تفضح الأزمة المتصاعدة داخل مؤسسات الحكم حقيقةً حاول نظام الملالي طويلاً إخفاءها: السلطة التي تزعم مواجهة أخطار خارجية كبرى عاجزة عن إنتاج خطاب داخلي موحّد، بل إن مؤسساتها الإعلامية تحولت إلى أدوات في صراع الأجنحة، تُستخدم للحذف والتشويه وتصفية الحسابات السياسية.
الخلاف حول حذف أجزاء من تصريحات رئيس الجمهورية أو إعادة صياغة مواقف مسؤولي الحكومة ليس مسألة تحريرية عابرة. حين تُحذف الدعوات إلى التهدئة أو التفاوض أو تخفيف التوتر، بينما يُفتح المجال أمام الأصوات الداعية إلى استمرار الحرب، فإننا نكون أمام قرار سياسي تتخذه مراكز نفوذ تخشى أن يؤدي أي تراجع في التصعيد إلى تقليص دور الحرس والأجهزة الأمنية في إدارة الدولة.
المفارقة أن المؤسسة نفسها التي تدّعي تمثيل «الإعلام الوطني» أصبحت موضع اتهام من داخل النظام بالانحياز إلى جناح بعينه. وقد اضطرت إلى إصدار دفاع مطوّل عن أدائها، متذرعة بالاختصار الفني وضيق الوقت وتفاوت الصيغ الإخبارية. لكن القضية لا تتعلق بمدة النشرات، بل بالرسالة التي يجري حذفها بصورة متكررة وبالخطاب الذي يُمنح الأولوية. فالرقابة تصبح سياسية عندما تستهدف اتجاهاً محدداً وتمنح الاتجاه المقابل حضوراً واسعاً.
هذا الصراع يكشف أيضاً مأزقاً أعمق. فالجناح الحكومي، رغم مسؤوليته عن القمع والسياسات العامة، يدرك حجم الإنهاك الاقتصادي وتراجع القدرة على تحمّل حرب طويلة. أما التيار المرتبط بالمؤسسات العسكرية والأمنية، فيرى في استمرار المواجهة وسيلة للحفاظ على نفوذه ومنع انتقال مركز القرار إلى مؤسسات مدنية أكثر استعداداً للتفاوض. ولذلك أصبح النقاش حول الحرب والسلام جزءاً من معركة السلطة، لا مجرد خلاف حول السياسة الخارجية.
وفي هذه الأجواء، تُرفع شعارات «الوحدة» و«الانسجام» لإخفاء غياب أي اتفاق حقيقي داخل الحكم. فالوحدة التي تحتاج إلى حذف تصريحات الرئيس، وحرق صور مسؤولين سابقين، واتهام الخصوم بالخيانة، ليست وحدة سياسية، بل هدنة هشة بين أجنحة تخشى جميعها انفجار الشارع.
الأخطر أن هذه المعارك تأتي بالتزامن مع تصاعد الإعدامات ومحاولات إرهاب المجتمع. فالسلطة التي تعجز عن حل صراعاتها تلجأ إلى المشانق والرقابة، معتقدة أن إسكات الإعلام وسحق المعترضين يمكن أن يؤجلا المواجهة مع الشعب. لكن احتجاجات أصفهان بعد إعدام شابين من المنتفضين أثبتت أن الإعدام قد يشعل الغضب بدلاً من إخماده.
وهنا تبرز رؤية المقاومة الإيرانية التي تؤكد أن الصراع الحقيقي ليس بين جناح «معتدل» وآخر «متشدد»، بل بين الشعب بكل مطالبه في الحرية وبين نظام يقوم بأكمله على القمع والحرب. وقد شددت مريم رجوي مراراً على أن الحل لا يكمن في إعادة ترتيب موازين القوى داخل النظام، بل في إسقاطه وإقامة جمهورية ديمقراطية تقوم على فصل الدين عن الدولة، والمساواة، وسيادة الشعب.
إن تحول الإعلام الرسمي إلى ميدان حرب داخلية ليس دليلاً على حيوية سياسية، بل علامة على تآكل السلطة. وعندما تفقد الدولة قدرتها على توحيد خطابها، وتحتاج إلى الرقابة والإعدام لحماية بقائها، فإنها تكون أقرب إلى الانهيار مما تحاول إظهاره.