تاريخ النشر: 2019-05-12 | 07:17
تاريخ النشر: 2019-05-12 | 07:17
المقدمة :
أثار قرار حكومة العدو الصهيوني بخصم قيمة الرواتب التي تدفعها السلطة الوطنية الفلسطينية لعوائل الشهداء والأسرى في سجون العدو من قيمة ( فواتير المقاصة والضرائب ) المستحقة للسلطة الوطنية لدى سلطات الإحتلال الصهيوني ، مما جعل الرئيس الفلسطيني محمود عباس يصدر تعليماته للحكومة الفلسطينية بالامتناع عن إستلام ( أموال المقاصة الفلسطينية) من سلطات الإحتلال الصهيوني منقوصة ، وبالفعل أعادت السلطة الوطنية المبالغ المنقوصة التي حوَّلتها وزارة المالية الصهيونية مرتين ، ورفضت السلطة الفلسطينية خصم أي مبلغ تدفعه لصالح عوائل الشهداء والأسرى ، وأكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس ، ورئيس الحكومة الفلسطينية د. محمد شتية ، والعديد من كحبار المسؤولين الفلسطينيين ، على أنَّ : ( الأسرى والشهداء هم مقاتلون من أجل الحرية والاستقلال ، ولن تتوقف السلطة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية عن دفع رواتبهم ، مهما كان حجم العقوبات والإجراءات الإسرائيلية التعسفية ) .
وأدى القرار الصهيوني العنصري بمصادرة قيمة رواتب الأسرى والشهداء إلى حالة واسعة من الغضب والغليان الفلسطيني ، وأثرَّ كثيراً القرار الفلسطيني بعدم إستلام أموال المقاصة من سلطات الاحتلا ل الصهيوني ، على الوضع المالي للسلطة الوطنية الفلسطينية ، وتسبب في عدم مقدرتها على دفع كامل رواتب موظفي ومتقاعدي السلطة الوطنية الفلسطينية ، مما إضطرها لدفع نصف قيمة الراتب ، بينما قامت بدفع رواتب الأسرى والشهداء كاملة ، وانعكس ذلك بشكلٍ كبيرٍ على الحالة المعيشية والإقتصادية في الضفة الغربية وقطاع غزة .
وأكدت هذه الأزمة أهمية قضية ومكانة وعدالة ورمزية قضية الأسرى الفلسطينيين الأبطال في سجون العدو ، فهم ضمير وقلب وذاكرة ووجع وألم وحزن ووجدان الشعب الفلسطيني ، يسكنون القلوب والوجدان والعقول والوعي الجمعي الفلسطيني ، ويشغلون المساحة الأكبر من المشاعر والأحاسيس والعواطف والأحزان والأوجاع والآمال الفلسطينية ، هم رمز عزة وكرامة الشعب الفلسطيني ، وعنوان الصمود وشعلة الكفاح والنضال الفلسطيني المُتَّقِدَّة وهجاً وثورةً وعطاءً وتضحيات وبطولات منذ أكثر من مائة عام ، وليس هناك من بيتٍ فلسطيني ، أو أسرةٍ أو عائلةٍ فلسطينية ، إلاَّ ولديها على الأقل أسير فلسطيني في سجون العدو ..
ويسكن الأسرى الفلسطينيون الأبطال في سجون العدو الصهيوني ، مركز اهتمامات ووعي وذاكرة الشعب الفلسطيني ، وهم مهجة قلوب جميع الفلسطينيين وضميرهم الحي ، ووجدانهم المشتعل حباً وشوقاً وعشقاً وثورةً وغضباً ، فهم رمز وعزة وصمود وكرامة وكفاح وبسالة وبطولات وصبر ورباط وتضحيات وعناد وصمود وثورة الشعب الفلسطيني المظلوم ، ولهم منا نحن الأسرى المحررون والمبعدون المنفيُّون والمناضلون ، ومن كل شرائح ومكوِّنات وهيئات ومؤسسات وفصائل ولجان وجمعيات ومنظمات الشعب الفلسطيني الصابر المرابط كل محبةٍ واحترامٍ ووفاءٍ وتقديرٍ ودعمٍ ومساندةٍ ومؤازرةٍ لقضيتهم الإنسانية والنضالية والقومية والوطنية العادلة ، حتى تحرير آخر أسير وأسيرة من سجون العدو المجرم .
مليون ونصف مليون معتقل :
بدأت الثورة الفلسطينية الحديثة والمعاصرة ضد المشروع الصهيوني ، وضد الإحتلالين البريطاني والصهيوني منذ أكثر من مائة عام ، ومنذ مطلع القرن الماضي قدم الفلسطينيون تضحيات وبطولات تفوق الوصف ، وتصدّوا بإمكانياتهم البسيطة وصمودهم الأسطوري للمشروع الصهيوني ، وقاوموا الإحتلال البريطاني ، والعصابات الصهيونية المجرمة المتوحشة ن ثم الإحتلال الصهيوني ، ولم يكن الإحتلال البريطاني أقل وحشيةً من الإحتلال الصهيوني لفلسطين العزيزة .
ومنذ انطلاق الثورة والمقاومة الفلسطينية ضد المشروع الصهيوني والإحتلالين البريطاني والصهيوني قدموا مئات آلاف الشهداء والجرحى ، وفاق عدد الأسرى الفلسطينيين المليون ونصف المليون فلسطيني ، من الذين أعتقلوا لمددٍ متفاوتة ، وخاضوا تجربة الأسر والتعذيب القاسية ، في سجون العدو الصهيوني ، والتي هي أسوأ سجون الأرض ، وأكثرها وحشيةً وقسوة وظلماً وقهراً وتعذيباً ، بالإضافة إلى آلاف الأسرى المصريين والسوريين والأردنيين واللبنانيين والعراقين والتوانسة والليبيين واليمينيين وغيرهم من الأشقاء العرب والمسلمين ، ومن جنسيات أجنبية مختلفة ، منذ النكبة الكبرى في 15مايو/ آيار1948 واحتلال الجزء الأكبر من أرض فلسطين العزيزة ، وإعلان إقامة دولة الكيان الصهيوني الغاصب ، وكذلك منذ نكبة 5 يونيو / حزيران 1967 واحتلال الجزء الباقي من أرض فلسطين ، وشبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية ، وغيرها من الأراضي الأردنية واللبنانية ، ويعبتر هذا العدد من الأسرى الفلسطينيين ضخم وكبير جداً ، إذا ماقورن مع عدد الشعب الفلسطيني المناضل والمكافح والمرابط .
مكانة قضية الأسرى :
تحظى قضية الأسرى والمعتقلين في السجون الصهيونية ، على إجماع وتعاطف القيادة الفلسطينية ، ومنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية ، وكافة الفصائل والقوى والتيارات والأحزاب الفلسطينية ، وجميع شرائح ومكونات وهيئات المجتمع والشعب الفلسطيني ومؤسساته المدنية والرسمية والأهلية ورموزه وشخصياته الاعتبارية ، وهي القضية التي يكون فيها ولأجلها الحراك الفلسطيني ، على المستوى الرسمي والشعبي والمؤسساتي ، حراكاً تلقائياً وفورياً ، وتكون إنفعالات وحركة ونبض الشارع الفلسطيني استجابة وانعكاس لتحركات ومعاناة وآهات وعذابات وانتفاضات الأسرى الأبطال في سجون العدو، لأنَّ القضية الفلسطينية ، هي القضية الأكثر عدالةً ومظلوميةً على مستوى العالم ، ولأنَّ الفلسطينيين هم جوهرة الشرق والأمة والعالم ، وهم القمر المشرق في سماء المنطقة المضطربة بصبرهم ونضالهم ورباطهم وبطولاتهم وتضحياتهم وصمودهم وبسالتهم ، نجد أنَّ الأسرى الفلسطينيين في سجون العدو يسطِّرون أروع صور البطولة والصمود ورباطة الجأش منذ لحظة اعتقالهم ، وحتى اطلاق سراحهم أو استشهادهم ، ولذلك فالأسرى الأبطال في سجون العدو المجرم ، هم أيقونة النضال والكفاح البطولي الفلسطيني المستمر منذ قرن ونصف.
رحلة لاتنتهي من العذاب والمعاناة :
للحقيقة ، ومن واقع التجربة الشخصية الإعتقالية ، فلايمكن لأي إنسان عادي إحتمال ظروف وسنوات الاعتقال والتعذيب والمعاناة المستمرة والمتواصلة في سجون ومعتقلات الاحتلال الصهيوني النازي الأكثر بشاعةً وعنصريةً وعدواناً في العالم ، وتبدأ رحلة عذاب المعتقل الفلسطيني في السجون الصهيونية ، منذ اللحظة الأولى التي يداهم ويقتحم ويفتش فيها جيش ومخابرات العدو ، منزل المناضل الفلسطيني المُستَهدَف بالاعتقال ، فيعوث الجنودالصهاينة بالمنزل تفتيشاً وتكسيراً وتخريباً وانتهاكاً لحرمته وخصوصيته ، ويتضاعف حجم ومستوى العذاب لدى تقييدهم لأيدي المعتقل البطل الفلسطيني من الخلف وكذلك رجليه بالقيود الحديدية ، وتغطية رأسه ووجهه حتى العنق بكيسٍ مليئٍ بالقاذورات والروائح النتنة العفنة، أوعَصْبَ عينيه بعصبةٍ سميكة سوداء تمنعه من الرؤية ، ثم يتم نقله بعربةٍ وقافلةٍ عسكرية إلى المعتقل ، وطيلة الطريق من المنزل إلى مسلخ التحقيق والتعذيب ، يتعرَّض المعتقل الفلسطيني إلى أنواع وألوان من العذاب والتنكيل لاتُعد ولا تُحصى ، وهو ملقىً على أرضية العربة العسكرية الصهيونية ، ويدوس على جسده ورأسه وعنقه الجنود الصهاينة المجرمين ببساطيرهم وأحذيتهم ، مع ركله وضربه في كافة أنحاء جسده ، وبمجرد الوصول إلى مكان الإعتقال ، ثم نقله إلى مسلخ التحقيق والتعذيب ، تبدأ أكثر مرحلة من مراحل الإعتقال صعوبةً وتعذيباً وقهراً وظلماً واضطهاداً وارهاقاً وألماً ووحشيةً ، حيث يتعرض المناضل الفلسطيني لأشكالٍ مختلفة وعديدة من التحقيق الشرس والتعذيب الوحشي ، وماينتج عنه من الآلام والأوجاع ، ممالايمكن حصره وتوقعه ، فالعذاب والتعذيب في أقبية ومسالخ التحقيق والتعذيب في زنازين وسجون العدو ، أكبر كثيراً من مجرد وصفه أو توصيفه في كلماتٍ وعباراتٍ معدودة ، أو صفحات ، أو حتى كتب ومجلدات ..
وتبقى رحلة العذاب والاضطهاد والمعاناة للمعتقل الفلسطيني في سجون العدو ، مستمرة منذ اللحظة الأولى من خطفه واعتقاله ، ولاتنتهي باطلاق سراحه ، بعدما يمضي زهرة شبابه وأجمل سنوات عمره بين جدران الزنازين الصهيونية ، حيث تسكن الجسد الضعيف المنهك للمعتقل الفلسطيني خلال تلك السنوات ، الأمراض المزمنة والأوجاع والآلام والأحزان ، وتستمر معه هذه الأمراض ، وكذلك انعكاسات الذكريات المريرة طيلة فترة الإعتقال ، مابقي له من عمرٍ يقضيه ، حيث تعتمد منهجية التعذيب الصهيوني الهمجي / الجنوني / الهستيري / العنصري / السادي والنازي ، على كسر إرادة وصمود وبطولة وصبر الأسرى ، ومحاولات إحداث شروخ كبيرة في نفوسهم وشخصياتهم وكيانهم الإنساني والوجداني والاجتماعي، تستمر معهم طيلة العمر ، ومن ثَمَ محاولة كسر إرادة الشعب الفلسطيني بأكمله ، ومحاولة تذويب قضيته العادلة المقدَّسة ، وهزيمته في معركته الطويلة وكفاحه المستمر من أجل تحرير أرضه ووطنه واستعادة مقدساته وحقوقه المسلوبة.
جرائم متواصلة ضد الأسرى :
إعتاد العدو المجرم على ارتكاب الجرائم المتتالية والمتواصلة بحق الأسرى الفلسطينيين والعرب ، وكذلك بحق جميع أبناء شعبنا الفلسطيني وأمتنا الإسلامية والعربية، وكانت على الدوام جرائم العدو المنهجية هي السمة الرئيسة التي تُميِّز وجوده واحتلاله السرطاني العنصري ، واستمراره وتمدده العدواني ، وعلّوه وإفساده واستكباره وتوحشه ، منذ تفجر الصراع / الكوني / الدموي فوق تراب وطننا المقدس / فلسطين أواخر القرن قبل الماضي ، وحتى إعلان احتلال الجزء الأكبر من فلسطين خلال النكبة الفلسطينية والعربية الكبرى، واقامة الكيان الصهيوني في 15/5/1948 ، ثم احتلال الكيان الصهيوني لبقية أرض فلسطين ، ومعها الجولان السوري وشبه جزيرة سيناء المصرية ، عقب نكبة 5/6/1967.
وألقت الجرائم المتتالية ، وعمليات الاغتيال المُنظَّمة والمنهجية التي ارتكبها ويرتكبها الإحتلال الصهيوني المجرم ضد الأسرى الفلسطينيين والعرب البواسل ، واستشهاد المئات من الأسرى الأبطال في السجون الصهيونية ، بظلالٍ حزينةٍ ومؤلمةٍ وغاضبةٍ على الحركة الأسيرة الصامدة ، ولهذا فالحركة الوطنية الأسيرة الشامخة منذ نشأتها وهي تخوض الإضرابات المتتالية والمُنَّظَّمة عن الطعام ، وتتفجر المواجهات والانتفاضات وثورات الغضب المتتالية في السجون الصهيونية ، وفي الشارع الفلسطيني الملتصق بها والوفي جداً لها ، وخصوصاً أنَّ العدو الصهيوني ، لايراعي حرمةً لمعتقلٍ أو أسيرِ حربٍ ، ولا لمريضٍ أو رجلٍ مسنٍ أمضى زهرة حياته خلف القضبان الملعونة ، ولا لطفلٍ صغيرٍ أوفتاة وسيدة ، أو أمرأة وأم وزوجة اختطفها ليُبعدها عن أولادها وزوجها وأسرتها ومحيطها الاجتماعي والإنساني الفلسطيني ، فالعدو الصهيوني مجرم نازي عنصري لقيط متوحش عديم القيم والأخلاق والأعراف والإنسانية والرحمة ، وينتهك كافة حُرُمات الإنسان والمجتمع الفلسطيني والعربي ، الذي ناضل وسيظل يناضل من أجل حرية وطنه وأرضه وشعبه ، واسترداد كافة الحقوق الفلسطينية والعربية المسلوبة .
تطور مستمر في الأداء وتنظيم الصفوف :
تطور كثيراً أداء ودور الحركة الوطنية الأسيرة عقب نكبة 1967 ، وأخذت منحى وسياقاً نضالياً وثورياً جديداً ومختلفاً عما سبق من سنوات الصبر والكفاح والنضال ، وعملت على تنظيم وتوحيد صفوفها داخل السجون الصهيونية ، وأصبح لها قادة معروفين ومحددين ، وناطقين ومتحدثين باسمها ، وأُطراً تنظيمية وإدارية وتربوية وتثقيفية وتوعوية تقودها وتوجهها ، ووضعت قوانين وأعراف وتقاليد وثوابت وأنظمة تحكمها ، وخاض الأسرى الأبطال انتفاضات وثورات غضب واضرابات أسطورية وبطولية متواصلة، مدعومين بتحرك ومؤازرة ودعم وتأييد الشارع الفلسطيني والعربي والإسلامي ، والمؤسسات الدولية والحقوقية والعالمية المؤازرة لقضية الأسرى ، واستطاعت الحركة الأسيرة أن تنتزع وتحقق الكثير من المطالب والانجازات التاريخية والبطولية ، الأمر الذي كان يفرض عليها دوماً المحافظة على ماتم نيله من حقوق وانجازات ومكاسب ، والاستعداد لخوض المزيد من الإضرابات والانتفاضات وثورات الغضب والمعارك القاسية ، من أجل تحقيق ونيل المزيد من الحقوق والمطالب والانجازات والمكاسب ، والتصدي لجرائم الجلادين والمجرمين الصهاينة ، ورغم الوحشية والعنصرية التي تسيطر على عقلية وسلوك وسياسات العدو الصهيوني ، فإنَّ الانتفاضات والهبَّات الشعبية المتتالية التي تنفجر تباعاً في وجهه ، وتصديَّاً لجرائمه المنهجية المُنَّظَّمة ضد الأسرى الأبطال ، وضد شعبنا العظيم وأرضنا ومقدساتنا ، جعلت الآثار الناتجة عن هذه الجرائم ، ثقيلة على المؤسسة السياسية والأمنية والعسكرية الصهيونية ، حيث كانت دوماً ردة الفعل الشعبية الفلسطينية القوية المتلاحمة والمتضامنة مع هبَّات غضب وانتفاضات الأسرى الأبطال ، تُربك حسابات قادة العدو ، خشيةً من تدهور الأوضاع في الضفة الغربية والقدس المحتلة وقطاع غزة والداخل الفلسطيني المحتل ، وخوفاً من تطور الأمور نحو ( إنتفاضة فلسطينية ثالثة شاملة قادمة لامحالة ) ، وسريعاً ما يظهر واضحاً حجم التوتر والخوف والقلق الصهيوني من احتمال اندلاع انتفاضة فلسطينية جديدة ، في وسائل الإعلام الصهيوني التي تكرر الحديث دوماً ، عن احتمالات ( اندلاع انتفاضة فلسطينية جديدة في القدس والضفة الغربية، وكيفية التعامل معها في حال انفجارها ) ، ويحذِّر من الدخول في ( دوامة من العنف ستكلِّفه كثيراً ) بسبب حالة الاحتقان التي يعيشها الشارع الفلسطيني والوضع الفلسطيني المعقد والخطير ، وقد تتحول أية إنتفاضة للأسرى في سجون العدو ، إلى عود الثقاب الذي يُفجِّر برميل وبركان الغضب الشعبي الفلسطيني المتراكم في القدس والضفة الغربية المحتلة ، وقطاع غزة ، والمناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948 ..
دعم قضية الأسرى :
من المهم تخلي الفصائل والقوى الفلسطينية عن خلافاتهم الحزبية والسياسية ، ودعم مطالب وانتفاضات الأسرى الأبطال ، والتعجيل بانهاء حالة الانقسام المؤسفة وانجاز وتحقيق مشروع المصالحة ، وتكريس الوحدة الوطنية الفلسطينية ، كخطوةٍ هامة على طريق الاستقلال الوطني الفلسطيني، واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة والقطاع ، وعاصمتها القدس الشريف ( كحل مرحلي مؤقت ) ، والتخلُّص من ظلم وقمع وجبروت وتوحش وإفساد وعلو وعدوان الإحتلال الصهيوني ، وهنا تأتي أهمية انتفاضات وهبّات غضب الأسرى الأبطال في سجون العدو ، فرغم الانشغال والإستنزاف الفلسطيني الداخلي في حيثيات الانقسام الفلسطيني الأسود ، وانشغال المحيط العربي والإسلامي في نزيف الدماء والمشاكل والفتن الداخلية في عدة بلدان عربية وإسلامية ، إلا أنَّ الانتفاضات والهبَّات المباركة للأسرى الأبطال من أجل الحرية والكرامة والوطن ، تأتي دوماً في توقيتها المناسب ، لكي يعلو من جديد الصوت الفلسطيني ، وتعود القضية الفلسطينية إلى مكانتها الطبيعية والرئيسة في العقل والوجدان العربي والإسلامي والإنساني ، كقضيةٍ مركزيةٍ للأمة الإسلامية والعربية ، وحتى ينتبه الجميع فلسطينياً وعربياً واسلامياً ، أنَّ هناك آلاف الأسرى الأبطال يقبعون في زنازين العدو ، في أكثر سجون العالم سوءاً وبشاعةً وقسوةً وظلماً واضطهاداً ، ويعيشون في أوضاع لاتصلح لاستمرار أي نوع من الحياة الآدمية ، ويقضون زهرة عمرهم وسنوات حياتهم نيابة عن كل فلسطيني وعربي ومسلم وحر، فهم يقضون أجمل سنوات عمرهم في زنازين الموت والقهر الصهيوني ، دفاعاً عن فلسطين والفلسطينيين ، ودفاعاً عن كرامة الأمة وعرضها وشرفها وحضارتها ووعيها وتاريخها وحاضرها ومستقبلها ومقدساتها ، ولذلك فإنَّ قضيتهم ؛ هي قضية عربية / إسلامية / إنسانية / دولية ، بقدر ماهي فلسطينية.
شهادة أسيرة محررة :
لفت إنتباهي وإهتمامي ، وإنتباه الكثيرين الشهادة التي قدمتها الأسيرة الفلسطينية المحررة نجوان "محمد أيمن" حسن عوده، أمام الحضور في اليوم الذي أقامته الجامعة العربية بالقاهرة يوم 11/4/2019 تضامناً مع الأسرى الفلسطينيين ، وإحياءً ليوم الأسير الفلسطيني ، وبقدر ما تضمنته هذه الشهادة من أوجاع وآلالام إنسانية من واقع تجربة الأسيرة المحررة ، فقد قدَّمت وصفاً دقيقاً ، بلغةٍ جميلة ، لرحلة العذاب التي لاتنتهي للأسيرات الفلسطينيات في سجون العدو ، من لحظة الإعتقال ، حتى الإفراج عنهن ، ونظراً لأنَّ هذه الشهادة ، وصف حي ودقيق لمعاناة وآلام الأسيرات الفلسطينيات في سجون العدو ، فقد رغبتُ بتضمينها (كاملةً وحرفياً ) في هذه الدراسة ، كما روتها الأسيرة المحررة نجوان عودة (35عاما) ، من مدينة البيرة في الضفة الغربية المحتلة ، بعد أن أستأذنت صاحبة الشهادة وحصلتُ على موافقتها ، وهذا هو النص الحرفي لشهادتها المؤلمة:
( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يوم الإثنين، السابع من أيلول لعام ألفين وخمسة عشر، الساعة الثانية والنصف فجراً..
داهموا الحي، طوّقوا المنزل، فجّروا الأبواب، عزلوا أفراد العائلة في غرفة واحدة، عاثوا في البيت تخريباً وتدميراً، وما زِلتُ بغرفتي لم أستيقظ من نومي العميق بعد تعب وكدح كبيرين استعداداً لمشاريع عيد الأَضحى في مكان عملي..
رؤوس لا أعلم من هي تُطل من باب غرفتي وتوجه بنادقها نحوي.. ملأت قلبي بالرّعب والفزع .. نهضتُ، لبستُ ما يسترني، تمسمرتُ مكاني ...
سألني أحدهم بصوتٍ جَلِف لا يتقن العربية جيداً : شو اسمك ؟ شو بتشتغل ؟ وين تلفونك ؟ وين كمبيوتر تبعك ؟ ... أجبته باستهجان شديد.. ، ثم قال: يلا .. يلا..
ـــــ يلا وين؟!
ـــــــ إعتقال..
ـــــــ وليش بدكم تعتقلوني ؟!
ـــــــ بعدين بتعرف..
الرابعة فجراً غادرتُ المنزل وعيون عائلتي تتبعني ... أخبر الضابط والدي بأني سأعود بعد ساعتين، لكني عدتُ بعد ثلاثة عشرَ ألفَ ساعة ... عدتُ بعد ثمانية عشر شهراً.. عدتُ بعد عام ونصف ....!!!
قاموا بإقتيادي إلى مركبتهم العسكرية، وبدأت التحرشات اللّفظية والمضايقات من خمسة عشر جندياً صهيونياً كانوا داخل المركبة.. سرنا لا أعلم إلى أين، توقفنا بعد نحو عشر دقائق، أنزلوني ليتم تعصيب عيناي وتكبيل يداي وقدماي بسلاسل حديدية ومن ثمّ أصعدوني لمركبةٍ أخرى.. لأذهب إلى المجهول..أُلقيتُ على كرسي خشبي، لَسعني برد الفجر، وحرقتني شمس الصّباح، خمس ساعات معصوبة العينين مكبلة اليدين والقدمين ومُلقاة لا أعلم أين.. لكني لم أُترك وحيدة، ظلّ صوت همهمات جندي صهيونيٌ تحوم حولي.. بعد وقت أتت جندية صهيونية لتفتيشي عاريةً مرتين.. ثم أصوات أقدام تتجه نحوي فجأة لتجرّني بقسوة إلى مركبة اعتقال جديدة.. ليست مركبة عادية كما تظنّون، فهي بالظاهر مركبة نقل مغلقة، لكنّها من الداخل مقسّمة لصناديق حديدية لا ضوء فيها ولا فتحة للهواء.. علمت لاحقاً أنها تُدعى البوسطة.. أُلقيت داخل أحد صناديق البوسطة، وتحرّكت البوسطة في رحلةٍ من المعاناة دامت ست ساعات إلى محطة جديدة من المجهول.. ست ساعات من الألم والبكاء والصراخ والإغماء ودون مُجيب.. وصلنا.. لا أعلم أين.. تصوير أمامي وإدخال بيانات وتفتيش عاري وآخر عبر الأجهزة الإلكترونية.. ثم ندخل غرفة مكتب.. ليأتي شاب ويتحدث إلي بلطف..
ـــــ أعتذر نجوان لقد قمنا بإزعاجك.. أنا محقق من المخابرات الإسرائيلية الشاباك وأنت معتقلة لدينا..
ـــــ طيب ليش ؟
ــــــ لأنك موظفة لدى جمعية خيرية..
ــــــ ومالها الجمعية ؟ رجعوني لبيتي وشغلي، ما في سبب لوجودي هون..
ابتسامة صفراء رُسمت على وجه وقال: سأترك الآن ونتحدث لاحقاً.. لكن اليوم ستبقين هنا..
لكنّي لم أكن أعلم أن (هنا) مقصود بها مقبرة الأحياء، زنزانة سوداء الجدران والسقف والأرضية، مغلقة تماماً لا ندخلها أشعة الشمس، ضوء خافت تكاد لا ترى نفسك، هواء بارد ينخر العظم.. مرت ثمانية عشر يوماً على وجودي في هذا القبر، وأتنقل بين الزنزانة وغرفة التحقيق والمحكمة العسكرية والبوسطة.. لأُنقل بعدها إلى السجن وأنا المتهمة بالعمل في جمعية خيرية محظورة بحسب ادعاءات الإحتلال الصهيوني.. قضيت ثمانية عشر شهراً أحاول اثبات أن الجمعية قانونية وأن التُهم الموجهة إلي مزعومة.. لكن دون جدوى.. ثمانية عشر شهراً من التعذيب الجسدي والنفسي..في السجن أسيرات لكلٍّ منهن حكاية..
أنا الأسيرة لينا الجربوني، أعتُقلت بعمر السادسة والعشرين، وتحرّرت بعمر الواحد والأربعين، بعد أن قضيت خمسة عشر عاماً في سجون الإحتلال الصهيوني..
أنا الأسيرة نسرين أبو كميل، أم لسبعة أطفال، ما زلت قيد الإعتقال، زوجي وأطفالي في غزّة ولم أرهم منذ ما يزيد على ثلاث سنوات، وقد أصابني أمراض السكري والضغط وأصابعي معرّضة للقطع ولا أتلقى العلاج الطبي اللازم..
أنا الأسيرة حلوة حمامرة، اخترق جسدي وابل من الرّصاص، أُجريت لي عمليات استئصال لأجزاء من الكبد والبنكرياس والطحال والأمعاء، وكلّ هذا وأنا مقيّدة اليدين والقدمين على سرير المستشفى..
أنا الأسيرة إسراء الجعابيص، أطلق جنود الإحتلال النار على مركبتي لتنفجر وتشتعل بي النيران وتلتهم جسدي الجميل، ويخاف ابني الوحيد مني عندما يزورني بالسجن، أحتاج لعدة عمليات جراحيّة لكن ما من مُجيب..
أنا الأسيرة شروق دويّات، حُرِمت دخول المسجد الأقصى وانتُزِع حجابي وما أن هممت بالدفاع عن نفسي حتى رُشقت بنيران الإحتلال تخترقني لأترك ملقاة على الأرض ويُمنع الإسعاف من تقديم العلاج الطبي اللازم لي، ثمّ أُعتقل وأُحكم بالسجن ستة عشر عاماً..
أنا الأسيرة نورهان عوّاد، كنت طفلة أحمل حقيبتي المدرسية وأسير برفقة إبنة عمي، عندما أطلقت علينا قوات الإحتلال الرّصاص، فاستشهدت هي واعتقلت أنا، ليُحكم على طفولتي بالسجن ثلاثة عشر عاماً ونصف..
أنا الأسيرة وفاء نعالَّوة، أعدموا فلذة كبدي وأردوه شهيداً ولم يسمحولي لي بإلقاء نظرة الوداع عليه، واعتقلو زوجي وابني الآخر وزوج ابنتي، وهدموا منزلي..
نحن الأسيرات في سجون الإحتلال الصهيوني.. نحن اللّواتي نقبع الآن في سجن الدامون في شمال فلسطين.. نحن اللّواتي نُعاني الأمرّين ويُقبض على أرواحنا وأجسادنا داخل زنازينَ لا ترتقي فيها حياتنا للحياة الآدمية.. نحن اللّواتي تُراقب تحركاتنا بكاميرات مراقبة أثناء وجودنا في الساحة التعيسة التي نخرج للسير بها لساعات قليلة أثناء النهار، نحن اللّواتي نُحرم من الكتب داخل السجن.. نحن اللّواتي يُحرم بعض من أهالينا من زيارتنا.. نحن الأمهات اللّواتي آلت شهور السجن بأن لا يتعرّف علينا أطفالنا ويخافوننا.. نحن اللّواتي ننتزع حقوقنا بأمعائنا الخاوية.. نحن اللّواتي خُطفنا من بيوتنا ومن على الطرقات.. نحن الأسيرات الفلسطينيات في سجون الإحتلال الصهيوني الإسرائيلي.. نحن لسنا سوا فلسطينيات ندفع ضريبة الدفاع عن أرضنا وعرضنا، لا نعلم متى سنُعتقل أو نُحتجز أو نُجرح أو نَستشهد، فحياتُنا رَهْنَ الإحتلال.. لكننا صامدات، نهوى الحياة بحب ونجابهها بأنوثتنا وأحلامنا.. نُدافع عن قدسنا، ندافع عن فلسطيننا، ندافع عن عروبتنا..
السيدات والسادة، أنا نجوان عوده، الأسيرة المحررة من سجون الاحتلال الصهيوني ، وقد قصصت لكم بعضاً من حكايا أسيرات فلسطينيات ... والحكايا لم تنته بعد .. شكراً لاستماعكم ..).
الخاتمة :
على الجميع أن يتحرك لأجل الأسرى الأبطال في السجون والمعتقلات الصهيونية ، وأن يقف إلى جانبهم ، ويؤازرهم حتى لو بالكلمة ، أو التضامن الذاتي ، ويجب أن يكون الحراك الفلسطيني والعربي والإسلامي والإنساني ، لأجلهم في القدس والضفة والقطاع والداخل المحتل ، والخارج مدوياً وقوياً ، حتى يتأكد هؤلاء الأبطال أنهم ليسوا وحدهم ، وعلينا أن نؤكد بالقول والفعل والوجدان والغضب لهؤلاء الثوار الفرسان :
لستم وحدكم … سنتحرك من أجلكم ، ومن أجل كرامتكم وحريتكم ، ولن نصمت ، أبداً لن نصمت …نحن معكم أيضا ، من أجل فلسطين والقدس ، والحرية والكرامة والعزة والانتصار …