تاريخ النشر: 2021-01-12 | 20:02
تاريخ النشر: 2021-01-12 | 20:02
جنيف- انتقد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان قرار المحكمة المركزية الإسرائيلية منع عرض فيلم "جنين جنين" الذي سلط الضوء على انتهاكات الجيش الإسرائيلي خلال اجتياح مخيم جنين شمالي الضفة الغربية في عملية "السور الواقي" عام 2002، ومعاقبة مخرجه بغرامات مالية كبيرة.
وقال المرصد الحقوقي الدولي ومقرّه جنيف في بيانٍ صحفيٍ يوم الثلاثاء وصل "أمد للإعلام" نسخة عنه،، إنّ قرار المحكمة الإسرائيلية الذي صدر يوم أمس الإثنين شمل حظر توزيع الفيلم، وأمر بمصادرة جميع نسخه، وإلزام مخرجه "محمد بكري" -من فلسطينيّ إسرائيل- بدفع تعويض مالي قدره 175 ألف شيكل (يعادل أكثر من 55 ألف دولار أمريكي) للجندي الإسرائيلي المدعي، فضلاً عن تحمل المصاريف القانونية التي تقدر بمبلغ 50 ألف شيكل (يعادل نحو 16 ألف دولار أمريكي).
وقال "حسين أبو حسين" محامي المخرج "محمد بكري" في إفادة للمرصد الأورومتوسطي إنّ القائد العسكري الإسرائيلي " نسيم ميغناجي" رفع قضية تشهير ضد المخرج "بكري" عام 2015، لظهوره في مقطع مدته 20 ثانية في فيلم "جنين جنين" وظلت القضية في أروقة المحاكم حتى صدر الحكم لصالح القائد الإسرائيلي أمس الإثنين.
وأشار إلى أنّ القائد العسكري الإسرائيلي الذي تقدم بالشكوى كان طلب عام 2009 الانضمام إلى قضية سابقة تقدم بها عدد من الجنود ضد عرض الفيلم، لكّن المحكمة رفضت حينها طلبه مع أنّه كان مبنيًا على نفس الادعاءات التي حكمت على أساسها لصالحه في هذه القضية.
وكشف "أبو حسين" عن تعرّض المخرج "بكري" لاعتداءات جسدية وإهانات لفظية متكررة من جنود وضباط الجيش الذين كانوا يحضرون جلسات المحاكمة بصورة مستمرة، وبأعداد كبيرة.
ويرى الأورومتوسطي أنّ السلطات الإسرائيلية لعبت دورًا في التأثير على اتجاه القضية من خلال انضمام المستشار القضائي للحكومة "أفيحاي مندلبليت" إلى الدعوى، بالإضافة إلى حضور مستمر لضباط إسرائيليين كبار، في تلميح إلى تبّني الجيش الإسرائيلي للدعوى. إن الأعراف القانونية تجيز تقديم الدعوى خلال سبع سنوات من وقوع الحدث (حتى سنة 2009 في قضية الفيلم)، غير أنّ المحكمة تجاهلت الأعراف القانونية وقبلت النظر في الدعوى وحكمت لصالح القائد العسكري الإسرائيلي في نهاية المطاف.
وذكر المرصد الأورومتوسطي أنّ المقطع القصير الذي ظهر فيه الضابط الإسرائيلي في الفيلم لم يرافقه أي اتهام شخصي أو تجريح، عدا عن أنّ المقطع نشره في الأساس الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي الذي يتولى مهمة توزيع المواد الإعلامية للجيش على وسائل الإعلام المختلفة.
ووفق متابعة الأورومتوسطي، بدأ التضييق الإسرائيلي على فيلم "جنين جنين" ومخرجه منذ العرض الأول للفيلم قبل نحو 18 عامًا، لما يحتويه من شهادات توثّق الانتهاكات الخطيرة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بحق السكان المدنيين في مخيم جنين عام 2002.
وفي نفس العام، منعت الرقابة الإسرائيلية عرض الفيلم في نفس العام الذي بذريعة أنّ الفيلم "أحادي الجانب، ويربك المشاهد، ويوهمه بأن الجيش الإسرائيلي ارتكب مجازر بحق الفلسطينيين"، حسب ما ورد في تقرير الرقابة العسكرية في ذلك الوقت، لتعود وتسمح بعرضه بعد عامين نتيجة التماس قدمه "بكري" للمحكمة الإسرائيلية العليا.
وبيّن الأورومتوسطي أنّ منع عرض وتوزيع فيلم "جنين جنين" جزء من السياسة الإسرائيلية القائمة على حظر أي نشاط سلمي يستهدف كشف انتهاكاتها في الأراضي الفلسطينية، موضحًا أنّ الملاحقة الجنائية الممتدة عبر سنوات للفيلم يعكس حرص إسرائيل على توفير حصانة دائمة للأفراد والكيانات المتورطة في انتهاك حقوق الفلسطينيين وحمايتهم من أي مساءلة أو محاسبة.
وقال المدير الإقليمي للأورومتوسطي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا "أنس جرجاوي" إنّ "قرار المحكمة امتداد لسلسة الانتهاكات الإسرائيلية ضد النشاط السلمي، لافتًا إلى أنّ القرار اعتداء واضح على النصوص القانونية الدولية ومنها المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي نصت على أن "لكل إنسان حق في حرية التعبير.
ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها".
وقال "جرجاوي": "كان الأجدر بالحكومة الإسرائيلية التحقيق فيما عرضه الفيلم من شهادات وإفادات تعكس فظاعة الانتهاكات المرتكبة من الجنود الإسرائيليين أثناء عملية "السور الواقي"، بدلًا من توفير التغطية المالية للجندي المدعي، وانضمام مستشارها القانوني للقضية".
ودعا المرصد الأورومتوسطي السلطات القضائية في إسرائيل إلى التراجع عن الحكم التعسفي، وإيلاء الاعتبار للمبادئ الأساسية للحق في حرية الرأي والتعبير والنشر عند النظر في القضية.
كما حث السلطات الإسرائيلية على احترام القواعد الدولية الأساسية التي نصت على حماية الحق في الحياة وحرية التعبير عن الآراء، مشددًا على ضرورة إنهاء سياستها في توفير الحصانة لمرتكبي الانتهاكات، والتأكد من الالتزام بقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان واحترام حقوق السكان المدنيين خلال العمليات العسكرية في الأراضي الفلسطينية.
وكانت محكمة اللد، وبعد ملاحقة استمرت 18 عاماً لفيلم بكري، قد قررت، الاثنين، أن «الفيلم يشوه الحقائق ويتجاهل وجهة النظر الإسرائيلية في الموضوع، ويخلو من أي جهد لمعرفة الحقيقة».
وقضت بحظر توزيع الفيلم ومنع عرضه، بتاتاً، في إسرائيل، وأمرت بمصادرة جميع النسخ الصادرة عنه، وإلزام الفنان بكري بتحمل المصاريف القضائية، التي تقدر بمبلغ 50 ألف شيكل، ودفع مبلغ 175 ألف شيكل تعويضا للجندي نيسيم مغناجي، وهو أحد الجنود الإسرائيليين، الذين ظهروا في الفيلم لبضع ثوان، ورفع الدعوى ضد بكري، بتهمة تشويه سمعته وتهديد حياته للخطر.
بدوره، أعلن الفنان الفلسطيني محمد بكري، مخرج فيلم «جنين... جنين»، الثلاثاء، أنه سيستأنف القرار الجائر الذي أصدرته المحكمة المركزية الإسرائيلية في اللد، بمنع عرض فيلمه، وتغريمه بمبلغ يضاهي 70 ألف دولار. لافتاً إلى أنه من الواضح أن «المحكمة سياسية ولا تمت بصلة إلى القانون والقضاء».
وقال إن قرار المحكمة يدل على خضوع القضاء في إسرائيل إلى إرادة جيش الاحتلال، الذي يحاول التعتيم على جرائمه بحق شعبنا الفلسطيني في المناطق المحتلة». واعتبره «قراراً انتقامياً يسيء لحرية الإبداع الفني، وينبغي أن على كل من تعز عليه الحقيقة، أن يتجند لإلغاء هذا القرار المشين».
وفيلم «جنين جنين»، وثائقي تم إعداده عن الأحداث التي وقعت في مخيم جنين للاجئين الفلسطينيين في أبريل (نيسان) 2002.
ففي حينه، وبضمن الاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية والتي أطلق عليها الجيش اسم «الدرع الواقي»، دخلت قوة كبيرة من جنود الاحتلال، ووقعت في كمين فلسطيني، فقتل 23 جنديا و50 فلسطينيا.
واعتبر الفلسطينيون العملية «مذبحة»، إذ كان بين القتلى نساء وأطفال إضافة إلى المسلحين، مع إقدام القوات الإسرائيلية على تدمير عشرات البيوت.
ودخل بكري وطاقم التصوير المرافق له، إلى المخيم بعد ثلاثة أسابيع، ووثق أقوال سكانه من ذوي الضحايا. ومنذ ذلك الحين يتعرض بكري للملاحقة من السلطات الإسرائيلية والإعلام الإسرائيلي، وحتى من المؤسسات الفنية، لدرجة مقاطعته شبه التامة والمساس بمصدر رزقه، علما بأنه كان أحد أبرز نجوم السينما والمسرح في إسرائيل.
وقد اعتبر الحملات ضده «عملية كمّ أفواه». وقال: «إنني أتعرض لحملة تحريض دموي طيلة 18 سنة».
وخاض بكري نضالاً قضائياً وشعبياً متواصلاً، تلقى فيه دعماً واسعاً من فلسطينيي 48 وبعض القوى الديمقراطية اليهودية، رافضاً طلب الجيش الإسرائيلي، الاعتذار للجنود، الذين اتهمهم في الفيلم بارتكاب جرائم حرب. وفي هذه الأثناء، منعت الرقابة العسكرية الإسرائيلية عرض الفيلم، لكن المحكمة العليا، سمحت بعرضه مجدداً بعد التماس تقدم به بكري. وقال دفاعاً عن موقفه: «أعددت فيلماً كي يكون منصة للفلسطينيين يتحدثون فيه عما شهدته جنين آنذاك، بدون أن أعرض أي اسم أو صورة لأي جندي إسرائيلي، بحيث إن كل ما تم عرضه عنهم هو من الأرشيف وليس من تصويري، ومن ناحيتهم هم يدعون بأن الفيلم بأكمله افتراء ولا يمت للواقع بصلة».
وبعد فشل المحاكمة ضده، لجأ الجندي مغناجي إلى محكمة اللد في دعوى مدنية، يقول فيها إن إظهاره في الفيلم كان تشويه سمعة وقذفاً وتشهيراً، وطلب تعويضات بقيمة 2.6 مليون شيكل (812 مائة ألف دولار). وانضم المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، أفيحاي مندلبليت، إلى الدعوى. وقبلت المحكمة الدعوى لكنها خفضت مبلغ الغرامة.
واستنكر وزير الثقافة في الحكومة الفلسطينية، عاطف أبو سيف، في بيان له أمس، قرار المحكمة، وقال إن «ما يقوم به الاحتلال من ملاحقاتٍ وتضييقٍ على الفنان بكري، يأتي في سياق محاربة الرواية الفلسطينية، من خلال منع عرض أعماله التي تكشف وجه الاحتلال وجرائمه وطمس الرواية الفلسطينية وبث روايته المزيفة». وقالت النائب عن «القائمة المشتركة»، عايدة توما - سليمان، بعد صدور قرار المحكمة: «قرار المحكمة حلقة إضافية في سلسلة سياسة كم الأفواه. الاحتلال يرتعب من كشف وجهه الحقيقي، وهذه المرة يحارب حقيقته البشعة برعاية المحاكم والقضاة».