تاريخ النشر: 2021-11-15 | 08:44
تاريخ النشر: 2021-11-15 | 08:44
واجهت العملية السياسية في العراق سلسلة أزمات وتعقيدات منذ تأسيسها بعد عام 2003، ومع كل انتخابات تظهر مشاكل سياسية تعطل مصالح الشعب العراقي، لا سيما في ما يخص تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية الرئاسات العراقية الثلاث، الأمر الذي لطالما استغرق أشهراً عدة.
وبعد إجراء الانتخابات المبكرة في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، اتسعت رقعة المعترضين على النتائج لا سيما من أطراف شيعية، إلا أن هناك مَن يرى أن التوافقات هي المخرج الوحيد للخلاص من دوامة الخلافات، وأنه لا يمكن لكتلة واحدة أن تشكل الحكومة الجديدة من دون العودة إلى بناء ائتلافات وتوافقات تجمع الخصوم والأصدقاء على طاولة واحدة ولو مؤقتاً.
والجميع خاسر إذا ما ذهبت الأمور إلى الانسداد السياسي". وقال الحكيم خلال استقباله وزير الخارجية فؤاد حسين، "نؤكد أن المفوضية والسلطة القضائية تتحملان مسؤولية النظر بجدية إلى الطعون والشكاوى المقدمة من المرشحين والقوى السياسية، لإعطاء صورة ناصعة عن الديمقراطية في العراق".
و "ضرورة اتباع الطرق القانونية والسلمية من قبل الجميع في المطالبة بحقوقهم". وحضّ الجميع على "التنازل لصالح العراق وشعبه، الذي ينتظر أن تسهم الانتخابات في تغيير واقعه الخدمي والمعيشي".
"الحل الأساسي يتمثل في اتباع المسار القانوني لمعالجة مثل هذه الخلافات حول نتائج الانتخابات، والعودة إلى قانون الانتخابات رقم 9 لسنة 2020 الذي نظم انتخابات عام 2021، التي نصت المادة 38 منه على أنه في حالة الطعن في أي مركز اقتراع أو محطة اقتراع تلتزم المفوضية العليا بمهمة إعادة العد والفرز اليدوي بحضور وكلاء الأحزاب السياسية، وتعتمد نتائج العد والفرز اليدوي. وهذه المادة وحدها كافية وضامنة لجميع المشاركين وحتى الناخبين لمعرفة مدى مصداقية النتائج المعلنة من قبل المفوضية".
و "الاستغراب الشديد حيال موقف القوى الفائزة بأعلى عدد من المقاعد، وإصرارها بشكل مباشر أو غير مباشر على رفض طلبات إعادة العد والفرز الشامل، في حين أن المنطق العقلاني وسنن التشريعات والقوانين جميعها تجيز إعادة التحقق من أي عملية احتساب قد تكون مغلوطة أو مزيفة أو تم التلاعب فيها مسبقاً". وأضاف أنه "من الضروري أن تستجيب المفوضية العليا للانتخابات لتلك الطلبات التي يطالب بها طيف سياسي واسع، وأن تعمل على إعادة العد والفرز وبيان مدى مصداقية العد والفرز اليدوي ومستوى تطابقها مع النتائج المستحصلة إلكترونياً، ليس خدمةً للأطراف السياسية، إنما خدمة لجمهور الناخبين الذين فقدوا الثقة بوجود انتخابات نزيهة".
إن "الحلول تتمثل في لجوء الكتل السياسية، خصوصاً البرلمانية الفائزة في الانتخابات الأخيرة إلى الخيار الوطني وتناسي الامتيازات الفئوية الطائفية".
ان"هذا الأمر يصعب تحقيقه في ظل الرغبة السياسية الكلاسيكية في الحصول على مغانم السلطة، وقد يكون وجود واشتراك قوى انتفاضة تشرين والمستقلين في البرلمان الجديد خطوةً لتقديم حلول وطنية".
و أن "إبعاد التدخل الخارجي عن القرار الداخلي يمكن أن يعالج الكثير من الأزمات في المرحلة المقبلة، بالإضافة إلى الاحتكام إلى الدستور وتقديم برنامج وطني جديد، كي لا تتكرر بعض المعرقلات التي يضعها البعض في عجلة الإصلاح".
ان مايحصل في العراق الان وصل مرحلة اعلى الانسدادات السياسية.
ان "من ابجديات السياسة عند حدوث أي اختناقات او انسدادات تنشط اطراف وحركات واجندات لاستغلال الموقف وكثيرا ما نحذر من هذا الامر، وان ما يحصل الان في العراق هو من اعلى الانسدادات السياسية".
و "عدم وجود رؤية مشتركة حقيقة عندما قلنا ان الانتخابات هي مرحلة مفصلية مهمة وضرورة مناقشة العد والفرز اليدوي الذي لايخسر فيه فائز ولا يفوز فيه خاسر".
و "تمسك الكثير من الكتل السياسية بمواقفها حالت دون ذلك وهذا سبب في الاختناقات السياسية، وعادة عند وجود تدافع سياسي تتدخل اطراف للاخلال بالامن"
لم يعد مفهوم الانسداد السياسي الذي يتم تداوله من قبل النخب الأكاديمية والإعلامية والسياسية قادراً على توصيف مأزق الدولة والنظام السياسي في العراق، فهشاشة النظام السياسي وانعدام ثقة الجمهور فيه تفرض علينا البحث عن مقاربات أخرى لوصف مأزق الدولة في العراق وتداعيتها في المستقبل القريب والمنظور.
ولطالما أُعجبت بنظريات المفكر الأميركي، صامويل هنتنغتون، (ت: 2008)، ولعل مصدر الإعجاب في كتابات أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد هو نظرياته التي نحاول من خلالها إيجاد تفسير للتطورات والأحداث السياسية في بلداننا. وعلى الرغم من أن الكثير من الأيديولوجيين العرب وجماعات الإسلام السياسي ركزوا على كتابه (صِدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي) لأنهم وجدوا فيه ضالتهم التي تؤكد مستقبل الصِدام بين الإسلام والغرب! لكن كتاب هنتنغتون (الموجة الثالثة: التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين) قد كان حاضراً بقوة في نقاشات الكثير من الباحثين الذين حاولوا قراءة أحداث ثورات الربيع العربي.
أما موضوعنا (الاضمحلال السياسي) فهو الفرضية التي قدمها هنتنغتون في كتابه (النظام السياسي في مجتمعات متغيّرة) ويفسر من خلالها أزمات النظام السياسي التي تكون نتيجة انعدام التوازن بين البنية السياسية والتوجه نحو سياسات التحديث التي تريد الانتقال بالمجتمع من نمطٍ تقليدي إلى نمطٍ حديث.
يجادل هنتنغتون بأن النظام السياسي-في جانب منه- يعتمد العلاقة بين تطوير المؤسسات السياسية وحراك القوى الاجتماعية الجديدة، وإن مشاكل عدم الاستقرار السياسي تؤدي إلى التقويض التدريجي لسلطة الحكومة وفاعليتها وشرعيتها، لأنها نتاج -وإلى حد كبير- للتغير الاجتماعي السريع الذي يعبر عنه الفاعلون الاجتماعيون الجُدد في مجال السياسة، يقابله تطور بطيء في المؤسسات السياسية.
الكثير من البلدان الناشئة يكون المجتمع السياسي فيها مفتت، ومؤسساته ضئيلة السلطة، وسيادتها ضعيفة وجامدة لا مرونة فيها، ولا تمارس أنظمة الحكم حُكماً، وتحدث الفجوة السياسية عندما تُقابَل ديناميكية المجتمع بجمود النظام السياسي. وفرص حدوث الاضمحلال السياسي تصبح واقعاً عندما تكون هناك فجوة بين الحراك الاجتماعي والمؤسسات السياسية، ويحدث ذلك عندما يعجز النظام السياسي عن الاستجابة لمتطلبات الأجيال الصاعدة أو الجزء الأكبر من الجمهور؛ عندها يشعرون بالإحباط لأنهم يجدون أنفسهم غير قادرين على المشاركة السياسية.
ملامح الاضمحلال السياسي في العراق تتضح من خلال قراءة ما يعبَّر عنه بمطالب حركات الاحتجاج، ويقابلها واقع سياسي، من أبرز ملامحه: وجود حكومة لكنها هشة وعاجزة، وبرلمان مفكك ومحكوم بتوافقات زعماء الكتل ويمارس أعضاؤه دورهم الرقابي من خلال اللقاءات التلفزيونية والتصريحات الصحفية، وليس تحت قبة البرلمان. وطبقة سياسية مشتتة متناحرة لا تعرف أي معنى من الانسجام والتوافق إلا في توزيع غنائم السلطة. ومن ثم، أصبحت استراتيجية الطبقة السياسية مختصرة في بقاء النظام السياسي العاجز وإدارته بحكومات ضعيفة، لذلك نجد أن تغير الحكومات لا يغير من الواقع المأسوي شيئاً! بل العكس هو يراكم الفوضى والخراب ويوسع دوائر الفساد والفشل.
لا الاحتجاجات ساهمت في تصحيح المسار لإنقاذ ما تبقى من عملٍ صحيح في هذا النظام السياسي، ولا دعوات الإصلاح السياسي كانت تمتع بالمصداقية والإرادة الحقيقة حتى يتم تجسيدها على أرض الواقع. ولذلك تبقى الدولة العراقية في مرحلة التيه بين الدولة واللادولة ونظام سياسي لكنه لا يعني حكم المؤسسات، وإنما حكم زعامات الطبقة السياسية والميليشيات.
هناك سؤال مهم يُطرح؛ إذا كان النظام السياسي في العراق يتجه نحو الاضمحلال السياسي، فما الذي يعطل انهياره؟
رغم أن أغلب فرضيات هنتنغتون تنطبق على توصيف المأزق السياسي في العراق، إلا أن هناك خصوصية في تجربة العراق السياسية تعمل على تعطيل انهياره، والتي تتركز في ثلاث محاور رئيسة:
الأولى، توافق الاقطاعيات السياسية على أن إعلان الموت الرحيم لنظام سياسي قائم على أساس صفقات تقاسم السلطة بين زعماء الاوليغارشيات السياسية وحاشيتهم يعني خسارة جميع الطبقة السياسية.
والثانية، الفوضى والفساد هي من تعمل على إدامة النظام السياسي، إذ أن النفوذ والسيطرة على مؤسسات الدولة يساهم بإيجاد نوع من التوافق الضمني بين الفرقاء السياسيين على نهب الثروات والموارد الاقتصادية للدولة وتقاسم الاقتصاد الريعي. سواء أكان النفوذ والسيطرة يجري عن طريق الأحزاب السياسية، أو قوة السلاح المنفلت، أو يجمع بين قوة السلاح والنفوذ السياسي. فكل هذه الطرق تؤدي إلى نتيجة واحدة، هي نهب الثروات، ومن ثم تكون مهمة الحكومات إدارة نظام الحكم على أساس تحقيق التوزان بين رغبات ونفوذ مافيات السلطة.
أما الثالثة، البيئة الإقليمية التي لا تريد انهيار العراق ولكنها تعمل على ابقائه دولةً هشة، ولذلك هي تغذي الانقسام والتشرذم والضعف والاختراق والفساد؛ لأنه يسهل تمرير الأجندة ومشاريع دول الجوار الإقليمي.
وباعتقادي أن منظومة العمل السياسي الحاكمة في العراق أصابها الاضمحلال السياسي، ولكنها لم تُنهر بعد. بيد أن تأخر إعلان موت هذه المنظومة ليس بسبب قوتها وصلابتها، وإنما البديل لم يتوفر بعد حتى يفرض نفسه، ومن هنا يعتبر فرانسيس فوكوياما الاضمحلال السياسي بطرقه المتعددة حالة من حالات التطور السياسي: "القديم لا بد أن ينهار لإفساح المجال أمام الجديد. لكن التحولات قد تكون فوضوية وعنيفة إلى أبعد الحدود؛ وليس ثمة ضمانات بأن المؤسسات السياسية سوف تتكيف مع الظروف الجديدة بشكل ملائم وسلمي على الدوام".
علاج الاضمحلال السياسي، كما يطرحه هنتنغتون، يبدأ بتعزيز قوة الدولة وفاعليتها في فرض نفوذها على المجال العام، وكفاءة الدولة وقوتها تقاس الآن بقدرتها على فرض القانون وسرعة استجابتها لمتطلبات الجمهور. وهنا تحديداً يجب تعزيز النظام المؤسساتي وتطوير مستوى الإدارة السياسية على نحو يجعلها أكثر مرونة في الاستجابة للمطالب والحاجات المجتمعية. وهذه الخطوات وغيرها ليس بالمعقدة ولا بالتعجيزية، وإنما تحتاج بالدرجة الأولى إلى توفر الإرادة السياسية، وهي ما نفتقده في العراق حتى هذه اللحظة!
فشلت النخب السياسية العراقية في تسوية الإشكالات الأساسية لشكل النظام السياسي الذي جاء بعد احتلال العراق في 2003، وحتى بعد إقرار الدستور العراقي في عام 2005. وقد استمرت هذه الإشكالات في إعادة إنتاج نفسها من خلال ممارسات مختلفة عبر ما يمكن تسميته سياسة "تدوير الأزمات".
يمر تاريخ 9 أبريل/نيسان من كل عام كأسوأ يوم في التاريخ العراقي الحديث، على إثر سقوط بغداد على يد القوات الأمريكية وحلفائها. تاريخ أصبحت ذكراه مراجعة سنوية لقياس مدى الدمار الذي حصل منذ 17 عاماً، ولا يزال مستمراً في ظل هواجس تُنبئ بأن قادم المستقبل لن يختلف عن ماضيه.
بعد 17 عاماً، وصلت البلاد إلى مرحلة حرجة من الانهيار الأمني والتدهور الاقتصادي، فضلاً عن أزمات حرجة حالية جرّاء جائحة فيروس كورونا العالمي، مقابل ضعف القطاع الصحي العراقي، وهبوط أسعار النفط الذي يهدد بانهيار اقتصاد البلاد إذا لم يُتدارك الأمر عاجلاً.
يُرجع العراقيون سبب الانهيار الحاصل في البلاد إلى فشل النخبة السياسية الحاكمة التي تواجه إشكالية في شرعيتها السياسية، وغياب هوية المشروع الوطني الذي يؤطر السلوك السياسي لجميع القوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، سواء على مستوى العلاقة البينية لمؤسسات النظام السياسي، أو على مستوى علاقة هذا النظام بالمجتمع، لضمان قدر من الاستمرارية والتوازن في مواجهة تحديات التفكك وإعادة التشكيل وتداعياتهما.
إنّ تطوّر الأحداث واستمرار الأزمة السياسية في العراق، يثيران اليوم قضية جوهرية في بلدان الشرق الأوسط التي تمرّ بتقاطعات تتراوح بين نموذج الدولة الديمقراطية الدستورية، والنموذج الإيراني الذي يسعى لتطبيق الدولة وفق منهج ولاية الفقيه.
ونتيجة لهذه التناقضات الحادة في اتجاهات مكونات النظام، يصطدم مسار العملية السياسية بحائط يتكون من ثلاثة مجتمعات غاضبة تضررت بشدة من هذا النظام. فالأكراد يشعرون أنهم خارج الحسابات الوطنية العراقية ومهددون بعدم دفع مخصصاتهم المالية. أما السُّنة فلا يزالون منهَكين بعد سنوات من قمع الحكومة المركزية، وأعباء الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي، وسيطرة مليشيات الحشد الشعبي. بينما يشعر الشيعة بالغضب من عجز الحكومة عن توفير الخدمات الأساسية، وسطوة أحزاب السلطة على موارد البلد وتحويلها لإيران.
هذا الواقع أوجد حالة من الغضب الشعبي، الذي تحول إلى احتجاجات عارمة اجتاحت بغداد وعدداً من المحافظات العراقية وشلت العملية السياسية منذ شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، واضطر رئيس الوزراء عادل عبد المهدي إلى الاستقالة من منصبه لامتصاص غضب الشارع، ليدخل العراق في فراغ دستوري حقيقي ووضع سياسي معقد وخطير، بعد أن تحولت هذه الحكومة إلى حكومة تصريف أعمال، وعجز الأحزاب عن الاتفاق لاختيار رئيس حكومة لمدة خمسة أشهر، في ظل معادلة محلية وإقليمية معقدة.
إن مصطلح الانسداد السياسي Political Occlusion يعني بقاء النظام السياسي مغلقاً على مجموعة محدودة من المكونات فقط. فيرتبط الوصول إلى ذلك النظام بالولاء للدوائر المحيطة بمجموعة السلطة وأصحاب القرار، ويبقى مستقبل البلاد رهيناً بتوجهات هذه المجموعة التي تشكل جوهر النظام. وسواء تغيرت تشكيلة المجموعة بمرور السنين، أو توسّع عددها أو انخفض، فإن وجودها يظل ثابتاً، ولا يمكن تخطيها للوصول إلى السلطة.
وفي حالة العراق، فإن الطبقة السياسية تحاول تثبيت نفوذها في قلب الدولة بصورة أكبر. ولا تعتقد أن النظام السياسي الذي ولد عام 2003 قد وصل إلى حالة من الفشل تهدد وجود العراق كدولة. لتعود النخبة الشيعية الحاكمة في التاريخ نفسه 9 إبريل/نيسان 2020، للاتفاق على تكليف "مصطفى الكاظمي" رئاسة الوزراء، بعد موافقة الأحزاب السنيّة والكردية. ويعتبر "الكاظمي" من صفوف العائلة السياسية الحاكمة وأحد رجالاتها وغير بعيد عنها.
عند تتبُّع مسار تطوُّر العلاقة بين الدولة والمجتمع العراقي في ظل حالة الانسداد السياسي الحالية، يمكن التنبؤ بتصاعد احتمالية انهيار الدولة ونظامها السياسي، لكن على المستوى البعيد نسبياً، لأن انهيار النظام الحالي في العراق سيكون حتماً مفتاحاً لأزمات إقليمية، وربما عالمية.
ومن المرجح أن يعطي الدعم الدولي زخماً جديداً في عملية إعادة تشكُّل النظام السياسي في العراق، وتلعب الولايات المتحدة هذا الدور في عملية الدعم الدولي، إذ عبر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن هذا بشكل صريح، حينما قال في تغريده له على حسابه الرسمي في تويتر: "حان وقت التحرك لملايين العراقيين الذين يريدون الحرية ولا يرغبون في الخضوع لسيطرة إيران". وهو أمر يُفهم منه بأن الإدارة الامريكية عازمة حالياً على إحداث تغيير حقيقي في وجهة النظام السياسي العراقي.
ويمكن تلخيص تحدِّي إعادة تشكيل النظام السياسي بثلاثة أسباب جوهرية، هي: وجود مصالح شخصية مبنية على النظام القائم، ولا يمكن التفريط بها بسهولة في الوضع الراهن. السبب الثاني، السلطة والأحزاب الحاكمة ومليشياتها أثبتت أنها بصدد استخدام كل الوسائل الدموية منها من أجل الحفاظ على هذه المصالح. وثالثاً، حيادية جزء كبير من المجتمع العراقي. وأقصد حيادية المكون السني والمكون الكردي، وهو ما تبدَّى في عدم انخراطهما الكبير، على سبيل المثال في الاحتجاجات الشعبية التي كانت تطالب بتغير الطبقة السياسية للبلاد.
لذا يبدو أن السيناريو المرجح قد يُفضي إلى استمرار النظام السياسي مع إجراء بعض التعديلات عليه، سواء كانت كبيرة (كتعديل قوانين أساسية أو حتى مواد دستورية) أو طفيفة (كقوانين أو وجوه أو تحالفات). أما استبدال نظام آخر بالنظام الحالي فلا يبدو أنه قابل للتحقيق حالياً، في ظل المعادلات السياسية القائمة في المنطقة التي تعمل فيها إيران وقوة سنية أخرى كالسعودية والإمارات على تقويض تطلعات الشعوب بالديمقراطية.
الانسداد السياسي إلى أين؟ مسار الطعون الانتخابية يذكي جدل النتائج في العراق المفوضيّة تنفي التزوير والإطار التنسيقي يتهمها بتفريغ العد والفرز من مضمونه من يحسم قضية التلاعب؟ انسداد سياسي بعد 3 أسابيع على الانتخابات وأسئلة الحكومة والكتلة الأكبر تبحث عن إجابات، هل دخل المشهد العراقي مرحلة الحرج فعلياً؟ صواريخ كاتيوشا تستهدف غرب بغداد وهجوم لداعش في كركوك، من يعبث بأمن العراق في لحظة سياسية هشة؟
ماذا يمكن أن يدل هكذا نوع من الحراك من داخل العملية السياسية غير على انسداد في الأفق السياسي؟ بل ربما يمكن وصفه بنتيجته التي آلت إليه بأن هشاشة الموقف راجعة إلى نوعية الاختيار التي أرادتها إدارة الاحتلال الأمريكي في العراق لمشروع تريد تسميته (العملية السياسية).
العملية السياسية في العراق هشة باعتراف أصحابها المنخرطين فيها، وليس ذلك تجنياً، وإن إطلاق مصطلح انسداد الأفق السياسي عليها تحصيل حاصل لطبيعة تشكيلها، فهي مجموعة شركاء متشاكسين يربطهم راعٍ واحد الجميعُ متفق على اتباعه فيما يريد أو يهوى ويطيعونه إلى أي طريق يريدهم أن يسلكوه، وقديماً قيل والأمثال تضرب ولا تقاس (الغنم تتبع راعيها)، فالانسداد يتأتّى من أن هذا الراعي ترك مساحة للتحرك والمناكفة والتدافع داخل حدود مساحة حددها بدقة، فالمطروح على هذه الساحة لا يتعداها، ويعلم جيداً من يطرح أي مشروع أن هناك خطوطاً لا يمكنه تجاوزها وقد سمح بها سيدهم من أجل إضفاء مسحة واقعية على الحراك ليحسب الناظر من غير هذه الساحة أو الذي يبعد عنها بمسافة ما أن حراكاً حقيقياً وعملية سياسية قائمة على قدم وساق، لكن هذه المحددات وتلك المساحة وهاتيك التصورات لم تعد تجدي نفعاً بتزاحم اللاعبين المستأجرين وخروجهم على بعضهم بالإزاحة والإقصاء بغية ضمان بطاقة التأهل لمرحلة بديلة يحاول أن يلعبها راعيهم، أو أنهم هكذا يحسبونها بأنه من الممكن التجديد لمرحلة لاحقة غير آبهين بانسداد الأفق السياسي وانغلاق النفق الذي اختاروه وهم يمنون أنفسهم أن ثمة مخرجاً في نهايته وإذا بهم في متاهة، لا سيما أن أخبار الاضطراب الإقليمي بدأت تضغط عليهم فراحوا يستصرخون النعرات الطائفية لركوبها مرة أخرى كما فعلوا في عامي 2005 و2007، لكن ليس في كل مرة تسلم الجرة كما يقال.
الحقيقة التي تظهر للمراقب للشأن العراقي ويجب الإشارة إليها، هي أن هذه العملية صنعت أناساً لم يكونوا قبل دخولها شيئاً يذكر، بمعنى أنهم لم يصنعوها لكنهم متكئون عليها يستندون إلى توجيهات مخرج هذا العمل البائس الذي عيّنهم واعتمدهم أدوات لمشروعه.
و القوى المناهضة للاحتلال والممانعة لمشروعه الرافضة بقوة الانخراط فيه على مدى ما يقرب من العقد من الزمن تكللت جهودها بنجاحات وإنجازات قلّ نظيرها في تجارب حفظها التاريخ وتغنت بها الشعوب الحرة، ومع ذلك فإن هذه الإنجازات وذلك الصمود لا يعني مطلقاً عدم مراجعة الخطوات السابقة والتهيؤ لخطوات لاحقة في ضوء هذه التطورات، فلا يجب أن يقودنا الاكتفاء بالإنجازات إلى عدم الالتفات إلى مواطن الفشل، فالفشل في موضع ما لو تأملناه بعين النقد والمواجهة لدلّنا بالتأكيد على طريق لم نسلكه لمعالجته. لقد عانت هذه القوى بعض الانسدادات في أفقها السياسي، بعضها داخلية، وأخرى خارجة عن إرادتها؛ نظراً لتكالب القوى الدولية ووقوف القوى الإقليمية ضدها بشدة.
القوى العراقية الرافضة للاحتلال ومشروعه ميدانها الواقع بكل تشابكاته، ومعايشة الواقع تدعوها لمراجعة التصورات بصورة مستمرة، لأن الواقع تتحكم به متغيرات ومخططات تختلف ما بين مرحلة وأخرى، ومعالجة الواقع بتصورات مسبقة من دون تحديثها تجعل بين الواقع والمعالجة تنافراً وعدم استجابة.
ما يعنينا اليوم ونحن في مرحلة ما بعد التطورات الإقليمية في المنطقة، أن القوى الرافضة لا بد لها أن تطرح مشروعها الأول بآليات جديدة تستطيع معها الصعود إلى منصة الحدث، وأن تكون قضيتها حاضرة في المشهد السياسي. وفي ظل المتغيرات الجارية في المحيط الإقليمي للعراق، لم يعد بإمكان قوة منفردة البقاء والاستمرار من دون وحدة واتحاد أو قل على أقل تقدير تنسيق الفعل الميداني وتحديد أهداف التغيير المنشود بنوعيه؛ القريب والاستراتيجي البعيد المدى.
من بين أخطر التحديات التي واجهت القوى العراقية الرافضة لمشروع الاحتلال، وجود شخصيات قابلة للشراء، صحيح أنها من خارج هذه الحركات، لكن التقسيم البريمري (نسبة للحاكم المدني بول بريمر الحاكم بأمر الاحتلال الأمريكي في العراق) يجعل هذه النماذج محسوبة على مكون معين، فتمت محاربة الحركات بمن ينتمون إليها نسباً عشائرياً أو انتساباً مذهبياً؛ لتشويه صورة الحركة مرة، وشيطنتها في مرة أخرى، والإيحاء بأن ثمة أناساً ينتمون للشريحة نفسها التي تنتمي إليها حركات الرفض في غالبها، يقبلون الانخراط في مشروع الاحتلال، وقد نجح فعلاً المحتل الأمريكي في استقطاب بعضهم والإغداق عليهم لمدة معينة، واليوم تعمل الحكومة بالأسلوب نفسه فيما يسمى المصالحة الوطنية، فهي أكذوبة لا يمكن تصديقها إلا ممن ارتضى لنفسه بيع موقفه.
خلاصة القول: إن الانسداد في الأفق السياسي ينبغي أن لا يكون نهاية المطاف، فإذا كان الانسداد في طريق ما نتيجة أسباب يمكن معالجتها، فلا بد من تتبع طرق العلاج. أما بالنسبة لانسداد أفق العمل السياسي للعملية السياسية الجارية في العراق، فإنه راجع بالتأكيد إلى بنيوية هذه العملية، وهو نتيجة طبيعية لها، والحل يكون بتمكين أبناء العراق من إقامة حكومة تكنوقراط تعمل على إدارة الدولة لمدة سنتين لتهيئة الظروف والأحوال لعمل الأحزاب وإقامة انتخابات حرة يستطيع أبناء العراق فيها ممارسة حقهم من دون تأثير خارجي أو إرهاب داخلي، لتأتي بعد ذلك مسؤولية كتابة الدستور وإقامة الحكم الرشيد على أساس صحيح، أما غير ذلك فلن تكون له نتيجة سوى الانسداد السياسي.