الثانوية، كتبت قصائد كثيرة موزونة وعمودية، كنت أكتبها لزميلاتي داخل الفصل الهائمات في الحب أو الحزن.. وأحيانا كنت أكتب قصص قصيرة أجد بها نفسي .. أما في المرحلة الجامعية تنوعت كتاباتي وابتعدت عن الشعر الموزون إلى الشعر الحر، والخواطر النثرية، او الخواطر الموسيقية، وبعض القصص القصيرة.. حتى أصبحت مع الكتابة في مد وجذر، إما أنهمر كتابة وإما أنهمر صمت.. فكان قدر الكتابة جنة ولعنة.. اللعنة حين تضيع الحروف مني وتزيد الصفحات بياضاً.
أما تجربتي مع القراءة، فقد تربيت على يد جبران خليل جبران، حتى قرأت كامل أعماله في المرحلة الثانوية، واتجهت للأدب الفرنسي بترجمة المنفلوطي، كان يجذبني بنوع هذه الكتب النظرة الروحية للقلب والحب.. أما في الشعر فجذبني أسلوب محمود درويش بعد ذلك غرقت في عالم الكتب وتنوعت الاختيارات من الأدب للفن لعلم النفس.. وقعت في حب الكثير منهم وقرأت أغلب أعمالهم، وبعضهم توقفت عند أول كتاب لهم.. ويبدو أن تنوعي في اختياري للكتب وقراءاتي المختلفة أثرت نوعا ما في طريقة كتابتي حتى كتبت بأسلوب أجده يشبهني..
لماذا أكتب..!؟ من أبسط الأسئلة وأعقدها، فهل لي حق بأن أسأل القدر.. هذا وأني على قناعة بأن الكتابة مثل أي قدر آخر يأتي ويروح، ولم أثق بعد بأني المختارة لهذا القدر.. مبدأئياً لم أملك إلا مقولة "إدنا أوبراين " (الكتابة تخرج من الآلام، من الأوقات العصيبة، عندما يكون القلب مجروحا"
النصوص..
" رقص على إيقاع الذاكرة"
الضباب الذي خيم على المدينة، خيم على قلبي أيضاً.. وأنا أمد إليه يدي، فأضيع، ولا أجد للنسيان معالم.. الذكرى ثملة تجلس على نافذتي.. مثقلة الرأس والجسد.. لا توازن في إيقاعها، عزفها نشاز.. يطن في قلبي ضجيجه، من ذكرى لأخرى، أوتارها شبه ممزقة وغير مكتملة.. واللحن يواري ظلي الذي يهتز من خمرته.. يتمايل كأمواج البحر، تُسكره زجاجات معبأة بعطور اللهفة.. يدوخ ظلي ويلتف حول جسدي.. حين أخلع عنه كبريائي .. وأدع خلاخيلاً تصدح في قدمي.. لا أقاوم أنوثتي، بل لا أقاوم جرحي المنساب من أنامل العزف.. أضع قدمي على أطراف الحلم والوهم، أنقر بأطراف أصابعي جسد الرغبة.. أفك ضفيرة شعري.. أهز خاصرة الوقت .. أرسم بيداي تضاريس روحي الباهتة.. أعيد اللغة لجسدي.. أحرك الحب في التفاصيل الراكدة.. لأصير معها سمكة تسبح في بحرك.. أتمايل على ظلي وأنا أراقصه ..
لأهزم الحب.. وأكسر الحماقة .. أرقص بخفة، رغم خطواتي الثقيلة.. لا أكبح جماح شهوة عينيك وهي تلاحقني.. فيشتعل داخلي الجنون أكثر، وأغري بقاياك الذائبة.. يعلو صوت الموسيقى وتتساقط معها سعادتي، جرحي.. ويسقط قلبي.
متى كان آخر مرة أفرغت فيها صمت المكان بالرقص..! مسافة قدر ووجع، مسافة شفاه وقبلة..! مسافة نسيان وذاكرة..! لا أعلم.. لكني أذكر أني تمنيت أن أكون راقصة بالية، تانجو ربما، أو رقص شرقي.. أي شيء يجعلني أفهم معه الحب والجسد.. أتصالح مع نفسي.. وأطير فراشة في فضاءك .. عندما وضعت كفك على مطارح الجرح وخلقت الورد، عندما سددت ثقوب الفراغ في حياتي، وأحكت لي معطف آخر من نسيجك.. رقصت ، حين أصابتني لعنتك وأثقلني الشوق خطايا ..رقصت، عند كل هزيمة، وخيبة ..رقصت.. حتى عندما أجهضت ما في أحشائي رقصت .. عندما قصصت شعري ووضعت أحمر شفاه رقصت.. عند كل مرآة أرى بها نفسي جميلة، عند الامتلاء بك أو عطشي إليك ..رقصت .. يبدو أن الجسد هو الناطق الوحيد حين تصبح الكلمات خرساء،...
ثملة هي الذكرى الان.. تجعلني أتمتم بالنسيان ولا أنساك.. توقيتها يتحرك في ارتعاشاتي.. في رجفة جسدي المتراخي على صوفا قهري.. ووجع ظلالي يراوح قلبي تجاه نبضك.. وقفلة الموسيقى تربكني..
ما أصعب الغياب.. ما أطول النسيان..! وعلى حواف الوقت خطواتي العارية.. ورسمي المتهدل في أطرافي الباردة..
هل يشفينا الغياب مما علق في خلايا القلب، وهل يعيد الرقص نصف ابتسامتي المنسية معك. !
4 آذار 2016
(شيءٌ منكَ و بعضي في الوجع)
في المساء.. يلتهمني ظلي، أنساب في ريقه كما تنسل الذكريات من أسنان الوقت، لقمة شهية لا تكفي لسد ثغرات الحواس، ولا تعطي عصب الجسد قوة .. أتلعثم وأتهجى التفاصيل رعشة رعشة.. وأفشل بعشرة أخرى.. أشد على جوفي خرقة حب بالية لا تُخفي نبض الوجع.. ولا تُعيد لقوامي ملامح الفراشة.. تعصرني الذكرى ويقطر مني عرق الخطايا.. فقاعات للعمر المتراخي على ساحل الجسد.. سراب لا خيال له .. يمتد من رأس الرغبة إلى أخمص الذنب.. لهفة تبيعني بتذاكر افتراضية ولحظات مسروقة.. وحماقة يدور القلب حولها وحول نفسه.. اللعنة إبر مغروزة على أرصفة الذاكرة.. طهارة تنتظرني عند كل مفترق.. وندم عند كل محطة.. محطات سرقت من نفسي أكثر ما أحب وتركتني شجرة عارية.. خريف تلو خريف تلو خريف تلو شتاء.. يبلل المطر عظامي وهيكل صورتي.. يُسقي جذوري فأرتجف.. يُبقيني على حافة اعصاره وقطراته.. شجرتي مظلة لعابري النسيان، وعُراة الحب.. يلتحفون أغصانها الجافة.. تجرحهم رموشي الحانية عليهم.. جذعي بلا أذرع يخاف عناقهم، يخاف احتراقه.. أوراقه ماتت منذ زمن.. جفت وتكسرت تحت خطاهم .. البرد شديد وغضب الريح يقتلعني .. برق يدب الخوف في عيوني.. رعد يعلو دويه في عروقي.. ومطر قاس ينبش داخلي الرغبة والبكاء.. غمامة تغفو على صدري.. يُغرق سوادها بياض ثوبي.. أتحسس قلبي وجسدي. أسمع تكة الوقت بجانبي .. ألاحق خيالاتك على الجدران.. وأهش عنك الغبار .. تائهة أنا في دهاليز الذكرى، والعتمة هنا تلتهم ما تبقى مني.