تاريخ النشر: 2026-03-21 | 13:52
تاريخ النشر: 2026-03-21 | 13:52
-تهدف حرية التعبير إلى حماية التعبير غير المرغوب فيه،أما التعبير المرغوب فيه فبحكم الاسم والتعريف لا يحتاج إلى حماية"
(نيل بورتز)
-إن الأمة التى تخاف أن تترك لشعبها الحكم على الحقيقة والباطل في السوق المفتوحة،هى أمة تخاف من شعبها.." (جون كيندى)
في ظل الثورة الرقمية المتسارعة،تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة هيكلة المشهد الإعلامي العربي وفق رؤية تستند إلى التعدّدية وحرية تدفق المعلومات،حيث لم تعد الوسائط التقليدية وحدها قادرة على تلبية تطلعات المتلقي الذي بات يتوق إلى محتوى متحرّر ومستنير.
تتيح التكنولوجيا الحديثة فرصة غير مسبوقة لتطوير وسائل الإعلام،وتنويع منصاتها،وتوسيع شبكات تواصلها،بما يرسّخ رسالتها التنويرية ويجعلها أكثر قدرة على التفاعل مع التحولات المجتمعية.غير أن هذه الإمكانات التقنية تظل محدودة الفعالية ما لم تواكبها سياسات إعلامية رسمية جريئة وطموحة،تتجاوز منطق التسيير إلى آليات التفعيل والمواكبة،لتواكب بذلك التحولات الكبرى التي يشهدها العصر،وتكون جزءا فاعلا في بناء مستقبل إعلامي عربي قادر على المنافسة والتأثير.
إن جوهر التحول المطلوب لا يقتصر على مواكبة التقنيات الحديثة،بل يتعداه إلى ضرورة إعادة الاعتبار للفلسفة التي تحكم العلاقة بين الإعلام والسلطة والمجتمع،فالإعلام العربي اليوم أمام اختبار حقيقي لاستعادة الثقة كأداة تنموية فاعلة، لا مجرد ناقل للأحداث أو أداة للتوجيه الأحادي. فالمرحلة المقبلة،التي يمكن وصفها بأنها تمهيد لـ"صحوة عربية" حقيقية،تحتاج إلى إعلام يتبنى قيم الشفافية والمساءلة،ويعكس تعدد الآراء والانشغالات الحقيقية للمواطن العربي،بعيدا عن المركزية والخطاب الأحادي.كما أن التنمية المنشودة،بكل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،لا يمكن أن تتحقق في ظل بيئة إعلامية مقيدة أو غير متكافئة،إذ إن حرية الوصول إلى المعلومة وتداولها هي أساس تمكين الفرد والمجتمع من المشاركة الفاعلة في صنع القرار وتحقيق النهضة المنشودة في هذا الوطن الفسيح.
وفي زمن تتصارع فيه الإرادات وتتشابك فيه مصائر الأمم،لم تعد المعركة محصورة في حدود الجغرافيا أو في معادلات القوة الصلبة،بل انتقلت بثقلها إلى فضاءات السيادة الناعمة،وفي مقدمتها الفضاء الإعلامي.
تمثل التكنولوجيا الحديثة اليوم فرصة استثنائية لإنشاء سياسة إعلامية عربية قادرة على ضمان التعددية الحقيقية، وليس التعددية الشكلية، وضمان حرية وصول المعلومة للمتلقي عبر وسائط متحررة من ربقة التبعية،ومستنيرة برسالتها القومية والإنسانية.هذه الوسائط،إذا ما أُحسن توظيفها،قادرة على عكس تطلعات الشعوب العربية نحو مستقبل أكثر عدلا، كما تستفيد من التطور التكنولوجي المتسارع لتنويع أدواتها،وتعميق رسالتها التحررية،وتوسيع شبكة تأثيرها إلى آفاق لم تكن في الحسبان.
لكن جوهر المعضلة لا يكمن في توفر التكنولوجيا، فالتطوّر الرقمي أصبح سلعة متاحة للجميع،بل يكمن في غياب الإرادة السياسية لتغيير السياسات الإعلامية العربية الرسمية التي لا تزال أسيرة ثنائية "الترهيب والترغيب".
إن أي نقلة نوعية في الخطاب الإعلامي تستوجب تفكيكًا جذريًا لبنية المؤسسات الإعلامية الرسمية التي تتعامل مع الجمهور باعتباره "متفرجًا" لا شريكًا. فبدون سياسات تتواءم بفعالية مع التغييرات الكبرى التي يشهدها العصر، وبدون تشريعات تحمي الصحفي وتحررّه من سلطة المركز،ستظل التكنولوجيا مجرد قشرة لامعة تخفي فراغا مؤسسيًا عميقا.وهذه المعركة ليست تقنية بقدر ما هي معركة وجود ووعي،تتوافق مع ما يعد به المستقبل من "صحوة عربية" حقيقية، ليست صحوة شعارات،بل صحوة تتبلور عبرها التنمية بكل أبعادها الإنسانية والثقافية والسياسية،في هذا الوطن الفسيح الذي يتوق إلى لحظة صفاء تعيد للكلمة قيمتها،وللقضية العربية وحدتها.
وفي خضم هذا التحول المصيري، تبرز القضية الفلسطينية كأبلغ اختبار لصدقية أي سياسة إعلامية عربية. فلا يمكن الحديث عن "حرية وصول المعلومة" أو "وسائط متحررة" في عالم يتعمد فيه الكيان الصهيوني، بدعم أمريكي مطلق، قتل الرواية الفلسطينية قبل قتل أصحابها. هنا، يصبح الإعلام العربي المتحرر ليس رفاهية، بل سلاح مقاومة من الدرجة الأولى. إن معركة فلسطين اليوم هي معركة سرديات قبل أن تكون معركة دبابات، ففي غزة والضفة الغربية، تُختبر قدرة الإعلام على كشف الحقائق وسط طوفان من الدعاية المضللة التي تمولها آلة الإعلام الغربية والصهيونية.
علاوة على ذلك، فإن انحياز الإعلام العربي إلى جانب الحق، لا ينبغي أن يتوقف عند حدود فلسطين، بل يمتد ليشمل رفض كل أشكال الهيمنة والعدوان في المنطقة. إن الحرب الظالمة التي تشنها أمريكا والكيان الإسرائيلي على إيران، ضمن صراع مكشوف الأهداف لفرض وصاية جديدة على مقدرات الأمة، تمثل أيضًا محطة فارقة. إن دور الإعلام العربي الراهن هو دور "الكاشف" قبل أن يكون "الموجه"، فمسؤوليته التاريخية تقتضي أن يفضح بأدواته الحديثة زيف الروايات الإمبريالية، وأن يرصد انتهاكات الاحتلال لحظة بلحظة، وأن يكسر احتكار المشهد من قبل آلة الإعلام الغربية التي تتعمد تزييف الوعي وتغليف العدوان بعباءة "حق تقرير المصير" أو "حق الدفاع عن النفس".
إن النهضة الإعلامية التي ننشدها لن تكتمل إلا حين يصبح المضمون متطابقًا مع الشكل؛ حين تكون التكنولوجيا المتطورة في خدمة قضايا عادلة، وحين تكون السياسات الرسمية مرآة صادقة لتطلعات الشعوب في الحرية والكرامة. عندها فقط،لن يكون الإعلام العربي مجرد ناقل للأحداث، بل صانعًا لها،ولن يكون المتلقي عابرًا في المشهد،بل شريكا في كتابة ملحمة التحرر الوطني والعربي.