قبل سنوات خمس مضت من الان كان العالم العربي يتلحف بامطار الشتاء البارد ويغط في نوم من السكون والثبات في سبات يتقلب بها على نار هادئة من لسعات سياط سوء الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المزرية التي كان يلتسع بها في لا مبالاة سرمدية من قبل حكامه وحكوماته قبل ان يحل عليه الربيع العربي الذي ازهر حرية ووطنا برائحة الياسمين مسربلة بطعم الدم والبارود حيث ان ازهار وورود الربيع العربي لم تتفتح الا بعد قربان البوعزيزي الذي فدا بجسده الطاهر وروحه الملهمة حرقا في سبيل حرية تونس الخضراء ليصبح رمزا ملهما لشعبه الفقير والمكبوت والمظلوم منذ سنين لينتفض في وجه جلاديه وجلاوزته من السياسيين ليكون جسده المسجى والمفحم من جراء اقدامه على الانتحار حرقا اعتراضا منه على سوء تصرف شرطية صفعته على وجهه قائلة له بلغة فرنسية ولكنة عربية ارحل ليرحل بعدها نظاما استبد وتجبر وليرحل من بعده انظمة ظنت انها ابدية ولتنطلق من بعد بو العزيزي ثورة الياسمين التونسية التي قلبت موازين الشرق والغرب من ادناه واوسطه الى اقصاه وليلهم البو عزيزي وشعبه شعوبا عربية لتحذو حذو ثورة الياسمين وتنتشر عدوى الربيع العربي معظم بقاع الارض العربية الحبلى بالظلم والاضطهاد والتهميش والنهب والسلب والفقر والاستبداد منذ عقود كثيرة مضت . لو تتبعنا حادثة محمد البو العزيزي التي فجرت الثورة التونسية واشعلت نيران الربيع العربي لوجدنا ان شرارة حادثة البو العزيزي العفوية كانت انطلاقا من الشعور بالبؤس والغلب والظلم والبطالة وضنك العيش والفقر والاضطهاد ومنع الحريات وعوز لقمة العيش والوصول الى مدى قاس من الاهانة في تحصيلها والحصول عليها بعدما اقدمت شرطة بلدية مدينة سيدي بو زيد على مصادرة عربة او بسطة محمد البو العزيزي الذي كان يبيع عليها الخضار والفواكه لكسب رزقه حيث تم منعه من شرطة البلدية متمثلة بالنظام الحاكم انذاك من ممارسة ادنى الحقوق الادمية الا وهي ممارسة هواية البحث عن عيشة بكرامة في ظل حياة تئن من السقم والبؤس والمهانة لتحصيل قوت يومه الذي يقتات منه مما اضطره لتقديم شكوى في حق البلدية احتجاجا منه على مصادرة البسطة وضد الشرطية التي اهانته وصفعته امام الملا وقالت له بالفرنسية ارحل فما كان من شرطة البلدية الا ان رفضت قبول الشكوى مما ادى بمحمد البوعزيزي بقيامه يوم الجمعة 17 ديسمبر عام 2010م بإضرام النار في نفسه أمام مقر ولاية سيدي بوزيد احتجاجا على ذلك لتصبح كلمة ارحل التي قالتها له الشرطية شعار الثورة للإطاحة بالرئيس التونسي بن علي وكذلك شعار الثورات العربية المتلاحقة مما أدى ذلك لانتفاضة شعبية وثورة دامت قرابة الشهر أطاحت بالرئيس زين العابدين أما محمد البوعزيزي فقد توفي بعد 18 يوماً من إشعاله النار في جسده ومن ثم أضرم على الأقل 50 مواطناً عربياً النار في أنفسهم لأسباب اجتماعية متشابهة تقليدا لاحتجاج البوعزيزي .
ها هو نفس السيناريو ونفس القصة ونفس الحبكة وعقدتها يتشابه فيه بطلي القصة دراميا وتراجيديا وااسف ان اقول بنفس الفكاهة والكوميديا البائسة والمؤلمة والهزلية بشتى تناقضاتها هنا في غزة نفس السيناريو يتكرر ويتجدد وها هو التاريخ يعيد نفسه رغم قرب الزمن في حادثة مشابهة ومماثلة لحادثة البو عزيزي مع محمد ابو عاصي صاحب بسطة روتس الغلابة من شتى النواحي والظروف والملابسات والشواهد تتوازى فيها الحادثتان الذي اقدمت فيها ايضا شرطة بلدية غزة من منع محمد ابو عاصي من ممارسة ادنى حقوق البشر في ممارسة هوايتهم التي اجبرتهم الظروف القاسية في غزة من جوع وحصار وبطالة واذلال وفقر ومرض على احترافها الا وهي هواية البحث عن سبيل لغريزة الحياة وهواية البحث عن لقمة يسد بها الرمق لعله يمد بها رئتيه للصمود على التنفس لايام او لسويعات معدودة هواية لا تحتاج سوى بسطة بسيطة متواضعة تتكون من طاولة وعدد من الكراسي القديمة ليبيع عليها الذرة للمصطافين على كورنيش وشاطيء مدينة غزة حيث اقدم محمد ابو عاصي هو ايضا على الانتحار بشرب السم وهو يرقد الان في المشفى ما بين الحياة والموت راجين له من الله السلامة والعافية وذلك احتجاجا واعتراضا منه على محاربته في لقمة عيشه من قبل بلدية غزة واستياءا منه على سوء المعاملة ومنعه من ممارسة هواية غريزة الحياة المقدسة التي تجلب له ولاسرته قوت يومه وتحفظ له كرامته عن مد يد العوز او التسول في ظل اوضاع غزة البائسة والتي هي عبارة عن شواقل معدودات لا تكفي ان تسد ثمن لتر واحد فقط من وقود البنزين من نوع 91 الرديء لسيارة فاخرة وفارهة ومكيفة لاي عضو من اعضاء مجلس ادارة بلدية غزة المصونين . لا ادري هل لحسن المصادفة ام لسوئها ؟ تتشابه الاحداث والظروف والمواقف والشواهد لكلا الشابين ولنفس ظروف البؤس والاوضاع المعيشية ولنفس الشخوص والمعطيات السياسية والاقتصادية فالبو عزيزي كان شابا عاطلا عن العمل ينتابه شعور بالغربة في وطنه اثر العيش بكرامة على العيش بذلة ومهانة واجتهد وابتدع عربته التي يبيع عليها ليصد عن نفسه تقاعص رعاة الوطن وابو عاصي اجتهد وابتدع بسطة روتس الغلابة لنفس الغرض ليتحمل مسئولية خيبة الراعي وفشله البو عزيزي كان يعاني من البطالة والفقر والاهمال والتهميش وسوء الاحوال السياسية والاقتصادية وابوعاصي في غزة ذاق من نفس الكاس وتذوق نفس المرارة عانى من سوء الاوضاع وذاق الفقر وابتلي بالبطالة البو العزيزي اقدم على الانتحار مستخدما وسيلة الحرق اعتراضا واحتجاجا على الظروف سابقة الذكر وابو عاصي ايضا اقدم على الانتحار مبتدعا وسيلة لا تقل خطورة عن الحرق باستخدام السم اعتراضا واحتجاجا على الظروف نفسها ايضا . البو العزيزي تضامن معه كل فئات الشعب على جميع وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي واحدث ضجة اعلامية وصدحت ارجاء مأساته استهجانا واستنكارا من قبل كل فئات الشعب التونسي وابو عاصي خلق تعاطفا كبيرا من جموع فئات الشعب الفلسطيني بكافة اطيافه خاصة في غزة واوجدت حادثة ابو عاصي صدى من الاستهجان والاستنكار لا مثيل له في غزة تمخض عنها حالة من التململ والتصدع في نفوس وارواح واجساد الغزييين على الملأ في الشارع ووسائل التواصل الاجتماعي وصفحات ومواقع الانترنت والهاشتاجات والمنشورات والتغريدات والمقالات المعبرة عن سخطها وغضبها عن ما آلت اليه اوضاع الغزييين ونفاذ صبرهم ما لم تحدثه مرارة الحروب والفتن والانقسامات من قبل ذلك .
تشابهت كل هذه المشاهد والاحداث والمواقف وترادفت في الاوضاع والظروف والحيثيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية . فهل تتشابه في الشرارة وانطلاقة ثورة الياسمين التي امتدت وخلقت الربيع العربي ؟
وهل يصنع ابو عاصي ثورة ازهار البرتقال في غزة تيمنا بثورة الياسمين التونسية ؟ لكي تحلق غزة بطائر النورس على شاطئها وترسو على مرفأها ثورة الربيع الماطر من جديد ؟ هذا ما ستقشع عنه غبار غزة الايام القادمة !!!!!