تاريخ النشر: 2024-06-03 | 13:38
تاريخ النشر: 2024-06-03 | 13:38
لا يقضي الله أمراً ولا يُنزل ابتلاءً إلا لحكمة قد يظهرها لنا، وقد يبقيها محجوبةً عنا مسطورةً في دائرة علمه، لكن سواء علمنا الحكمة أو جهلنا فمن الأهمية بمكان أن نعلم أننا نخضع لقانون الابتلاء الذي سنه المولى عز وجل، ليعلمَ المجاهدين منا ويعلمَ الصابرين، ولنكن على يقين أن هذه الدنيا قد تم هندستها وتصميمها لتكون قاعة اختبار، وكل ما يعرض علينا فيها تلازمه أدوات الاستفهام المترقبة لإجاباتنا التي تكتبها طريقة تعاملنا مع المعروض علينا من المواقف والابتلاءات.
نحن متفقون على أن الإكثار من الطاعة لا يعني العصمة من الابتلاء فهذا لم يكن أبداً وعداً ربانياً قطعه الله على نفسه، ومن استقر في فَهمه خلاف ذلك فليراجع فَهمه.
والدليل على ذلك أن الله ابتلى الأنبياء والصالحين، فلقد أكد القرآن قتل الظالمين للأنبياء والذين يأمرون بالقسط من الناس، وقد قُتل المؤمنون في قصة أصحاب الأخدود رغم شدة إيمانهم، وبيّن القرآن في وصفه الأنبياء والربيين: "فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا"، فلم يمنع كونهم أنبياء وربيين أن يصابوا
من المهم أن نفهم جيداً قانون (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وقانون لا راحة في هذه الدنيا، فهذا الفَهم يفتح الباب أمام تعاظم قدرتنا على الانتباه والتدقيق فيما نقول ونفعل عند وقوع الابتلاء وعند اشتداده، وهذا طبعاً يقطع الطريق على تحول جوارحنا وقلوبنا إلى سيقةٍ في يد النفس الأمَّارة بالسخط والانقلاب على قانون من رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط، تلك النفس الإمارة بتجاهل قانون عظم الجزاء من عظم الابتلاء، ولا تكتفي بتحريض صاحبها على خلع لباس الرضا فحسب، بل تدفعه دفعا نحو التمرد على فكرة أنه مخلوق يخضع لاختبار رباني.
والنجاح في هذا الاختبار وثيق الصلة بما استقر في مكنونات المؤمن من صبر ورضا وبما ظهر في جوارحه، ولا شك أن هكذا نفس تلقيه في غيابة جحود نعم الخالق، وتصيبه بالعمى الذي يجعله لا يرى إلا الصورة السوداوية التي تدفعه من شدةِ ضيقه للتبرم والتأفف.
والأشد خطورة أن هذه النفس قد تجعل صاحبها ينظر إلى الابتلاء على أنه ظلم، كما قد تجعله يضع ذاته في مقام المنتقد لله والمختبر له، فيصبح إيمانه بعظمة الله وقدرته مهتزاً مشروطاً بزوال الابتلاء .
نحن نمر في حياتنا بابتلاءات عظيمة وقاسية على النفس التي يعلم الله وسعها، وإن الناظر إلى الابتلاء بحسابات الدنيا يجده خسارةً ومَغرماً في الصحة أو المال أو الأهل والولد، وقد يكون في جميعهم كما هو حال جل أهل غزة الذين اصطفاهم الله ليتشبهوا بسيدنا أيوب بهذا الابتلاء الذي لا تطيقه إلا نفس تربت في رحاب التضحية والصبر، ذاك الصبر الذي يعرف أهله أن الله سيوفيهم أجورهم بغير حساب، فأبشروا يا أهل الابتلاء إن صبرتم ابتغاء وجه الله، أبشروا يا أهل غزة بصبركم الذي باستمساككم به لم ولن تُغلبوا أبدا، فسلام عليكم بما صبرتم.