تاريخ النشر: 2017-04-27 | 19:11
تاريخ النشر: 2017-04-27 | 19:11
لم يعد الاسلام محصورا -كما كان يروج كثير من الناس- في مجموعة عبادات او احكام شرعية وعبارات وتأويلات في علم الكلام او مجالات اخرى في شتى علوم التفسير والاجتهاد تشغل الناس والاتباع وتملأ فراغات وقتهم.. فذلك مع اهميته لا يعدو ان يكون جزءا من منظومة الاسلام الكبيرة وفي محاولة لتبرير ذهابهم الى تلك الزاوية الضيقة نقول انه لم يكن هناك ضرورة لانشغالهم بما هو قائم من سيادة الامة وعلو شأنها..
الاسلام اصبح هوية وثقافة ومزاج نفسي وانتماء حضاري وتاريخي وامتزج بالمقومات الخاصة لشعوبه وهو في هذا امتلك القدرة الجبارة على تحريك المنتمين له في معارك الوجود الفاصلة ومثل خط الصمود الاول والدفاع المستميت عن كرامة الشعوب وهويتها وسيادتها.. فهو بهذا انتقل ليكون البعد النفسي المحرك للمجتمعات العربية والاسلامية في معاركها المفصلية.. وهو مسوغ وحدتها وقوتها وتميزها والحافظ على سيادتها.
والاسلام ايضا اكبر من ذلك.. فهو منهج تفسير علمي للتاريخ وحركات المجتمعات ونهضات الامم وانحدارها من خلال منظومة دقيقة للفهم محكومة بنواميس وسنن يكون اكتشافها وتدبرها دربا راقيا للعبادة النوعية والتقرب الى الله.. مرفوض في عرفها التهويم والظن والضرب عشواء والسير على ضلال انما بالعلم من خلال ادواته الدقيقة والحساسة المنضبطة فقدم بذلك للعقل البشري فرصته الاستثنائية لكي يتحرك حرا في الفهم والابداع والاستنتاج.
والاسلام كذلك اكبر من كونه مدرسة معرفية مع ضرورتها واهميتها، او هوية حضارية للامة مع عظيم دورها، فهو ايضا حامل منظومات قيمية ومفاهيمية للانسان بغض النظر عن عرقه ومعتقده وطبقته وفئته.. اي بتركيز هو نظام جامع لحياة الانسان بعيدا عن العنصرية والاستغلال والظلم.. وينحاز بشكل طبيعي وتلقائي للانسان حيث هو الانسان على اعتبار انه انما رحمة للعالمين..
في مواجهة هذ الاسلام يحاول المستعمرون بلا كلل تفسيخه ودحره جزءا جزءا من المشهد الانساني.. فهم يحاولون بدأب طمس بعض معالمه الانسانية وتشويه معالم اخرى في عملية تغطية لحقيقة رسالته ولقد افاض البروفيسور ادوارد سعيد في تفسير هذه العملية الاستعمارية في كتابيه: الاستشراق، وتغطية الاسلام.. ولم يقف الامر عند التشويش على مهمته الانسانية في انقاذ البشرية من جور المناهج المعوجة والبرامج الشريرة التي تستعبد الانسان بصورة من الصور، وتقود الحرب ضد البشرية المعذبة، وبعد ان شوهوه في وعي شعوبهم اتجه المستعمرون ودهاقنة الاستعمار الى محاصرة الاسلام في دياره ليجعلوه في حس الناس دينا عنصريا لقوم من اقوام الارض.. وخطوة بعد اخرى قاموا بتجزئته ومحاصرته في شكل كركاتوري وفسخوا امته شعوبا وقوميات ومذاهب واثنيات ارهقت كيانه وجعلته في اصعب مراحل رحلته وكان ضياع فلسطين ولايزال تتويجا لنكبة الاسلام الكبرى.
ولحكمة بالغة يرتبط مصير فلسطين بمصير الاسلام في هذا العصر وكما حصل التشويه لرسالة الاسلام ومهمته طال فلسطين تشويهات على مراحل عديدة وفقدت فلسطين رسالتها وهويتها في اضطراب المناهج والبرامج الجزئية والمحدودة.
لقد تناولت المناهج الجزئية موضوع فلسطين بالمعالجة فكان التشويه والخسارة من مرحلة الى اخرى ومن منهج الى اخر لتصاب كل المشاريع بهزائم فادحة و لينتهي الامر وكأن فلسطين ضاعت كلها واصبح مسجدها الاقصى بيد الصهاينة.
وهكذا تصبح فلسطين مرآة الاسلام المكثفة كامة ورسالة وهكذا ترتبط حالتاهما ارتباطا عضويا فهما يسيران على خطين متناظرين يتقدم احداهما بتقدم الاخر او بمعنى ادق تتقدم فلسطين بتقدم الاسلام نهوضا وانسانية وحضارة وقوة ومنعة وكرامة وسيادة.
ولحكمة الهية بالغة يقف اعداء نهوض الاسلام وعودته في موقف العداء الاول لفلسطين.. ويبذل اولئك كل الجهد لتفتيتها وتشتيت اهلها وتغيير معالمها واستنساخ واقع جديد لها كما يفعلون بالاسلام تماما تقزيما وتشويها وتجزئة وطمسا وتلفيقا
فلقد اصبحت فلسطين في نظر البعض مختصرة الى جغرافيا حسب الترسيم البريطاني في الانتداب معزولة عن انتمائها التاريخي والاجتماعي والجغرافي ومعزولة عن حقيقة الصراع الدائر وطبيعته بين الاسلام والامبريالية الغربية.. وهنا ليس جديرا بالذكر الطرح المقزم لفلسطين الذي يراها على حدود خمسها الجغرافي معزولة عن اي رؤية قومية او حضارية او انسانية.
وحاول البعض تقديم فلسطين على انها ارض العرب بل وصرة بلاد العرب ومركز حيويتهم التاريخية فمنحوها ثقافة الثأر والكفاح لاستردادها لوصل وحدة بلاد العرب المركزية في الشام ومصر والجزيرة.
وفي مشهد اكثر اتساعا راى البعض انها قلب الاسلام و فيها مسجده الاقصى وتاريخ الاسلام ومعاركه بالغة الاثر حطين وعين جالوت واليرموك.. وبهذا ايضا ظلت معركة محدودة مهما امتد اثرها لان فلسطين اوسع من ان تكون قضية وطنية او قومية او قضية مسلمين فهي عنوان تحدي الزيف والظلم الكوني.. فمن العسر ان توضع عنوانا لكفاح وطني او قومي او اتباع دين فحسب بل هي وفق معيارها الانساني وهو الادراك الارقى للاسلام ورسالته حيث التصدي للظلم والجور والضيق على مستوى البشر كافة.. وهذا ما نرى انعكاساته سريعا في كل الاحرار في العالم لاسيما ثوار امريكا اللاتينية وشرفاء واحرار العالم الذين يرون في فلسطين عنوانا لكل قضاياهم ضد الشر العالمي والهيمنة الامبريالية..
في مقابل الاسلام وفلسطين تقف الامبريالية الغربية الجشعة بادواتها العديدة الحقيقي منها والمؤقت وقد غرس الاستعمار وهو مشروع الامبريالية الخارجي الكيان الصهيوني في ارض فلسطين لانجاز وظائف عديدة استراتيجية وامنية في المنطقة والعالم على صعيد التخريب والتشويه والاختراق.. و تمثل هذه القاعدة فضلا على كل ما سبق من وظائف تتويجا للهيمنة الغربية والتسلط الاستعماري على امتنا في مجالات عديدة.
و كانت الامبريالية الغربية منذ البداية تعرف ان قدرتها على دحر رسالة الاسلام وتشويهها تحتاج الى امتلاك التفوق الصناعي والحربي والمالي فتحركت عجلة الغرب الرأسمالية الجبارة تضرب بجنون في كل اتجاه تستغل كل مصادر الطاقة من اجل مضاعفات الانتاج وتفتق العقل الغربي في ظل التشجيع والتحفيز على عبقريته المادية الكبيرة في شتى المجالات الانتاجية.. وعلى صعيد المجتمع قدمت الرأسمالية تنازلات عديدة لصالح قطاعات اجتماعية لاسيما العمال والفلاحين والطلبة في محاولة لامتصاص الاحتقانات الاجتماعية لكنها توغلت في استعباد الانسان وتحويله الى اداة استهلاك لمنتوجات مصانع يمتلكها الرأسماليون الكبار.. وهكذا نرى ان الامبريالية تخوض حربين في آن واحدة انها الحرب المنهجية ضد الاسلام الرسالة ومنظومة القيم والمفاهيم والامة التي يمكن ان تتحرك يوما ما به، وعلى الجبهة الاخرى ضد كرامة الانسان وحريته في الداخل بتقييده بنظام اجتماعي واقتصادي وثقافي واعلامي ينتهي به الى ان يصبح حالة استهلاكية واداة معبأة عنصريا ضد كل ما هو خارج اطار المنهج الامبريالي.
اننا ازاء صراع مفتوح ومعركة في جبهات عديدة وفي كل التفاصيل كما هو واضح من وقائع حركة التاريخ الطاحنة، وعبر قرون طويلة.. وكما هو واضح على الصعيد المعرفي والنظري حيث التناقض الجوهري بين رسالة الحضارة الاسلامية ورسالة الحضارة الغربية.. من هنا نلتقط بداية الطريق نحو مستقبل الاسلام وفلسطين انه طريق الصحو الحضاري والانتباه والوعي الانساني وفهم القيمة الروحية والاستراتيجية التي تتحلى بها فلسطين كنقطة ارتكاز كاشفة لنهضة الامة وتفوقها الانساني ومستقبل الاسلام منهجا انسانيا رحمة للعالمين المسلمين وغيرهم سواء.. تولانا الله برحمته