تاريخ النشر: 2021-02-20 | 20:09
تاريخ النشر: 2021-02-20 | 20:09
لم يتوقع أحدٌ أن يتم الاتفاق على إجراء الانتخابات قبل نجاح المصالحة الفلسطينية وتوحيد مؤسسات الدولة ، ولم يتخيل أحدٌ أن تكون الانتخابات مدخلا للوحدة بل تكون ثمار الوحدة ،لأن أي انتخابات تحتاج بالحد الأدنى لثلاثة أركان أساسية لإنجاحها ، الأول هو قضاء محايد ،و الثاني نيابة عامة موحدة، والثالث إشراف أمني مركزي و رسمي محايد، وهذا من الصعب توفيره في ظل انقسام دام أكثر من أربعة عشر عاما، و سوف نتحدث في هذا المقال عن الإشراف الأمني ونترك القضاء والنيابة للأخصائيين القانونيين.
لم يكن الانقسام الفلسطيني سببه الرئيسي هو الاختلاف السياسي ، لأن الاختلاف السياسي أمر صحي ومحمود لا تخلو دولة حضارية منه، لكن الخلاف كان على السلطة و الحكم ، و العمود الفقري لهذا الحكم هو السيطرة الأمنية، لذلك كان الملف الأمني و مازال هو السبب الرئيسي لهذا الانقسام، وتحدثنا باستفاضة في هذا الموضوع في مقال سابق بعنوان (الأمن طريق الوحدة).
لقد حددت المادة (88) من قانون الانتخابات أن "تقوم الشرطة الفلسطينية بالمحافظة على أمن العملية الانتخابية وأمن المواطنين، وذلك دون الإخلال بنزاهة الانتخابات أو الإخلال بأحكام القانون أو بحقوق الناخبين، و يحظر على أي شخص من غير أفراد الشرطة الذين يلبسون الزي الرسمي حمل أي سلاح ناري أو أي سلاح آخر، أو أداة يعاقب على حملها القانون داخل مراكز الاقتراع أو على مداخلها، و يعمل أفراد الشرطة المكلفون بتوفير أمن الانتخابات بتنسيق كامل ومباشر مع اللجنة ومكاتب المناطق الانتخابية وطواقم مراكز الاقتراع". ولا شك أن الهدف الاساسي للإشراف الأمني على الانتخابات هو توفير الأجواء المناسبة لتعزّيز ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية وتفسح المجال أمام مشاركتهم بشكل كامل سواء كناخبين أو مرشحين، أو حتى عاملين و مراقبين في مراكز الاقتراع ، لكن هذه الثقة مفقودة لأكثر من عقد و نصف ،لا سيما في قطاع غزة، لأن أغلبية المواطنين ترى أن قوى الأمن تعمل لمصلحة النظام الحاكم وليس لمصلحة المواطن. وهذا ما أكده تقرير قبل عدة سنوات لمقياس قطاع الامن وتوجهات المواطنين في فلسطين الصادر عن المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية حيث أشار التقرير ان أكثر من النصف (0,51) صنفوا الأوضاع الأمنية بالسلبية ولذلك لاعتقاد المواطن بوجود دور بالغ الأهمية للانتماءات السياسية في تحديد الموقف من قطاع الأمن.
لقد أدركنا ضمنيا أن الإشراف الأمني على الانتخابات قبل إتمام المصالحة و توحيد مؤسسات الدولة سيتم بناءً على المعطيات الواقعية، أي بقاء المسؤولية الأمنية على حالها، بحيث تشرف السلطة الوطنية على الانتخابات في الضفة و حركة حماس في قطاع غزة، لكن بعد اجتماع الفصائل الفلسطينية في القاهرة، و صدور البيان الختامي لهذه الاجتماع المتعلق بالعملية الانتخابية ، حدد البند الخامس من البيان أن "تتولى الشرطة الفلسطينية (دون غيرها) في الضفة الغربية وقطاع غزة، بزيها الرسمي تأمين مقار الانتخابات، ويكون تواجدها وفقا للقانون". هذا البند جعلنا نستبعد الفهم السابق ، لأن هذا البند غير قابل للتأويل ، لأن الشرطة الفلسطينية هي الشرطة التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية ، وأي تفسير آخر هو سابقة خطيرة وكارثية تعزز و ترسخ الانقسام الفلسطيني و الاستسلام الكامل له، فلا يجوز القبول أن يقوم أي فصيل فلسطيني بتأمين العملية الانتخابية ، لأن المؤسسة الأمنية الرسمية لا تقبل الحزبية و لا الفئوية ، والأكثر غرابة هو البند الثامن من البيان الذي تحدث عن "ضمان حيادية الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية وقطاع غزة وعدم تدخلها في الانتخابات أو الدعاية الانتخابية لأي طرف سياسي" ، فما المقصود بالأجهزة الأمنية و ما هي هذه الأجهزة، فلا يوجد في القانون الأساسي الفلسطيني او قانون الخدمة لقوى الأمن هذا المصطلح، حيث نص القانون الأساسي الفلسطيني في مادته ال84 "قوات الأمن والشرطة "ولم يذكر أجهزة أمنية وفي المادة الثالثة من قانون الخدمة لقوى الأمن حددت هذه القوى الثلاثة. وهنالك أذرع أمنية لفصائل فلسطينية في قطاع غزة تعتقل وتختطف و تحقق مع مواطنين، و يتم التعامل معهم كجهة أمنية رسمية.
خلاصة القول ، نريد للانتخابات التشريعية المرتقبة أن تكون مدخلا للوحدة الفلسطينية وليس لتعزيز الانقسام أو إدارته، و حتى نعطي أملا بأن تكون هذه الانتخابات بمثابة الخطوة الأولى لإنهاء الانقسام، يجب على الأركان الثلاثة المذكورة سالفا لا سيما الإشراف الأمني أثناء الانتخابات أن تكون ضمن سيطرة الدولة الفلسطينية صاحبة الولاية القانونية على الأراضي الفلسطينية، وأخيرا نكرر ما ذكرناه سابقا أن هناك فرق بين الشراكة السياسية التي يؤيدها الجميع ، و الشراكة الأمنية التي ستدخلنا في متاهات لا يحمد عقباها.