منذ أن بدأ ما يسمى بالربيع العربي والعالم العربي يشهد تحولات خطيرة بكل تفاصيله مجتمعات ودول ومؤسسات, ولا شك بأن حالة الفوضى الخلاقة التى طرحتها كونداليزا رايس أرخت بظلالها على مراكز القوة في المنطقة فلم تتوقف أمام إسقاط نظام أو صعود آخر لكن المسألة تعدت ذلك بكثير, الأمر الذى أصبح فيه اتخاذ المواقف المنوطة باللاعبين الأساسيين في عالمنا العربي واجبه وجوب لا لبس فيه, وأستغرب هنا موقف الخليج العربي بقيادة المملكة العربية السعودية وبما تحمله من صفات عديدة تمكنها من اتخاذ مواقف حاسمة ليس لوقف التمدد الشيعي ونفوذ ايران فقط , بل لتحمى ما تبقى من عروبة المنطقة, وما حصل في مصر من تغيير للمشهد السياسي والذى نعلم جميعا بأن التغيير كان قد صب بشكل مباشر في مصلحة المنطقة بشكل عام والخليج العربي بشكل خاص.. نظرا لما كان آتٍ لها , وقد تابعنا جميعا مواقف الخليج من تغيير المشهد وحجم الدعم الذى تلقته مصر سياسيا وماليا ومازال ,, ولكن ليس المقصود أن تكون المواقف ردة فعل غير مدروسة .. فالدور المنوط بالسعودية بحجمها ووزنها العربي والإسلامي والاقتصادي ولا أقول مقارنة بإيران والدور التي تلعبه فى كلٍ من العراق ولبنان وسوريا واليمن فدوله واحدة وقد تكون معزولة دوليا ومعاقبة منذ مشروع قانون (داماتو) الأمريكي عهد الرئيس كلنتون ولما لهذه العقوبات من تأثير إلا أنها مازالت تعيش بتفاصيل المنطقة وخصوصا في بعض مفاصلها كدورها في العراق منذ احتلاله وسقوط صدام حسين, وسوريا العربية وما تمثله من مكانه عروبية وجغرافيا , واليمن وما تمثله من خطوط تماس مع السعودية .. فلو نظرنا حجم المساعدات المالية والعسكرية واللوجستية المستمرة في بعض الجبهات, والسياسية في جبهات أخرى قد ترى أرقام صادمة كونها تصدر من دولة تعيش في أزمات مالية وعقوبات اقتصادية عالمية خانقة هذا بالنظر إلى تصاعد وانخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية الذى يؤثر بطبيعته على الوضع المالي لهذه الدولة إلا أن دورها في مساعدة لبعض مفاصل المنطقة لم يتأثر, وعلى العكس فقد ازداد حجمه بعد أزمة سوريا .. فمثلا تتحدَّث تقديرات الخبراء أن المساعدات الإيرانية للنظام السوري تتراوح بين ( مليار وملياري دولار شهريًّا)، ويتم إنفاق نحو( 500) مليون دولار على المساعدات العسكرية، يذهب معظمها إلى قوات الدفاع الوطني، التي باتت تدار بصورة أو بأخرى من قِبَل قادة تابعين لفيلق القدس التابع للحرس الثوري، وعند حساب الودائع البنكية والمنحة النفطية إضافة إلى المساعدات العسكرية ترتفع التقديرات إلى( 10 مليارات دولار شهريًّا), أما العراق فإن تقديرات أميركية جاءت في وثيقة مسربة لويكي ليكس عن أن الدعم المالي الإيراني للميلشيات العراقية تراوح بين( 100 و200 مليار دولار سنويًّا ), وإذا أخذنا المساعدات لحزب الله فإن الأرقام غير دقيقه حسب بعض تقارير الخبراء نظرا لآن حزب الله كمنظمة تأخذ معاملاته الطابع السرى, إلا أن بعض تقديرات المختصين أظهرت بأن المساعدات التى يتلقاها الحزب تتراوح بين( 60 و200 مليون سنويًّا) خلال العقد الماضي, ناهيك عن اليمن ودعم الحوثى بدءَ من مساعدته عبر تسليح ميليشياته حتى إسقاط نظام صالح والآن احتلال صنعاء وانقلابه على الرئيس المنتخب والشرعي أمام العالم ,, حيث قدمت إيران مساعدات مالية وعسكرية للحوثيين، وساندتهم في حربهم ضد نظام علي عبد الله صالح، وتصاعد الدعم الإيراني خلال السنتين الأخيرتين، وخلال العام الماضي 2014؛ دربت إيران العشرات من العناصر الحوثية في قاعدة تابعة للحرس الثوري قرب قم، فضلاً عن إرسال عشرة من الخبراء الإيرانيين لمساعدة قادة الميلشيا الحوثية على الأرض في اليمن, وتبدو إيران غير عازمة على تخفيض مساعداتها لليمن، وتشير بعض المعلومات إلى أن إيران ضاعفت من مساعدتها للحوثيين خلال الأشهر الأخير، وعقب احتلال العاصمة صنعاء، وتتضمن خطة الدعم الإيرانية بنودًا اجتماعية ومشاريع تتعلق بالبنية التحتية؛ وذلك لتعزيز دور ومكانة جماعة الحوثي في المجتمع اليمني .
إذا هو الدور والحضور,, والسؤال الذى طرحناه قبل ذلك : ما الذى تنتظره المملكة العربية السعودية القائد في الخليج العربى والمنطقة العربية أمام الحضور الإيراني المالي والسياسي واللوجستي في مناطق محيطة أصلا بالخليج؟؟ ومتى ستتحرك وفق برنامج واستراتيجية لوقف التمدد الإيراني الذى يعمل ليس فقط لتوسيع نفوذه بل لتمزيق الوطن العربى؟؟ لماذا لا تستغل امكاناتها ونفوذها في اليمن كما بسط يده الإيراني في سوريا؟؟ أهكذا يكون تأثير أكبر دولة عربية من حيث مكانتها السياسية والاقتصادية وقبل كل شيء الدينية؟؟
لقد تابعنا لقاءات الملك سلمان مع بعض قادة المنطقة كالرئيس السيسي وأردوغان التركى, وبما أنه قيل الكثير حول تلك التوجهات إلا أننا نأمل ألا تكون أى من التوجهات على حساب الغياب الخليجي العربي ووضع حد للحضور الإيراني وإلا ستأتي لحظات لن تكون قادرة لا السعودية ولا غيرها من الوقوف أمام هذا التغول الإيراني في المنطقة والذى هو بكل تأكيد برعاية أمريكية..