لم تعد الصحف الإيرانية الرسمية تتحدث عن الأزمات الاقتصادية بوصفها مشكلات ظرفية يمكن تجاوزها بإجراءات مالية أو قرارات حكومية مؤقتة، بل باتت تعكس صورة اقتصاد يعاني اختلالات بنيوية عميقة تراكمت على مدى سنوات، ثم تفاقمت بعد الحرب الأخيرة. وبين الحديث عن تراجع الاستثمار، وانخفاض الإنتاج، واستمرار التضخم، واتساع العجز المالي، يبدو أن الأزمة تجاوزت مرحلة المعالجة التقليدية، لتصبح تحدياً وجودياً يواجه الدولة نفسها.
لقد كشفت التطورات الأخيرة هشاشة البنية الاقتصادية للنظام. فالحرب لم تُنشئ الأزمة، وإنما سرعت انهيار مؤشرات كانت تتراجع منذ سنوات. واليوم تواجه الحكومة معادلة شديدة التعقيد: موارد مالية محدودة، ونفقات متزايدة، وعقوبات مستمرة، واستثمارات تتراجع، فيما تتزايد المطالب الاجتماعية بصورة غير مسبوقة. ولذلك لم يعد السؤال يتعلق بكيفية تحقيق النمو، بل بكيفية منع مزيد من التدهور.
وتشير التقارير الاقتصادية المنشورة في الصحف الحكومية إلى أن القطاعات الإنتاجية تعاني من ضعف التمويل، وارتفاع تكاليف التشغيل، وتراجع القدرة التنافسية، في وقت يواصل فيه التضخم التهام الدخول الحقيقية للمواطنين. كما أن استمرار تقلبات سعر العملة الوطنية أدى إلى زيادة حالة عدم اليقين، ما دفع كثيراً من المستثمرين إلى تجميد مشاريعهم أو نقل رؤوس أموالهم إلى الخارج.
وتبرز أزمة الاستثمار بوصفها واحدة من أخطر المؤشرات. فالاقتصاد لا يستطيع استعادة حيويته في ظل غياب بيئة مستقرة تشجع القطاع الخاص على التوسع والإنتاج. غير أن هيمنة المؤسسات التابعة للحرس والأجهزة المرتبطة بالسلطة على قطاعات واسعة من الاقتصاد، إلى جانب غياب الشفافية وتعدد مراكز القرار، جعلت مناخ الأعمال أكثر تعقيداً، وأضعفت ثقة المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء.
وفي الوقت نفسه، تتزايد الضغوط على الموازنة العامة مع ارتفاع تكاليف الدعم والخدمات الأساسية، بينما تتراجع الإيرادات الحقيقية للدولة. وهذا الواقع يحد من قدرة الحكومة على تحسين الأوضاع المعيشية أو تنفيذ مشاريع تنموية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على حياة المواطنين، من خلال ارتفاع الأسعار، وتراجع فرص العمل، واتساع رقعة الفقر.
ولا تبدو الأزمة الاقتصادية منفصلة عن الأزمة السياسية. فالصراع بين أجنحة النظام حول أولويات الإنفاق، والسياسات الخارجية، ومستقبل المفاوضات، يزيد من حالة الارتباك في إدارة الاقتصاد. كما أن غياب رؤية موحدة للإصلاح يجعل القرارات الحكومية متناقضة ومترددة، وهو ما يفاقم فقدان الثقة في الأسواق ويؤخر أي تعافٍ محتمل.
وفي المقابل، يتزايد شعور الإيرانيين بأن الأزمة ليست نتيجة العقوبات وحدها، بل ثمرة عقود من سوء الإدارة والفساد وتوجيه الموارد نحو المشاريع العسكرية والتدخلات الخارجية، على حساب التنمية والإنتاج والخدمات العامة. ولهذا تتسع الهوة بين المجتمع والسلطة، ويتحول التدهور الاقتصادي إلى عامل رئيسي في تصاعد الاحتجاجات والرفض الشعبي.
وخلال زيارتها الأخيرة إلى إيطاليا، شددت السيدة مريم رجوي في لقاءاتها مع مسؤولين وبرلمانيين وشخصيات سياسية على أن مستقبل الاقتصاد الإيراني يرتبط أولاً بإقامة نظام ديمقراطي يقوم على سيادة القانون، وحرية الاستثمار، وفصل الدين عن الدولة، وإنهاء هيمنة المؤسسات العسكرية على الاقتصاد، بما يتيح توجيه ثروات البلاد لخدمة الشعب بدلاً من تمويل القمع والتوسع الخارجي.
إن المؤشرات الاقتصادية الحالية تؤكد أن إيران لا تواجه أزمة مالية عابرة، بل أزمة بنيوية تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والإدارة. ولذلك، فإن أي تحسن مؤقت قد تحققه المفاوضات أو تخفيف بعض العقوبات لن يكون كافياً ما لم تُعالج جذور الأزمة. فالمشكلة لم تعد في نقص الموارد فقط، بل في طبيعة النظام الذي يدير هذه الموارد، وهو ما يجعل الإصلاح الحقيقي مرتبطاً بتغيير سياسي يفتح الطريق أمام اقتصاد حر ودولة تخدم مواطنيها.