تاريخ النشر: 2017-10-06 | 10:22
تاريخ النشر: 2017-10-06 | 10:22
لماذا فقط ممنوع على الأكراد إقامة دولة قومية لهم فيما سمح للأتراك بإقامة دولة وسمح للفرس بإقامة دولة والأفغان دولة والباكستان دولة كما أفشل تحرك القوميين العرب لإقامة الدولة العربية انطلاقا من سورية و العراق عن طريق حزب البعث او في مصر خلال مشروع عبدالناصر.. فلماذا فقط يمنع على الأكراد والعرب إقامة دولة قومية في مرحلة الدول القومية حسب المصطلح الفرنسي "امة".
والإجابة الغريبة أنهم استخدموا منصالحهجين مختلفين لمعالجة المسالة العربية والمسالة الكردية لقد وزعوا العرب على عشرين دولة لا حواجز طبيعية بينها أما الكرد فلقد وزعوهم تحت هيمنة قوميات محلية أربعة في المنطقة..
لن نناقش هنا أسباب ووقائع فشل المحاولة لإقامة دولة القومية العربية فلهذا مجال آخر والمستعجل الان مناقشة أسباب ووقائع التحديات أمام الدولة الكردية القومية رغم أن ارتباط الأسباب في الأولى بالأسباب في الثانية متزامن وكل منهما امتحان للأخر.
هنا تتولد الأسئلة من أكثر من جهة وبتوترات متنوعة حسب كل إيديولوجية وقومية وجغرافيا ومصالح إقليمية ودولية ولنذهب الى لا سؤال المباشر لماذا كل هذا التصدي العنيف من الإقليم " إيران وتركيا والعراق"تجاه محاولة الأكراد الإعلان عن دولة لهم يزيد عددهم فيها عن 40 مليون نسمة في منطقة الأكراد العراقيين والإيرانيين والأتراك.. الى درجة ان دول الاقليم تناست مشاكلها العميقة والاستراتيجية وهرولت نحو بعضها لإقامة أحلاف في جو احتفالي كبير للتصدي لمشروع اقامة الدولة الكردية.
كان تقسيم المنطقة حسب مشروع سايكس بيكو يقضي بان يتم تفسيخ ارض الرجل المريض الى قوميات تتشكل منها الامة الاسلامية الواحدة.. وبعد سنوات قليلة تم تكريس التجزئة الاقليمية داخل الوطن العربي واصبحت الثقافة والجيوش تكرس حالة التجزئة داخل العرب الذين حاولوا مرات عدة تشكيل دولة عربية الا انهم لم يكن مسموحا ان يستعيد العرب مشروع النهضة.. وسجل مشروع الثورة العربية الكرى فشلا ذريعا باعتماده على الانجليز في تحقيق هدفه اقامة دولة عربية بل ان هناك دولا قد استحدثت كالأردن ولبنان لتحقيق أغراض استراتيجية في تكريس التجزئة.. وفي حين عالج القوميون العرب مشكلتهم بارتباك فظيع ومشين وتتشتتوا على اكثر من عشرين دولة صنعت لهم بريطانيا جامعة لم يتمكن المشروع القومي العربي تجاوز ازماته العميقة التي ولدت معه منذ البداية وهنا لا يجوز بحال من الأحوال اغفال الدور الاستعماري في اجهاض محالات الوحدة بين الاقطار العربية وبرغم ان غرس الكيان الصهيوني في القلب من المشرق العربي كان من المفترض ان يمثل استفزازا لتجميع الطاقات والانتباه الى اطراف الهجمة الاستعمارية الا ان وجود الكيان الصهيوني عمق الانشقاق في الصف العربي حيث لم تتوحد الرؤية والمشروع العربي للتصدي للقضية الفلسطينية.. وبروح نزقة تقدم العسكر في اكثر من بلد عربي ليفرضوا سياسات لا مستند اجتماعي لها ولا نضج على مستوى الهوية الحضارية فلم يكن في ظلها الا ترسيم التجزئة بالحديد والنار.. فتعاونت الشروط الذاتية مع الموضوعية في تابيد التجزئة بين البلدان العربية وبذلك فقدت الامة الاسلامية جوهرها المغناطيسي الذي يمثله الان اكثر من 350 مليون عربي يشعرون تلقائيا بانهم سدنة الاسلام ولاينفصلون عن انتمائهم الذي اصبح لعوامل عديدة اعمق مكوناتهم النفسية..
وفي حين تفتت العرب سياسيا واداريا في دول عديدة تفتت الكرد على دول اقليمية ذات حكم قومي مختلف وانتهى الامر اليوم بتوزع اكثر من 40 مليون كردي على اربع دول ايران 12 مليون تقريبا وتركيا 20 مليون تقريبا والعراق5 مليون تقريبا وسورية 3 مليون.. وفي واقع الحال تشكل الكتلة الكردية وزنا ديمغرافيا وازنا في الاقليم فهم اكثر القوميات حضورا وحجما بعد العرب في المنطقة هم اكثر من الفرس واكثر من الترك وفي ارضهم ثروة طبيعية ممثلة بالبترول والغاز في منطقتهم بالعراق 40 بالمئة من الطاقة كذلك في سورية لديهم 40 من احتياط الغاز والبترول السوري ومن هنا كبر السؤال لديهم ولم لا نقيم دولتنا على ارض كردستان الممتدة من ايران الى العراق الى تركيا.. وهكذا يظهر للكرد انهم قوة اقليمية اساسية بل لعلهم الاكثر سكانا والاوفر امكانيات.
الا ان تحالفات الاقليم مع الامريكان والغربيين أخر معالجة ملف الاكراد معالجة موضوعية منطقية وكان الاكراد ضحية ممارسة نظام الشاه العنصري ونظام العسكر التركي ووجد النظام الإيراني العميل لأمريكا والنظام التركي عضو الحلف الأطلسي العون والإسناد والتغطية السياسية والإعلامية بل واللوجستية على جرائمهما ضد الأكراد في محاولات عنصرية..وقد يكون صوت الأكراد الأتراك نال بعض الاهتمام الإعلامي عبر العقود الفائتة الا أنهم في إيران الشاه نالوا من القمع والتكميم والاضطهاد ما حرمهم من تعاطف أنساني معهم رغم ان الشاه تحالف مع إسرائيل في تكوين قوى انفصالية كردية في العراق بقيادة مصطفى البرزاني.. اما الأكراد العراقيون فلقد نالوا نصيبا كبيرا من حقوقهم الانسانية بما يقترب من الاستقلال الذاتي وفي سورية منحتهم الدولة السورية الجنسية رغم ان غالبيتهم نزحوا في فترات قريبة الى سورية من تركيا..
تفجرت مشكلة الأكراد في إيران في إيران وشهدت المناطق الكردية احتجاجات شديدة تصدى لها النظام الجديد الذي قدم مقاربة لحل المشكلة الكردية في إطار المجتمع الإسلامي الذي يرفض التوزع على أسس قومية ولاقى هذا الطرح استجابات كثيرة على رأسها موقف السيد ابوالاعلى المودودي الزعيم الإسلامي الباكستاني الذي وجه رسالة إلى أكراد إيران بضرورة تفويت الفرصة على العدو المتربص بالجميع.. واختلط الأمر في إيران بخصوص الأكراد حيث تتجمع فيهم معضلات ثلاث: الأولى تنامي التيارات اليسارية العنفية داخلهم ثم النزعة الطائفية المشحونة بينهم والشيعة ثالثا حقوق الناس الطبيعيين السياسية والاجتماعية.. وظل هذا الاشتباك بين العناصر الثلاثة يزرع حالة التوجس والقلق بين الدولة الإيرانية والأكراد الذين يشكلون نسبة 15 بالمائة او أكثر من مجمل السكان الإيرانيين.
في تركيا رغم انهيار السلطنة العثمانية إلا أن الحكم التركي ظل مسكونا بقوة المركز وسلطة العسكر وقمع المخالفين للسلطان في هذه الحال شهدت الحالة الكردية تناميا مضطردا للرفض والاحتجاج والمطالبات المستمرة بالانفصال او أية صيغة تمكنهم من حقوقهم المدنية والسياسية.. وتلونت اتجاهات القوى الكردية التركية حيث كان للمد اليساري مداه فيهم الأمر الذي يفسر تراجع احتجاجاتهم مع أفول نجم معسكر الاشتراكية.. وظلت المعالجات الأمنية سيدة الموقف ولم تستطع حكومة اردوغان ذات المرجعية الإسلامية أن تضع تصورا عمليا للخروج من الأزمة بل ذهب الأمر الى أكثر تعقيد وتشهد المناطق العديدة في تركيا أعمالا عسكرية وعنفية من حين الى اخر ينفذها أكراد للتنبيه نحو قضيتهم.
من هنا أصبح قيام دولة كردية في العراق نقطة التقاء عاطفي كبيرة لدى أكراد المنطقة فلقد نقلت الأخبار انه قد جرت احتفالات ليلية لعدة أيام في مناطق الكرد الإيرانيين بمناسبة الاستفتاء الكردي في كردستان ولقد شوهدت مجموعات مسلحة كردية إيرانية في اربيل يوم الاستفتاء والأمر نفسه يمكن مشاهدته في مناطق الكرد التركية.
قيام دولة كردية في شمال العراق يضرب بشكل مباشر وعنيف الاستقرار الاجتماعي في إيران وتركيا حيث سيفتح الباب لانشقاقات مجتمعية عديدة حيث تركيا وإيران تحتوي على إثنيات مفجرة ففي إيران هناك مجموعات قومية وطائفية مختلفة اذ يقدر نسبة أهل السنة بثلث السكان كما ان العرب في إقليم خوزستان"عربستان سابقا" يزيد عددهم عن 10 مليون نسمة تتنامى فيهم قوى احتجاجية ومعارضات تطالب بحقوق قومية لا يتهاون النظام في قمعها..كما ان البلوش ونسبتهم المرتفعة يمثلون تهديدا قويا للاستقرار في إيران وتشهد مناطق عدة أعمال عنف من حين إلى آخر..
كما انه خطر حقيقي على تركيا التي تتهددها قنابل موقوتة عديدة فليس الكرد وحدهم إنما هناك لواء الإسكندرونة العربي الذي تضع الدولة التركية اليد عليه و يقطنه ملايين العرب الذين لهم الولاء للدولة السورية ومن المحتمل في ظل تصدعات تركية داخلية يتحركون لفرض وقائع جديدة من التمزيق.
ان غياب مشروع يراعي كل مكونات الأمة تنفيذا لأمر الله سبحانه "لتعارفوا" ستتواصل عمليات التشظي ولن ينفع القمع والعنف الذي يحمل أحيانا ظلم عرقي من فئة على أخرى بل سيؤجج النار تحت الرماد وسيكون هو المدخل الطبيعي للقوى الاستعمارية في بلداننا.
صحيح ان كثير من الدول العربية تسارع في تحالفات وعلاقات مع إسرائيل لكن هذا ليس مبررا للأكراد العراقيين فهو كفيل بمحاصرتهم وإفقادهم وهج مظلوميتهم ويشكك في حقيقة مشروعهم بانه انفصالي عدواني.. تولانا الله برحمته