تاريخ النشر: 2022-03-26 | 17:36
تاريخ النشر: 2022-03-26 | 17:36
عندما أتحدثُ عن والدي الراحل شاعر الثورة الفلسطينية محمد حسيب القاضي الحاضر بكلِ كلماتهِ الخالدة التي لا تزالُ حتى الآن عنوان للكرامة و تاريخ لصمودِ شعب بأكمله ٠٠أتحدثُ عن هوية فلسطينية تاريخية في الثقافة و الأدب و الشعر حيث أنه تخطى العديد من الحواجز ليخلد تاريخه النضالي الثقافي حيث لوالدي تاريخ واضح و خالد عبر صفحات تاريخ شعبنا الفلسطيني ٠
و عندما أتحدثُ عن النضال الحقيقي فأنني أتحدثُ عن حسيب القاضي رحمة الله عليه و تاريخه الشريف الذي لم يدنسه شهوة المال والسلطة والشهرة بل كافح من أجل الحصول على حقوق شعبنا الفلسطيني فكان مرآة صادقة تاريخ نضال الشعب الفلسطيني ٠
عاش بصمت و مات بكثير من الصمتِ يغادر حسيب القاضي بهدوء مع أحلامه التي لا تتحقق٠٠ بحلم كان يتمناه بأن يدفن جثمانه في تلك البقعة التي ولد فيها في بلدنا يافا و لكنها مجرد أحلام اليقظة٠كان والدي على الرغم من غزارة إنتاجه الشعري والأدبي والنقدي بعيداًعن الأضواء الإعلامية بعكس زملائه من الكُتابِ و أنه لم ينل حقهُ من التركيز الإعلامي فقد تجول من القاهرة إلى بيروت وتونس و قبرص و اليمن و الجزائر و غزة و أخيراً إلى القاهرة .
نحن أمام سيرةٌ ذاتية تحمل الكثير من معاني الخلود و توظيف تقنياته المختلفة و المبدعة في ظل رؤية للمستقبل٠
الراحل حسيب الذي له طقوسه الخاصة في الكتابة حيث يحب الهدوء و يكتبُ كلماتُ كثيرة جداً و يحذف الكثير حتى تتبلور الفكرة عنده ٠
إذا ما تطرقنا إلى دواوينهِ الشعريه
لم يكن ديوان (فصول الهجرة الأربعة) الذي صدر عام ١٩٧٦ أول ديوان شعري له بل سبقه ديوان شعري فقده الوالد أثناء فترة اعتقاله عام ١٩٦٧حين تمت مصادرة مكتبته كاملة و من ضمنها الديوان المذكور
٠ و لقد تسلم ديوانه( فصول الهجرة الأربعة) من الراحل عبد الوهاب البياتي الذي كان يشغل منصب مدير عام في وزارة الثقافة العراقية آنذاك وقال للوالد( إن لغتك صافية و لا تشبه أحداً)٠
فكانت دواوين حسيب القاضي مختلفة لا تنصب في قالب واحد أو نموذج معين ،ويرى النقاد و الدارسين بأن حسيب حقق تميزاً و اختلافاً في هذا الاتجاه٠٠الكتابه عند حسيب أشبه بمغامرة لغوية تقوم على التقاط اليومي فكان يعمل على إعادة تركيب الصور العالم المبعثر و يعطي مساحة للحلم و المتخيل الذي يجنح أحيانا الى نوع من التغريب ،تغريب الحياة نفسها فكان يعني في شعره المهمش و التفصيل و المسكوت عنه على خلفية ميثولوجية ممزوجة بإرث إسلامي و توراتي فكانت قصائده أبعد من السطح المرئي ٠
ومن هنا يمكننا التساؤل هنا ،هل للصورة مقياس للعلاقات الإنسانية و خاصة اذا ما تعلقت الصورة بذكرى والدي؟ من هنا
و إذا انتقلنا إلى الصور في الثقافية العربية و أنا أعتبرها هي المدماك الأول في إنتاج بعض المفاهيم الثقافية على سبيل المثال فلولا الصورة لبقي مصطلح الأطلال في الشعر العربي سرد لغوي يميل إلى الإنشاء أكثر منه للإبداع و على هذا المنوال يمكن إعتبار الصورة الجسر بين اللغة و القيمة الثقافية التي تؤدي إلى الهدف المراد التعبير عنه و هنا الصورة هي ظاهرة في مسار حياة كل إنسان لا يمكن نسيانها في علاقتي بوالدي لا يمكن التنبؤ بالحديث عنها لولا الذاكرة التي تحتفظ بالحوادث التي تؤشر على هذه العلاقة فالإنسان هنا يتذكر والده في مراحل حياته المختلفة و تختلف من مرحلة إلى أخرى بمعنى أن الزمن هو البوصلة التي تغير رأينا بالصورة فكان والدي مصدر أمان لي في الحياة في فترة الطفولة وكان القدوة في كل أفعاله في فترة المراهقة إما في مرحلة الغياب فهو ذكرى و لكنها ذكرى خالدة و باقية و على مستوى المضمون تناهى في حالة الإنسان الذي لا يمكن نسيانه فتكون الذكرى حاضرة في الخيال والدي الشاعر الذي أسهم بشكل كبير في تشكيل الوعي الموسيقي و الثوري لأجيال عربية فلسطينية و أصبحت الكلمة في عصره المفتاح السحري للتعريف بالثورة و كانت البندقية التي أبدع في تصويره أنها قيثارة الحياة و الكرامة فشكلت كلماته إيقاع فلسطين الوطن الذي يجب العودة إليه مهما طال الزمان أم قصر فلم تكن كلماته صور اطلال بل صور تحفيز للعودة و النصر فكان فدائي في الرؤية و التوظيف و في الأسلوب فعلاقتي بوالد هي علاقة حضور قائمة كلماته و ما زالت تتردد إلى يومنا هذا و صورته حاضرة في الضمير الجمعي الفلسطيني فعلاقتي مع والدي هي صورة فلسطين ٠