لا شك أن ممارسة الإنسان لحقه في انتخاب ممثليه تُعد حقاً أصيلاً كفلته مختلف المواثيق والاتفاقيات الدولية، ونصّت عليه معظم دساتير الدنيا. ويُصنَّف هذا الحق ضمن أرقى مظاهر الممارسة الديمقراطية، لما له من دور في تكريس دولة الحق والقانون، كما يندرج ضمن عائلة الحقوق السياسية التي تشكل إحدى الركائز الأساسية للمشاركة السياسية للمواطنين.
وفي الأنظمة الديمقراطية، تحظى القوانين المنظمة للممارسة الانتخابية بنقاش عميق بين مختلف مكونات المجتمع وفئاته، بالنظر إلى حساسيتها وتأثيرها المباشر في الأوضاع السياسية والمجتمعية، ولارتباطها بحق أصيل من الحقوق السياسية للمواطنين.
وفي الحالة الفلسطينية، أثير ولا يزال يثار جدل واسع حول الانتخابات من زوايا متعددة، سنحاول في هذا المقال رصد أبرزها من وجهة نظرنا، كما سنسجل بعض الملاحظات.
تتعلق الزاوية الأولى بأهمية الانتخابات وضرورتها، خصوصاً من ناحية إزالة آثار مصيبة الانقسام بين شطري الوطن، ومن ناحية أخرى تجديد الشرعيات، سواء على المستوى الرئاسي أو التشريعي، ولا سيما أن آخر انتخابات رئاسية جرت سنة 2005، فيما أجريت آخر انتخابات للمجلس التشريعي سنة 2006.
ومن ثم، فإن إجراء انتخابات ديمقراطية نزيهة وشاملة يمكن أن يشكل مدخلاً لإعادة بناء المؤسسات السياسية الفلسطينية وتجديد شرعياتها، واستعادة ثقة المواطن بمؤسساته الوطنية، وفتح صفحة جديدة في الحياة السياسية الفلسطينية.
أما الزاوية الثانية، فتتعلق بجدوى إجراء هذه العملية الانتخابية في ظل حالة الانقسام المعيب، وفي ظل الحصار المطبق، وعزل الاحتلال الإسرائيلي للقدس، العاصمة الفلسطينية، عن باقي الوطن، وما يفرضه الاحتلال من قيود على حركة الفلسطينيين، فضلاً عن الأوضاع الكارثية التي يعيشها قطاع غزة، وما تواجهه الضفة الغربية من اعتداءات وانتهاكات وعمليات تهجير واستيطان، إلى جانب ما يشهده شطرا الوطن من ظروف استثنائية بالغة التعقيد.
ومع ذلك، ورغم كل هذه التعقيدات، فإن قناعتنا بضرورة إجراء الانتخابات، سواء الرئاسية أو التشريعية، بل وحتى انتخابات المجلس الوطني، تظل راسخة، باعتبارها حقاً أصيلاً للشعب الفلسطيني، ووسيلة أساسية لإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية وتشاركية.
غير أن هذه القناعة لا تمنعنا من تسجيل مجموعة من الملاحظات الضرورية التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار قبل الإقدام على هذا الاستحقاق الأصيل.
تتمثل الملاحظة الأولى في ضرورة تهيئة الظروف المجتمعية والسياسية الملائمة لإجراء هذا الاستحقاق الأصيل، بما يضمن أن تكون الانتخابات تعبيراً حقيقياً عن الإرادة الحرة للناخب الفلسطيني، بعيداً عن الإكراهات والضغوط التي يمكن أن تؤثر في خياراته أو تحد من قدرته على ممارسة حقه الديمقراطي.
أما الملاحظة الثانية، فتتعلق بضرورة تحقيق توافق وطني حقيقي بين مختلف شرائح ومكونات المجتمع الفلسطيني حول هذا الاستحقاق، وليس توافقاً فصائلياً ضيقاً؛ ذلك أن التجربة الفلسطينية أثبتت أن اختزال الحياة السياسية في التوافقات الفصائلية كان من العوامل التي أضرت بالنسيج المجتمعي الفلسطيني، وأسهمت في تعميق الانقسام السياسي المعيب الذي شهدته الساحة الفلسطينية لأكثر من عقدين.
إن المطلوب اليوم هو توافق وطني أوسع من الفصائل والتنظيمات، توافق يضع المصلحة الوطنية الفلسطينية فوق كل اعتبار، ويعيد الاعتبار للمواطن باعتباره صاحب الحق الأصيل في اختيار ممثليه وتحديد مستقبل مؤسساته الوطنية.
وتتمثل الملاحظة الثالثة في ضرورة إبعاد المتنفذين، من مختلف الشرائح والمكونات المجتمعية والسياسية، ممن استفادوا من منظومات الفساد والنفوذ التي أرهقتنا وأزكمت أنوفنا وأنوف الأحرار في مختلف أنحاء العالم.
فالانتخابات الفلسطينية المقبلة، إذا ما أجريت لا ينبغي أن تكون وسيلة لإعادة إنتاج ذات الوجوه والممارسات المشينة، وإنما يجب أن تكون فرصة حقيقية للتغيير، وتجديد النخب، وإعادة الاعتبار للكفاءة والنزاهة والمسؤولية الوطنية، بما يقطع الطريق أمام الفساد والمحسوبية واستغلال النفوذ.
أما الملاحظة الرابعة، والأكثر أهمية في تقديرنا، فتتمثل في ضرورة رص الصفوف ونشر ثقافة الوحدة الوطنية وتعزيز المناعة الوطنية للمواطن الفلسطيني، صاحب الإرث الحضاري العريق والتاريخ الممتد في وطنه وأرضه المباركة، لا سيما بعد النكبات المتتالية التي حلت بالشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، وما خلفته من تحديات جسيمة طالت مختلف مناحي حياته.
ففي ظل ما يتعرض له الفلسطينيون من محاولات مستمرة منذ أكثر من قرن لاغتيال هويتهم الوطنية معنوياً، وشطب تاريخهم العريق، والنيل من انتمائهم المتجذر إلى أرضهم ووطنه وأرض أجدادهم، تصبح الوحدة الوطنية ضرورة وجودية وحاجة وطنية ملحة لا تخضع إلى المساومة أو المراوغة، فهي صمام الأمام الذي يحمي النسيج المجتمعي ويصون الهوية الوطنية، وكل من يستعملها كشعار للاستهلاك السياسي، أو يوظفها لخدمة مشاريعه وأجنداته الشخصية فهو يقترف جريمة عظمى في حق الوطن ومقدراته.
إن الشعب الفلسطيني اليوم بحاجة إلى استعادة ثقته بذاته وبقضيته وبمؤسساته، وإلى بناء حالة وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات والخلافات الفصائلية، وتعيد ترتيب الأولويات على أساس أن القضية الفلسطينية أكبر من الجميع، وأن الوطن لا يمكن أن يكون رهينة للخلافات السياسية أو الحسابات الفصائلية والفئوية والمناطقية والقبلية الضيقة والغير مبررة.
ختاماً، نؤكد مجدداً ضرورة إجراء الانتخابات الفلسطينية، الرئاسية والتشريعية والوطنية، باعتبارها حقاً أصيلاً للشعب الفلسطيني، وأحد المداخل الأساسية لإعادة بناء الشرعية وتجديد المؤسسات وترميم الحياة السياسية الفلسطينية.
لكن إجراء الانتخابات، في حد ذاته، ليس هو الغاية؛ وإنما الغاية أن تكون هذه الانتخابات مدخلاً حقيقياً للخروج من حالة الانقسام، وتجديد الحياة السياسية، واستعادة ثقة المواطن، وترسيخ دولة المؤسسات والقانون.
ولذلك، فإن الأولوية تظل في خلق الظروف السياسية والمجتمعية والوطنية المناسبة لإجراء هذا الاستحقاق، بعيداً عن الملوثات والمؤثرات الداخلية والخارجية، وبعيداً عن محاولات التأثير في الإرادة الحرة للناخبين.
فالانتخابات التي ينشدها الفلسطينيون وترتقي لمستوى تطلعاتهم وتجسد طموحهم في الحرية والاستقلال، ينبغي أن تؤسس لمرحلة جديدة في الحياة السياسية الفلسطينية؛ وأن تشكل محطة وطنية مفصلية عنوانها الوحيد إعادة بناء البيت الفلسطيني الجامع على قاعدة الشراكة والوحدة الوطنية، وتجديد الشرعيات، وإعادة الاعتبار للقرار الوطني المستقل، بما يسهم في تعزيز المناعة الوطنية والجماعية، ويعيد بناء ثقة المواطن بمؤسساته الوطنية التي ضحى الشعب الفلسطيني بالغالي والنفيس من أجل وجودها، وإعادة الاعتبار لإرادة المواطن باعتباره مصدر الشرعية وصاحب الحق الأصيل في اختيار من يمثله.
نريد أن نمارس هذا الحق الأصيل، أسوة بشعوب العالم، من خلال انتخابات حرة ونزيهة ترتقي إلى مستوى تطلعاتنا الوطنية، وتصون حقنا في اختيار من يمثلنا بحرية وشفافية، وتمنحنا فرصة حقيقية للمشاركة في صياغة مستقبلنا ومستقبل مؤسساتنا الوطنية.
فالشعب الفلسطيني، رغم ما تعرّض له ولا يزال يواجهه من تحديات جسام ونكبات متعاقبة، يقدم نموذج فريد في النضال من أجل انتزاع حقه في الحرية والكرامة والاستقلال، والتمسك بأرضه وتاريخه وهويته الوطنية، بما يجعل من صون إرادته الوطنية وتجسيد حقه في اختيار ممثليه جزءاً أصيلاً من معركته المستمرة نحو الحرية والاستقلال وإقامة دولته الوطنية.