تاريخ النشر: 2026-08-31 | 12:01
تاريخ النشر: 2026-08-31 | 12:01
الازمة التي تعاني منها القضية الفلسطينية منذ سقطت فرضية أوسلو، هو النظام السياسي الفلسطيني، المستمر منذ عشرين سنة، فقد خلالها شرعيته الشعبية، وأصبح طرفا في انقسام جغرافي وديموغرافي وسياسي طال امده، واختصر منظمة التحرير، وحركة فتح بسلطة تحكم جزء من الوطن، وحول نفسه من حامل للمشروع الوطني الى مقاول لإدارة الواقع، فحد كثيرا من مساحة الرأي الاخر، مما خلق ازمة اقتصادية، في ظل احتلال يواصل فرض وقائعه على الأرض التي أغلقت كل المنافذ الى لتحقيق المشروع الوطني وإقامة الدولة.
من المتعارف عليه، فان الانتخابات وسيلة لإنتاج شرعية جديدة، لكنها لا تصبح حلاً لمجرد إجرائها، ولا تنتج بالضرورة شرعية جديدة، إذا قامت فقط بتجديد شرعيتها، من خلال تحكم النظام السياسي نفسه، وبالأدوات نفسها، وتحت الشروط نفسها التي أنتجت الأزمة القائمة. والأخطر، إذا كان الهدف هو تجديد شرعيتها، لا تستطيع إنتاج نظام سياسي قادر على إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة.
لذلك، هل نبدأ بإجراء الانتخابات، أم بإعادة بناء النظام السياسي الذي ستجري الانتخابات في إطاره؟ وأيّهما أولى وطنيا: الانتخابات أم إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني؟
في اللحظة التي يمر بها الشعب الفلسطيني اليوم بمجموع هذه الازمات، يبدو الحديث عن الانتخابات وكأنه يقدم الإجابة عن السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف نعيد الشرعية إلى النظام السياسي الفلسطيني؟
لكن السؤال الحقيقي الذي يجب ان يطرح هو: هل تكمن أزمة الفلسطينيين اليوم في غياب الانتخابات، أم أن غياب الانتخابات هو أحد مظاهر أزمة أعمق أصابت النظام السياسي والمشروع الوطني بأكمله؟
فالانتخابات مهمة، بل لا يمكن بناء نظام سياسي سليم من دونها. لكن قرار اجرائها جاء تلبية لشرطين، أولها تجديد شرعية نظام امتنع عن اجراء انتخابات لأكثر من عشرين سنة، وثانيها استجابة لطلب المانحين الذين ربطوا تقديم الدعم بإجراء إصلاحات في السلطة. ولا أحد يستطيع الاعتراض على هذه المطالب من حيث المبدأ. لكن الإصلاح لا ينبغي أن يكون استجابة لشروط المانحين فقط. لان الإصلاح الفلسطيني يجب أن يكون أولاً استجابة لحاجة الشعب الفلسطيني، وليس شرطاً للحصول على المساعدات.
لذلك، فان الانتخابات لن تنتج بالضرورة شرعية جديدة إذا جرت داخل النظام السياسي نفسه، وبالأدوات نفسها، وتحت الشروط نفسها التي أنتجت الأزمة القائمة. وهنا تكمن المشكلة.
فلسطين اليوم ليست أمام أزمة انتخابية، وإنما أمام أزمة نظام سياسي، وأزمة مشروع وطني، وأزمة شرعية، وأزمة اقتصادية، وانقسام جغرافي وسياسي، واحتلال يواصل فرض وقائعه على الأرض. لكن، ومع ذلك، فان النظام السياسي (السلطة)، ما زال مستمرا ويدفع رواتب جزئية ويدير الأجهزة المدنية والأمنية، الأمر الذي يجعل استمراره مرتبطاً أيضاً باعتبارات إقليمية ودولية.
غزة خارج النظام، والضفة تحت الاستيطان
قطاع غزة انفصل منذ سنوات عن النظام السياسي الفلسطيني، وأصبح له نظام حكم وأجهزة ومؤسسات وقوة عسكرية خاصة به، حتى انتهاء الحرب التي شنتها إسرائيل بعد السابع من أكتوبر، ومع ذلك، فإن معظم النقاشات حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني تجري وكأن غزة يمكن أن تعود ببساطة إلى النظام السياسي بمجرد الاتفاق. لكن الواقع أكثر تعقيداً.
فالنظام السياسي ابعد نفسه عن المفاوضات الإقليمية والدولية التي بحثت ملف غزة، إضافة الى عدم وجود اجماع إقليمي ودولي على إعادة غزة الى النظام السياسي الفلسطيني.
أما الضفة الغربية، فقد تحولت بفعل الاستيطان ومصادرة الأراضي والاعتداءات المتواصلة إلى مساحة فلسطينية مجزأة، فيما تتواصل الإجراءات التي تهدد بتحويل التجزئة الجغرافية إلى واقع دائم. ويترافق مع ذلك أزمة عميقة، نتيجة القيود الإسرائيلية على أموال المقاصة وتراجع المساعدات العربية والدولية، فيما يعيش موظفو السلطة منذ سنوات في ظروف مالية صعبة، انعكست مباشرة على المجتمع الفلسطيني وعلى قدرة مؤسسات السلطة على القيام بوظائفها.
وفي الجانب السياسي، تآكلت ثقة قطاعات واسعة من الفلسطينيين بالنظام القائم، وتراجعت مساحة الرأي الآخر، وأصبحت المؤسسات السياسية عاجزة عن إنتاج توافق وطني حقيقي.
فهل تكون الانتخابات، في ظل هذه البيئة، هي الأولى في سلم الأولويات الوطنية الفلسطينية؟
الانتخابات: ضرورة، لكنها ليست البداية بالضرورة
ليس المطلوب تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى، ولا الدفاع عن استمرار الوضع القائم. على العكس، الانتخابات حق فلسطيني وضرورة سياسية وديمقراطية. لكن الانتخابات لن تكون ذات معنى إلا إذا كانت جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.
فالانتخابات التي تجري في ظل انقسام جغرافي، ومن دون اتفاق على قواعد اللعبة السياسية، ومن دون ضمان استقلال المؤسسات المشرفة عليها، ومن دون حرية حقيقية للرأي والتنظيم والإعلام، ومن دون ضمان قبول نتائجها، قد تنتج برلماناً جديداً، لكنها لن تنتج بالضرورة نظاماً سياسياً جديداً. والأخطر ان تعيد هذه الانتخابات انتاج النظام السياسي نفسه، وهنا تكون الانتخابات، وبدلا من حل الازمات، سمحت باستمرارها ومنحتها الشرعية.
إذن، المشكلة ليست فقط في كيفية إجراء الانتخابات، وإنما في ماذا سيكون عليه الوضع في اليوم التالي لإعلان نتائجها. هل يقبل الجميع النتيجة؟ وهل تحترم المؤسسات المنتخبة؟ هل تُسلَّم السلطة لمن يفوز؟ وهل يشارك الخاسر في النظام السياسي؟ وهل يستطيع النظام السياسي الجديد أن يعمل في ظل الاحتلال والانقسام؟ هذه الأسئلة أهم من تحديد يوم الاقتراع.
من يحدد الأولويات: المانحون أم الشعب الفلسطيني؟
هنا تظهر مسألة أخرى أكثر حساسية.
فالمانحون يستطيعون أن يطلبوا إصلاح الإدارة المالية، ومحاربة الفساد، وتعزيز الشفافية، لكن الشعب الفلسطيني هو صاحب المصلحة الأساسية في إعادة بناء نظامه السياسي.
ولهذا يجب أن تكون الأولويات فلسطينية، وأن تكون المساعدة الدولية أداة لدعم الإصلاح، لا أداة لتحديد طبيعته أو اتجاهه. ولكن ماذا لو كانت الانتخابات هي الأولوية؟
إذا كان القرار السياسي هو أن الانتخابات هي الخطوة الأولى، فإن السؤال التالي يجب أن يكون: كيف نضمن أن تكون انتخابات حقيقية وليست مجرد إعادة إنتاج للنظام القائم؟
وهذا يتطلب، قبل اجراء الانتخابات الاتفاق على مجموعة من الضمانات:
أولاً، هيئة مستقلة تماماً لإدارة الانتخابات، لا تخضع للسلطة التنفيذية ولا لأي فصيل سياسي.
ثانياً، ضمان حرية الترشح والتنظيم والدعاية السياسية لجميع القوى والتيارات، ومنع استخدام أجهزة الدولة أو المال العام لمصلحة أي طرف.
ثالثاً، ضمان حرية الإعلام والرأي والتجمع خلال العملية الانتخابية.
رابعاً، ضمان قبول جميع الأطراف بنتائج الانتخابات مسبقاً، بحيث لا يصبح قبول الديمقراطية مرتبطاً بنتيجة الاقتراع.
خامساً، وجود رقابة قضائية مستقلة على العملية الانتخابية ونتائجها.
سادساً، والأهم، الاتفاق الوطني المسبق على وظيفة السلطة التي ستنتخب، وعلاقتها بمنظمة التحرير وبالمشروع الوطني.
فلا معنى لأن ننتخب مؤسسات جديدة ثم نترك الأسئلة الكبرى معلقة.
المشكلة ليست فيمن يحكم السلطة فقط
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الانتخابات إلى منافسة على السلطة، بينما يبقى الاحتلال خارج النقاش. ففلسطين لا تحتاج فقط إلى معرفة من سيحكم رام الله أو غزة. ولكنها تحتاج إلى معرفة ماهية المشروع الوطني الذي سيحكم باسم الفلسطينيين؟
هل الهدف هو إدارة السكان تحت الاحتلال؟ أم إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية؟
هل السلطة هي الغاية؟ أم أنها أداة مؤقتة في خدمة المشروع الوطني؟
وهل سيبقى القرار السياسي الفلسطيني مرتبطاً بقدرة السلطة على الحصول على الأموال والاستمرار في دفع الرواتب؟ أم سيعاد بناء نظام سياسي قادر على امتلاك قرار وطني مستقل؟
هذه الأسئلة يجب أن تسبق الانتخابات أو ترافقها.
الأولوية الحقيقية هي إعادة بناء النظام السياسي. ومن هنا، أعتقد أن ترتيب الأولويات يجب أن يبدأ من مكان مختلف.
الأولوية الأولى ليست انتخاب سلطة جديدة، وإنما إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.
وإعادة البناء تعني أولاً إنهاء الفصل بين غزة والضفة سياسياً ومؤسساتياً، وإعادة بناء منظمة التحرير باعتبارها الإطار الوطني الجامع لكل الفلسطينيين في الوطن والشتات، ثم إعادة تعريف العلاقة بين منظمة التحرير، والسلطة، والحركات، والفصائل.
بعد ذلك تأتي الانتخابات باعتبارها إحدى أدوات إعادة إنتاج الشرعية، وليس باعتبارها بديلاً عن إعادة بناء النظام. فالانتخابات يجب أن تكون جزءاً من إعادة البناء، لا بديلاً عنها.
لقد كانت منظمة التحرير، تاريخياً، الإطار الذي جمع الفلسطينيين في الوطن والشتات، وهي التي حملت القرار الوطني الفلسطيني قبل إنشاء السلطة. لذلك فان إعادة بناء منظمة التحرير تأتي حكما قبل إعادة توزيع السلطة.
أما اليوم، فقد أصبح النظام السياسي الفلسطيني موزعاً بين مؤسسات السلطة في الضفة، وحكم الأمر الواقع في غزة، ومنظمة تحرير تراجعت مؤسساتها وتمثيلها، وفصائل وقوى سياسية خارج إطارها. وهذا الوضع لا يمكن علاجه بانتخابات تشريعية داخل الضفة وغزة وحدهما.
وانما يتوجب مشاركة الشعب فلسطيني في الشتات في المشاركة في إنتاج القرار الوطني.
ولهذا فإن إعادة بناء منظمة التحرير يجب أن تكون جزءاً أساسياً من أي عملية سياسية فلسطينية جديدة، وأن يجري البحث في آليات ديمقراطية لتمثيل الفلسطينيين حيثما أمكن، بما يضمن أن تصبح المنظمة مرة أخرى إطاراً وطنياً جامعاً. ولا يمكن بناء استراتيجية فلسطينية جديدة من دون الاعتراف بأن العالم تغير بعد السابع من أكتوبر.
لقد أعاد الحدث القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، وفرض على المجتمع الدولي إعادة النظر في كثير من المسلمات التي حكمت الصراع لعقود.
وهذا التحول لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية الحرب والدمار والخسائر الإنسانية الهائلة، وإنما أيضاً من زاوية التحولات السياسية والقانونية والدبلوماسية التي شهدتها القضية الفلسطينية.
لقد أصبحت القضية الفلسطينية حاضرة بصورة أقوى في النقاش الدولي، وازدادت الدول التي تعترف بدولة فلسطين، وأصبح القانون الدولي والمحاكم والمؤسسات الدولية ساحات أكثر أهمية في الصراع.
لكن هذه المتغيرات لا يمكن استثمارها من خلال نظام فلسطيني ضعيف ومنقسم وفاقد للثقة الشعبية، الفرصة الدولية تحتاج إلى حامل سياسي فلسطيني قادر على استثمارها.
الانتخابات التي نحتاجها ليست انتخابات لتجديد السلطة
إذا اتفقنا على إجراء الانتخابات، فيجب ألا يكون الهدف منها فقط تغيير الأشخاص الذين يديرون السلطة. فالانتخابات المطلوبة هي تلك التي تفتح الطريق أمام إعادة بناء الحياة السياسية الفلسطينية. انتخابات تؤدي إلى تداول السلطة. وتحمي المعارضة كما تحمي الأغلبية. انتخابات تقبل نتائجها جميع الأطراف. انتخابات لا تستخدم فيها أجهزة الأمن لصناعة النتائج، انتخابات لا تتحول فيها الوظيفة العامة إلى أداة لاستقطاب الأصوات، وانتخابات لا يكون هدفها إنتاج سلطة أكثر قدرة على إدارة الاحتلال، وإنما نظام سياسي أكثر قدرة على مواجهته وإنهائه. وهنا يصبح الفرق جوهرياً:
نحن لا نحتاج إلى انتخابات تعيد إنتاج السلطة، وإنما إلى انتخابات تساعد على إعادة بناء النظام السياسي الذي يقود المشروع الوطني.
ربما يكون أخطر ما أصاب الحياة السياسية الفلسطينية خلال العقود الماضية هو انتقال النقاش تدريجياً من سؤال: كيف ننهي الاحتلال ونقيم الدولة؟
إلى سؤال: كيف نحافظ على السلطة؟
ثم أصبح السؤال: كيف نحافظ على النظام؟
وبذلك تحولت الوسائل إلى أهداف، وأصبح الحفاظ على المؤسسات القائمة أحياناً أهم من مراجعة الوظيفة التي أنشئت من أجلها. وهذا هو الخطأ الذي يجب ألا يتكرر.
فالسلطة ليست الدولة. والانتخابات ليست التحرير. والشرعية الانتخابية ليست بديلاً عن المشروع الوطني. والمساعدات الدولية ليست بديلاً عن الاقتصاد الوطني.
والاعتراف الدولي ليس بديلاً عن القدرة السياسية على إنهاء الاحتلال.
كل هذه أدوات. أما الهدف فهو إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.
فماذا نفعل الآن؟ المطلوب ليس الاختيار بين الإصلاح والانتخابات، ولا بين الديمقراطية والمشروع الوطني. وانما وضعها في سياق واحد.
إعادة بناء النظام السياسي → إعادة بناء منظمة التحرير → إنهاء الانقسام → إصلاح السلطة ومؤسساتها → ضمان الحريات والديمقراطية → إجراء انتخابات نزيهة → إنتاج قيادة فلسطينية ذات شرعية شعبية → وضع استراتيجية وطنية موحدة لاستثمار التحولات الدولية بهدف إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.
قد يبدو هذا الطريق أطول من إجراء انتخابات سريعة. لكنه، في الحقيقة، أقصر طريق للخروج من الأزمة.
لأن الانتخابات التي لا تغيّر قواعد النظام قد تمنح النظام القديم شرعية جديدة، بينما الانتخابات التي تأتي في إطار إعادة بناء سياسي شامل يمكن أن تكون بداية مرحلة فلسطينية جديدة.
الفلسطينيون لا يحتاجون فقط إلى أن ينتخبوا من يحكمهم؛ بل يحتاجون أولاً إلى أن يتفقوا على النظام السياسي الذي يريدون أن يحكمهم، وعلى المشروع الوطني الذي يجب أن يخدمه هذا النظام. وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: متى نجري الانتخابات؟ وإنما:
أي نظام سياسي نريد أن تنتجه هذه الانتخابات، ولأي مشروع وطني سيعمل؟
فإذا كانت الإجابة واضحة، تصبح الانتخابات خطوة في طريق الدولة.
أما إذا بقيت الإجابة غامضة، فقد تصبح الانتخابات مجرد وسيلة لإعادة إنتاج الأزمة.