الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

البدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة: تعطيل الوعي وتعليق التاريخ

البدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة: تعطيل الوعي وتعليق التاريخ

تاريخ النشر: 2026-02-08 | 12:18

تُظهر تجارب النظم السياسية المعاصرة، ولا سيّما السلطوية والأيديولوجية منها، مَيلًا متزايدًا إلى إعادة إنتاج شرعيتها عبر آليات لا تقوم على الفعل الديمقراطي بوصفه ممارسة تاريخية مُؤسِّسة، بل عبر سلوك سياسي محكوم بغياب الوعي الجمعي، يستند إلى العصبية القبلية بوصفها محرّكًا للفعل، وإلى الأيديولوجيا كأداة تبريرية، وإلى الاقتصاد الريعي "الغنائمي" كغاية للممارسة السياسية.

وفي هذا السياق، يجري توظيف البُنى الاجتماعية، كالقبيلة والعائلة والطائفة، ضمن صيغ تمثيلية شكلانية، تُستعار من النماذج الديمقراطية الحديثة دون تفعيل شروطها التاريخية والمعرفية. وفي هذا الإطار، لا تعمل الديمقراطية بوصفها منظومة قِيم وممارسات تُنتج الفضاء العمومي، بل تتحوّل إلى بُنية إجرائية تُسْقَط على محتوى اجتماعي بدائي، بما يسمح بإعادة هندسة الرأي العام عبر الولاءات القبليّة الأولية، لا عبر النقاش العقلاني الحر. وبهذا المعنى، يغدو التمثيل السياسي تقنية للضبط الاجتماعي أكثر منه تعبيرًا عن الإرادة العامة.

ينتج عن هذا الترتيب مأزقٌ معرفيٌّ مزدوج: فمن جهة، يُعاد إنتاج وعي بدائي يستند إلى الموروث بوصفه سلطة مغلقة غير قابلة للنقد، تُعطِّل الفعل العقلي وتختزل الذات في انتماءات قبَليّة وولاءات تنظيمية. ومن جهة أخرى، تُطرَح شكلانية معاصرة تفصل العقل عن سياقه التاريخي، وتختزل الحداثة في أدوات إدارية وإجرائية، دون مُساءلة الأسس الاجتماعية والسياسية التي يُفترض أن تنبثق عنها هذه الأدوات. وبذلك، لا تقوم البدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة بوصفهما نمطين متعارضين، بل كآليتين متكاملتين لإدارة الوعي وتعليق الفعل التاريخي، حيث تُفرَّغ السياسة من بعدها التحرّري وتُعاد صياغتها كأداة ضبط لا كفضاء صراع عقلاني.

ولا يشكّل هذا الازدواج تناقضًا، بقدر ما يمثّل تقاربًا وظيفيًا؛ إذ تتكامل البدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة في إنتاج وعيٍ مُدار، منزوع التاريخ، قابل للتعبئة والانضباط. فالبدائيّة توفّر التعبئة الانفعالية والامتثال الرمزي، بينما تُؤمّن الشكلانية الغطاء العقلاني والمؤسسي لاستدامة هذا الامتثال. أي أنّ المجتمع يُدفَع، في آنٍ واحد، إلى إعادة إنتاج الولاءات القَبَليّة والعصبوية، وإلى القبول بأشكال حُكم حديثة ظاهريًا، دون أنْ يمتلك أدوات مساءلتها أو إعادة تعريفها. ويُفضي هذا التقارب إلى ما يمكن تسميته بـ تعليق الزمن التاريخي، حيث يُمنَع المجتمع من التحوّل إلى فاعل تاريخي، ويُختزل إلى موضوع للإدارة السياسية.

إنّ تجاوز هذا المأزق لا يمكن أنْ يتحقق عبر إصلاحات سطحية أو استيراد نماذج مؤسسية جاهزة، بل يتطلّب قطيعة إبستمولوجية "قطيعة معرفية" بالمعنى الذي صاغه غاستون باشلار وعمّقه لويس ألتوسير. وتتمثّل هذه القطيعة في الانتقال من أنماط الوعي العامي والأيديولوجي إلى أنماط التفكير العلمي والنقدي، دون أنْ تعني القطيعة هنا إلغاء التراث أو القفز عليه، بل تحريره من وظائفه التبريرية، وإدخاله في أفق التحليل التاريخي؛ فالعقل بلا نقل تيهٌ وضياع، والنقل بلا عقل جمودٌ واختزال.

وفي هذا السياق، تُفهم الحداثة لا بوصفها منظومة تقنية أو نموذجًا جاهزًا، بل باعتبارها مشروعًا نقديًا لتحرير العقل من أنماط الوصاية المعرفية والسياسية. ومن ثمّ، يغدو نقد العقل العربي مهمة داخلية، تستند إلى أدوات الحداثة ذاتها لا إلى استنساخها، وتتجاوز الثنائية الاختزالية بين تقديس الماضي ورفضه جملةً وتفصيلا.

ويقتضي هذا المسار تأسيس إنتلجنسيا عربية جديدة—بوصفها طبقةً مثقفة نقدية—لا تؤدي وظيفة النخبة الشكلانية المنفصلة عن البُنية الاجتماعية، ولا دور الحارس الأيديولوجي للموروث، بل تضطلع بوظيفة الوسيط النقدي بين التراث والواقع، وبين المحلي والعالمي.
إنتلجنسيا قادرة على تفكيك المنظومات الفكرية التي تُعيد إنتاج الاستبداد، وعلى إعادة وصل الفكر بالفعل التاريخي.

وعليه، فإنّ معركة التطور الحضاري في السياق العربي تبدأ بتفكيك هذا الترابط البنيوي بين البدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة، بوصفه أحد أهم آليات تعطيل الوعي وتعليق التاريخ. فاستعادة الإنسان لفاعليته التاريخية تظلّ الشرط الضروري لأي مشروع تحوّل سياسي أو اجتماعي ذي معنى.

وفي ذات السياق، لم تكن الحالة الفلسطينية منعزلة عن فضائها العربي؛ فقد كان للبدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة انعكاسها في الواقع الفلسطيني. ففي لحظة سياسية فارقة تتكثف فيها أزمة التمثيل والشرعية الفلسطينية، في ظل خطوات متسارعة لفرض الوصاية على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، جاءت الدعوات لإجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في الفاتح من نوفمبر القادم، بالتوازي مع الدعوة لانعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح في مايو المقبل لانتخاب أُطر قيادية جديدة. وتكتسب هذه الاستحقاقات دلالة إضافية في أعقاب حرب أكتوبر 2023، وما أفرزته من إعادة تشكيل جزئي للمشهد السياسي، بما في ذلك خروج حركة حماس من الحُكم المباشر في قطاع غزة، دون أنْ يقترن ذلك بإعادة نظر بنيوية في أنماط الفعل السياسي أو بمراجعة نقدية جذرية لعلاقة الحركة بالسلطة أو بالانقسام. وهو ما أسهم في إعادة إنتاج حضورها السياسي عبر خطاب تعبوي ورمزي، يسمح لها بالبقاء فاعلًا مركزيًا في المشهد، دون تفكيك البُنية التي أسهمت أصلًا في تعطيل المشروع الوطني أو في تكريس أسس الانقسام القائم، وبما يعيد إنتاج منطق البدائية الشعبوية ضمن شكلانية سياسية جديدة.

في هذا الإطار، تكتسب هذه الاستحقاقات الفلسطينية دلالة معرفية وسياسية تتجاوز كونها مجرد إجراءات تنظيمية أو انتخابية. فهي تشكّل اختبارًا حقيقيًا لطبيعة البُنية الفكرية والسياسية السائدة، ولقدرة الفعل السياسي الفلسطيني على التحرّر من آليات البدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة التي تعطل الوعي والتاريخ. وبذلك، تصبح الانتخابات القادمة ومؤتمر حركة فتح فرصة لمساءلة وتفكيك العلاقة بين الشرعية الشعبية والتمثيل الرسمي، ولقياس مدى إمكانية تأسيس ممارسات سياسية تُعيد للفعل التاريخي الفلسطيني صوابه ومكانته كفاعل نشط داخل سياقه التحرري النقدي ومساره الحضاري.
والسؤال الذي تفرضه هذه اللحظة ليس فقط كيف يُعاد بناء التمثيل، بل كيف يمكن كسر البُنية التي حوّلت السياسة من أفق للتحرّر إلى آلية لإدارة الزمن الفلسطيني خارج التاريخ.

×
أخبار
فايننشال تايمز: السقوط السريع لـ "المَخَا" يضع السعودية أمام اختبار استراتيجي متجدد على الساحل الغربي لليمن الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حربا بين أمريكا والصين بسبب تقديره الخاطئ كتاب جديد لديفيد كورن يرصد عقداً من "الحرب الرمادية" الروسية للتأثير في السياسة الأميركية ترامب يعلن منع وسائل إعلام أميركية من دخول البيت الأبيض تحقيق عبري يفتح ملف تمويل حماس و أموال قطر تهز نتنياهو أ  ب: انهيار مبنى مميت في غزة يكشف مخاطر السكن وسط تعثر جهود إعادة الإعمار غوتيريش يأسف لرفض أمريكا منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط