سيسجل التاريخ الإعلامي المعاصر نقلة نوعية في الصحافة العربية صاغتها أيادٍ فلسطينية وثّقتها الحرب العدوانية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، تعتمد هذه النقلة بالأساس على عنصر المصداقية في نقل وتوثيق الحدث واعتماد الحقيقة وحدها كمادة يتم الاستناد إليها في مواجهة آلة الدعاية الإسرائيلية، وبالتالي غابت عن هذه الحرب مدرسة (أحمد سعيد) الذي كان يقتل ويبيد طائرات العدو ويلقي باليهود إلى البحر ويقدم وجبات لأسماك القرش وهو جالس وراء الميكروفون في إذاعة صوت العرب عام 1967، حيث برهن الإعلام الفلسطيني في حرب العام 2014 على أن الصدق وحده هو أقصر مسافة بين نقطة المرسل والمستقبل في لغة الاتصال الحديثة.
عندما تسمع عضو في الكابينيت الإسرائيلي يؤكد أنه عندما يُخفي نتنياهو شيئاً عن التطورات الميدانية أو الحراك السياسي والدبلوماسي الموازي، فإنه يلجأ إلى الإعلام الفلسطيني ليعرف ما الذي يجري بالضبط، ثم يردد أكثر من وزير إسرائيلي بلغة تملؤها الشكوى والتذمر بأن مصدر معلوماته عن مواعيد التهدئات والهدن الإنسانية ولقاء المفاوضين هو الإعلام الفلسطيني وحده، وهي سابقة جديدة لم تكن معروفة من قبل في الصراعات العنيفة التي خاضتها إسرائيل ضد العرب في الخمسين عاماً الماضية.
شاهدنا جميعاً إيهود يعاري (كبير محللين في القنوات الإسرائيلية) يدلي بشهادته عن قوة الإعلام الفلسطيني في هذه المواجهة، ويقول أنه أبلى بلاءً حسناً، ويحاول أن يدخل في نقاش على الهواء مباشرة مع مذيع قناة الأقصى، ثم يرد عليه المذيع الفلسطيني بأنه لن ينال شرف الحديث عبر فضائية فلسطينية، وهو أمر يؤكد أنهم كانوا يتابعون كل حركة أو كلمة أو حديث عبر وسائل إعلامنا الفلسطينية، ورأيناهم يتابعون الطريقة الرائعة التي يصور فيها الصحفي الفلسطيني ناصر اللحام المشهد في إسرائيل وتوقعاته بشأن قدرتهم على الصمود في هذه المواجهة، وتخرج كارميلا منشيه المراسلة العسكرية لإذاعة الإسرائيلي لتدحض الرواية الرسمية الإسرائيلية عمن خرق الهدنة في يوم الجمعة السوداء في رفح، عندما أكدت أن الرواية الصادقة هي رواية المقاومة الفلسطيني التي تحدثت عن أن الاشتباك وقع مع القوة الراجلة الإسرائيلية كان في ساعات الصباح الأولى بعد طلوع الفجر وقبل بدء سريان التهدئة، وهو أمر نادر أن يتطابق فيه النص الفلسطيني مع النص الذي تدلي به مراسلة عسكرية في إذاعة يقف على رأسها الرقيب العسكري الذي وقعت عليه مسؤولية تفوق مسؤولية الجنود في الميدان.
تعرض الإعلام الفلسطيني لضربات شديدة خلال العدوان على غزة، حيث قصفت الطائرات الإسرائيلية عشرات المكاتب الصحفية واستهدفت عشرات المؤسسات الإعلامية الفلسطينية، واستشهد أكثر من ثمانية عشر صحفياً فلسطينياً، وأصيب العشرات بجراح متفاوتة الخطورة، ومع ذلك واصل هذا الإعلام مهمته باقتدار طيلة أيام الحرب، واستطاع أن يوصل الحقيقة للناس من خلال شبكة المراسلين الذين غطوا تداعيات العدوان من أمام أبواب المستشفيات الكبرى في قطاع غزة، ونقلوا للعالم أجمع صور الأطفال الذين استهدفتهم الصواريخ الإسرائيلية، بشكل دحض كل أنواع التبرير الإسرائيلي وكل محاولات إسرائيل لتغيير الصورة على الأرض، وبرهن على طبيعة العدوان، في مشهد وحدوي فلسطيني لا نراه في عالم السياسة ولا نراه في عالم الأيديولوجيات، وفي الوقت الذي تفرقت فيه السلطات الثلاث في وطننا وجدنا السلطة الرابعة واحدة موحدة في مواجهة العدوان وتحمل رسالة واحدة وهي الانتصار لفلسطين.
/إعلامي وباحث في الشؤون السياسية