ليلة القدر التي يصفها الله عز وجل بأنها خير من ألف شهر، اختزلت المخاض الفلسطيني الطويل هذا العام، وكانت فلسطينية بامتياز، اذ هبت فيها رياح الثورة القادمة من ساحل غزة، والمارة بحيفا والناصره، على مدن وقرى الضفة الغربية، لتعلن عبر مآذن الأقصى و سواعد الشباب، و مسيرات الجماهير العارمة، عن ولادة انتفاضة جديده، و لتصبح المواجهة معركة فيل كل فلسطين تتصدى للاحتلال والاستيطان .
هي بداية جديدة تؤشر لمرحلة ننفض فيها عن كاهلنا ماعلق به من غبار نجم عن مرحلة اتفاقيات السلام، و دائرة المفاوضات التي لا تنتهي، وثقافته المستسلمة لقدر الاحتلال الجاثم على صدورنا. وتنبش في ذاكرتنا لتعيد الى وعينا ثقافة المقاومة المتأصلة في الوجدان الفلسطيني .
في الأيام الآخيرة وعلى وقع وهج المقاومة الباسلة في غزة، تراجعت مفاهيم غريبه حاولت تشويه الوعي الفلسطيني والعربي عبر تحميلها المقاومة مسؤولية ضحايا العدوان، محاولة اقناعنا بأن الكف لا تقاوم المخرز، والدم لا ينتصر على السيف، لتقودنا الى الاعتراف بعجزنا عن مقاومة العدو، محذرة من النتائج الكارثية للانتفاضه والمقاومة، ولتسوغ لنفسها استمرار مواقفها المترددة والمرتجفة . تراجعت تلك الأصوات, ليحل مكانها صوت الاعتزاز بالمقاومة، والثقة فيها وبقدرتها على تحقيق شروطها، وعلى الانتصار في معركتها الطويلة ضد العدو الصهيوني، معلنة بوضوح لا لبس فيه، عن بداية مرحلة ثورية جديده في تاريخ الشعب العربي الفلسطيني , نحو الوحدة والحرية ودحر الاحتلال دون قيد أو شرط .
حتما التاريخ لا يكرر نفسه على ذات الصورة حتى لو تشابهت وقائعه أو تماثلت نتائجه , الظروف الموضوعية والذاتية اختلفت ما بين الانتفاضة الأولى والثانية . لذ ا اتسمت الأولى بطابعها الجماهيري وسميت باسم ابطالها , اطفال الحجارة , لكنها تميزت ايضا بفعاليات شعبية واسعه وبادارة ذاتية تقودها اللجان الشعبية التي انتشرت في كل المدن والقرى والأحياء . في الانتفاضة الثانية غلب عليها الطابع العسكري , وحلت النخب المقاتلة خصوصا في مراحلها الأخيرة مكان الكتل الجماهيرية . في الذهن قد ترتسم صوره نمطية للانتفاضه , الا انه من الصعب تكرارها بذات الطرقة والأسلوب , لذا يتوجب على طلائعها اخذ العبر والدروس , واستنباط أشكال التحرك المناسبة , بل وترك المجال للجماهير للابداع فيها .
الأن ثمة وضع اقليمي مختلف , و هنالك نهاية لنظام القطب الواحد وتراجع وارتباك في الدور الأمريكي .وزياده في تأثير المجموعات الاقليمية , مما قد يفتح آفاقا امام القوى الشعبية للتحرك . في الوضع الفلسطيني قد يبدو المشهد أكثر تعقيدا , فمن ناحية ثمة مايشبه الاجماع الفلسطيني الآن على فشل السياسات السابقة , وهو ما يمهد الطريق امام استمرار الانتفاضة , والالتفاف حولها باعتبار نهج مقاومة الاحتلال يشكل بديلا عمليا عن نهج المفاوضات بلا افق أو نهاية . وبعد أن اتضح ان استمرار النهج السابق يعني ابتلاع الضفة من قبل المستوطنين وتحويلها الى معسكرات معزولة متفرقة مع تهويد كامل للقدس . لكن الانتفاضة هذه المرة تواجه جيش الاحتلال والمستوطنين الذين ناهز عددهم نصف المليون , كما أن ثمة علاقة معقدة قد تجمعها مع السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية , وسط حالة من تآكل الفصائل وتراجع دورها وقدرتها على التأثير .
ان تراجع دور الأجهزة الامنية في الايام الأخيرة عن منع المسيرات وملاحقة الناشطين لا يعني تراجع دورها , الذي ستحدده التطورات اللاحقة . لذا ينبغي على الناشطين في الانتفاضة ادراك أن استمرار الحراك الشعبي وتصعيده وادامة الاشتباك مع الاحتلال , واستمرار الهجوم السياسي والتحريض الشعبي ضد السياسات السابقة , هو الطريقة المثلي لاستمرار تحييد هذه الأجهزة , بل والعمل على فك ارتباطها بمنظومة التنسيق الأمني , وكسب العديد من افرادها الى جانبهم , وهنا ينبغي الحذر كل الحذر من الدعوات التي تدعو للاشتباك مع افراد ألأجزة الأمنية أو مهاجمة مقراتها , اذ قد يدفعها ذلك الى حائط مسدود . وفيه تشتيت للجهد وابتعاد عن الهدف وتقسيم للصفوف وخدمة مباشرة للعدو الصهيوني .
ثمة دروس مستفادة من الانتفاضات السابقة . ولعل أهمهما عدم السماح بظهور أو تواجد المسلحين في أي فعالية شعبية أو اطلاق النار فيها . أو أن يقوم أحد المسلحين باطلاق النار على حاجز خلال اشتباك الجماهير معه سواء بالهتاف و الاعتصام او بالحجارة ووسائل المقاومة الشعبية المتاحة . ان مثل هذه الأعمال يجب أن تدان علنا ومن الجميع .
العمل المقاوم المسلح يجب أن يكون سريا وبعيدا كل البعد عن الفعاليات الجماهيرية , وأن يستهدف ضرب دوريات العدو ونقاط استيطانه . بعيدا عن فعاليات الانتفاضة . والا فان النخب المسلحة ستحل محل القطاعات الشعبية , وهو ما حدث في نهاية الانتفاضة الثانية , مما سهل ضرب هذه المجموعات والقضاء عليها , كما أن علنية هذه المجموعات تعطيها دورا غير مرغوب فيه في تنظيم حياة المواطنين بعيدا عن الرقابة والمشاركة الشعبية , وهو ما يتنافى مع دورها الأساسي في مقاومة ألة الاحتلال العسكرية والتصدي لها .
ان مشاركة أوسع قطاعات جماهيرية هي الضمان االرئيس لاستمرار الانتفاضة ونجاحها . تنظيم اجتماعات ومسيرات كبرى , واطلاق طاقات الجماهير في ابتكار وسائلها وأدواتها وطرقها في المقاومة الشعبية , مشاركة أوسع من المرأة الفلسطينية , وتشكيل لجان شعبية في كل المدن والقرى والأحياء لتنظيم فعاليات الانتفاضة وتوجيهها , والقيام بالخدمات الاجتماعية اللازمة والضرورية التي قد تعجز المؤسسات الأخرى عن تقديمها في ظل تصاعد الانتفاضة والقمع الصهيوني لها , مما يفسح المجال تدريجيا لاقامة ادارة ثورية في مختلف المواقع يتولى القطاع الشبابي دوره القيادي فيها .
االانتفاضة لم تبدأ في ليلة القدر، فنسماتها تهب على فلسطين في كل حين، وارهاصاتها توالت من اسقاط مشروع برايمر، الى لا تتجند شعبك بحميك، الى الدفاع عن الأقصى وانتفاضة الخليل والقدس . هذه النسمات تحولت ألآن الى معركة تشمل كل فلسطين، ولن تتوقف حتى ما بعد وقف اطلاق النار في الحرب المشتعلة الآن في غزة. هذه الانتفاضة ستكون طويلة ولكن مستمرة حتى انجاز اهدافها، وستأخذ اشكالا مختلفة، قد تشتعل أحيانا، ويخال المرء أنها هدأت في بعض الأوقات ، لكنها مثل ألسنة النيران التي ترتفع وتتنخفض، لكن النار تبقى مشتعلة .
هي مرحلة جديدة في النضال الفلسطيني قد بدأت، لن تكون فيها فلسطين، ولا المنطقة بأسرها، كما كانت، فما بعد غزة يختلف عن ماقبلها .