تاريخ النشر: 2022-11-27 | 14:42
تاريخ النشر: 2022-11-27 | 14:42
حياة البشر على أي أرض تصنع تاريخا، وبمقدار انسجام البشر مع الجغرافيا يصبح هذا التاريخ ملهما، ومع الزمن وتداول الصراعات يتكشف الجييولتيك سيد المكان عن حقيقته وخصوصيته وامكاناته، فلكل مكان عبقريته في تحديد مهمات اهله الذين لا يستقر امرهم الا بالخضوع لما انتخبوا له من رسالة، وفي الأرض كما في الجسم مواضع مركزية تحددها الجغرافيا والمناخ والقوى المغناطيسية فيها، وفي تاريخ البشرية الطويل تبرز أهمية موقع المشرق العربي وامتداداته شرقا وغربا حيث يتوسط الكرة الأرضية والكتلة البشرية والتوسط هنا ليس فقط في الموقع والانتصاف انما كذلك في الشهادة والمركز وكان له ان استقبل كل الأنبياء والرسالات وحوى كل الأماكن المقدسة القدس ومكة والمدينة.. ومن هنا ظل النظر البشري لهذا الموقع على اعتبار ان المعارك لا تنتهي الا بالسيطرة عليه ولا سيطرة على القرار الكوني بدون وضع اليد على المشرق العربي.. هذه استخلاصة تاريخية للصراع الكوني عبر آلاف السنين وهي تتجلى اليوم بأكثر وضوحا.. ومن هنا يصبح البحث عن مكانة فلسطين ليس كقضية وطنية فحسب بل وقومية وإنسانية بشكل مباشر.
هزيمة الامبراطوريات:
قبل ان يهتدي العرب لمهمتهم التاريخية الإنسانية عاثت في ارضهم امبراطوريات الفساد والعتو الطاغوتي فمن امبراطورية الفرس عبدة النار والاستخفاف بالإنسان واستعباده الى امبراطورية الروم وقهرها للآخرين وجعل القوة القاهرة سبيلها الى تدخلات الاحباش الذين هددوا كل مقدس لدى العرب.. وتبعتهم الحملات الصليبية وما انبثق عنها من حملة الإمبراطورية الفرنسية والإمبراطورية الانجليزية والحملات الإيطالية والبرتغالية على بلاد العرب مشرقا ومغربا، ولقد اندحرت كل هذه الحملات وسقطت كل هذه الامبراطوريات.. ولم يبق في الجغرافيا الا أهلها بعكس ما تم في أمريكا الشمالية وامريكا اللاتينية حيث تم استبدال أهلها تماما بأناس غريبين عن المكان وبسمات إنسانية مختلفة..
ويقدم محللو التاريخ وحركته أسبابا عديدة لانهيار الامبراطوريات السابقة ويميلون جميعا الى التفسيرات المادية التي تتعلق بقوة الإمبراطورية وضعفها لأسباب عديدة ولا يقترب احدها من السبب الرئيسي، وقد يشمل التحليل مقاومة أهل البلد في معركة ما وموقع ما ولكن ذلك كله دون الاقتراب من سطوة الجيوبوليتيك وقوانين التاريخ الجغرافي..
ان المتعجلين في الحكم على الصراع ونتائجه لا يرون ان هذه البقعة الجغرافية استثناء جغرافي وانها خاصة بمهمات خاصة للشهادة على العالم ولذا ازدحمت بالأنبياء والرسل والصالحين والحكماء والفلاسفة والادباء والفن والشعراء والعرفانيين والأماكن المقدسة ففي مثلث محدد الاضلاع كانت رسالات السماء تتنزل لتصيغ المنطقة صياغة خاصة ولتشير الى أهمية الموقع بشكل استثنائي.. وبهذا تصبح الجغرافيا الخاصة غير محتملة على الاطلاق ان يتجشمها أناس بغير ما تنتخب من مهمات.
انهزمت الإمبراطورية الرومانية لأنها اقتربت من بلاد العرب وحاولت إيجاد مهمات غير تلك التي تتطلبها المنطقة، انهارت عندما فقدت المركز الذي لن يكون لها فتساقطت شرقا وغربا في حروب لم تغن ولم تسمن وقاومها العرب في غرب بلادهم واستنزفوها حتى سقطت بلا اثر في التاريخ القيمي للبشر ولم تترك سوى قوانين مستبدة او حجارة بلا روح ولا مقدس.. واما الفارسية والبيزنطية فكان سقوطهما اكثر وضوحا عن هشاشة المبنى والمعنى فتحت اقدام خيول الفاتحين المغاوير انهار عرش كسرى وفيالق قيصر في عقود قليلة من الزمن فيما دخل المصريون في الصياغة الحقيقية للمنطقة سريعا ليصبحوا جزءا من استرداد الجغرافيا لمهمات أهلها..
اما المغول فكان امامهم بعد ان اجتاحوا المنطقة ان يسلموا بمعنى ان يندمجوا في رسالة اهل المكان او يرتدوا فاختاروا الإسلام بعد انتصاراتهم الرهيبة وتلاشى طغيانهم بانهيار سريع اما الصليبيين فكان التحدي امامهم هو نفسه الا انهم انساقوا الى الرحيل عن المنطقة وحالت عنصريتهم وعدم قبولهم بالآخر الى الانغلاق عن استيعاب رسالة المكان ورغم تردد الامبراطوريات الفرنسية والانجليزية على المنطقة الا انها دوما كانت تترك جثث جنودها وعتادها في ارض المعارك مهزومة مرذولة وكان كل عفاريت الكون تتناوشها فالمكان له سلطان عجيب في رفض الغزاة الخارجين عن سياق المنطقة ورسالتها..
وفي المرحلة التي نعيش رغم هزال الحكام وجهل كثير منهم وتواطؤ البعض مع العدو الا ان كل قوة الإمبراطورية الامريكية والغربية المعاصرة فيعد هزيمة الفرنسيين المدوية في الجزائر بعد مقاومة استمرت 132 حول انتهت امريكا الى هزيمة نكراء في العراق مما اضطرهم الى الرحيل بعد خسارات لحقت بصميم عجلة الاقتصاد الأمريكي وبأضرار فادحة في عسكريتهم ونظرياتهم ولن يجرؤوا على العودة من جديد للمنطقة.. فيما هم يعيشون مراحل متقدمة من الانهيار الذاتي الإداري والسياسي والقيمي
نحن الآن امام حلقة أخيرة من الهجمات الامبراطورية على المنطقة وقد ترك الاستعماريون مسمار جحا لهم في المنطقة -الكيان الصهيوني-يزودونه بفضل أموالهم ليستمر في استنزاف المنطقة وارباكها وابتزازاها.. ولكن لا يغيب عن الامريكان بل وقادة الكيان الصهيوني ان هذه البقية من المشروع الاستعماري تسير نحو مآلها الحتمي خلال عقود قليلة آتية.
ومن سوء حظ الإمبراطورية الامريكية وتوابعها ان مصيرها مرتبط بمسمار جحا وهي تخوض معاركها الضارية في مناطق عديدة من الكرة الأرضية الامر الذي سينعش المنطقة من جديد لبعث أهلها لدورهم التاريخي الطبيعي بالقيام بالشهادة على العالمين واستحضار بركات الرسالات والانبياء ولكن بعزيمة الفاتحين المغاوير مهما حصل اختلاف في الأدوات والأساليب.
ليس للانهيار الا مزيد من الانهيار:
بنظرة سريعة الى سير الصراع الكوني وتدافع المناهج والمصالح نكتشف بسهولة انه صراع صفري لن يخرج منه الامريكان والغربيون كما كانوا قبله ولن يكون الروس باحسن حال .. فامريكا التي تنز قيحا ودما جراء هذا النزف الرهيب في هيبتها كدولة صانعة القرار الدولي والتسيد على العالم تعيش في الوقت نفسه انشقاقات مجتمعية خطيرة تصل الى حد تمزق الولايات وتهديد الامن القومي جراء التطرف اليميني واستغوال الاعلام وهوليود والمخابرات التي تصطف جميعا في مواجهة قوى اليمين المتطرف وهنا تتنازع قوى المال والمجتمع في قضايا جوهرية داخلية وخارجية وليس امامها الا المزيد من التناقض في ظل الصراع الخارجي الحاد.. واما روسيا فهي تدفع بابنائها واستقرارها الى المحرقة وتجعل من نفسها في ميدان الاستهداف الراسمالي بشتى أنواع السلاح المتطور وقد تعرضت سمعتها كدولة عظمى الى تصدعات بعض ان اضطرت لانسحابات مذلة في اكثر من مكان.. اما اوربا فحالها يغني عن السؤال عنها فهي تعاني جراء الازمة الأوكرانية ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وقلق وجودي فيما لو استمر انسياح نيران المعارك.. ومن هنا من جديد تطل إشارات المرحلة القادمة للمنطقة العربية.. في هيئة متكاملة بان الخط الفاصل بين مرحلة ومرحلة يبدو اكثر وضوحا..
فلسطين تسقط البرامج:
الذين تعاملوا مع القضية الفلسطينية خلال قرن من الزمان كانوا محشوين بالدوافع الوطنية والقومية والحماسة والغيرة بما يؤكد صدق التفاعل وقدموا عطاءات عظيمة وسكبوا دماء غزيرة وتضحيات جليلة ولكن دوما كنا ننتهي الى فشل فلسطيني وعربي وكان الكيان الصهيوني يتمدد في الجغرافيا الفلسطينية والعربية ذلك لأننا جميعا كنا دون التعامل الحقيقي الواقعي الطبيعي مع القضية لأننا لم نكن على مستوى راقي من الوعي التاريخي الجيوبوليتيك للمنطقة وأين تقع فلسطين في كل هذا.. ففلسطين مع انها ارض شعب وهو اصيل بها الا انها ليست قضية وطنية فقط بل هذا بعد مهما كان فاعلا الا انه جزئي وهي رغم انها قلب العروبة ومن اقدم بلاد العرب الا انها ليست قضية العرب فقط بل العرب أصحاب الرسالة ومن معهم من المؤمنين بهذه الرسالة ولها علاقة متشابكة وعميقة بقضايا الصراع الدولي ومراكز القوة في العالم ولهذا كم يبدو مضحكا عرض الأفكار والايديولوجيات التي تعاملت مع فلسطين خلال قرن فلقد كان الطرح الوطني جزئيا وهزيلا ومحدودا في تأثيره على مجمل الصراع كما ان الطرح القومي لم يستطع مبارحة مكانه من الشعارات والتشتت في مسائل أخرى وكذلك الطرح الديني التقليدي كان ضيق الأفق معزول عن فهم الواقع التاريخي للمكان اما ان يطرح الفكر المستورد لحل القضية الفلسطينية كالفكر الماركسي او الماوي او الليبرالي فهنا تكمن المهلكة المخزية..
لقد انتهى الوطنيون والقوميون واليساريون والاسلاميون الى الاستسلام بواقع الهزيمة عندما اجمعوا على التعامل مع الكيان الصهيوني انه دولة احتلال للضفة وغزة.. وأصبح الاجماع العربي الرسمي والإسلامي الرسمي وكذلك الفلسطيني الرسمي يقبل باحتلال فلسطين والقدس الغربية بل ويمنح الاحتلال شرعية قيام دولة غاصبة على ارض فلسطين.
سقطت كل المشاريع التي تعاملت مع فلسطين منذ اللحظة الأولى التي بدأت التعامل فيها مع القضية ذلك لأنها اخرجتها من سياقها الطبيعي والتاريخي والواقعي وجعلها قضية كأي قضية صراع في العالم بعناوين لا تليق بها.. فهي قضية حضارية إنسانية عالمية قومية وطنية وفي كل فرع جزئي يجب ان لا نغفل عن الاجزاء الأخرى ولا ان نعزلها عن أساس وجودها.
فلسطين والوحدة والنهضة:
كل مشاريع النهضة في بلداننا وبرامج التنمية والخطط الخماسية ذهبت هباء منثورا وتحولت الى اثر بعد عين .. ووجدنا انفسنا بعد كل خطوة كبيرة توهمنا انها أساسية في مواجهة اخطر واعنف تقودنا الى الإفلاس والانفاق غير المفيد مما يعني اهداء اموالنا واعمارنا و وتشتيت طاقاتنا واخطر مافيها العقول المهاجرة العربية التي تملا عواصم الغرب فيما تشكو مستشفياتنا من ندرة المتخصصين وتشكو اسواقنا من قلة المنتوج المحلي ولازلنا نعاني من اخطبوط تشكيكنا بهويتنا وادخالنا في المعارك الداخلية والحاقنا بقوافل اللاجئين كما حصل في سورية والعراق.
اما الوحدة فهي كلام عبث ورغم ان الكثير يطرحها مشرقا ومغربا الا ان عبث الحكام والمثقفين الحداثيين والعلمانيين وكذلك الوطنيين كرسوا بقصد او غير قصد هيمنة التجزئة ثقافة وقوانين وأوضاع الامر الذي لايمكن معه إيجاد نهضة ومنعة وقوة .. فالوحدة هنا ليست مسألة أخلاقية وقيمية فقط مع أهمية ذلك بل هي مصلحة حيوية للاقتصاد الوطني والسيادة الوطنية والوحدة هنا خط احمر ما ينبغي ابدا التساهل فيها وهي المقدس الأعلى للوطن والأمة والإنسانية.. فالوحدة بالتكامل الاقتصادي والدفاع المشترك والتعاون في شتى المجالات تعني بوضوح اننا حققنا النهضة وفعلنا ثرواتنا في تشييد صرح صناعي عملاق وحققنا الاكتفاء الذاتي غذائيا وصناعيا الى حد كبير
اما فلسطين فهنا يجب ان نفهم تماما ان لانهضة ولا وحدة وهما عصب الحياة للبلد والأمة الا بادراك موضوعة فلسطين المركزية في النهضة والوحدة ذلك لأننا هنا سنواجه العدو نفسه فعدونا في فلسطين سيمنعنا من الوحدة والنهضة وعدونا في النهضة والوحدة هو عدونا في فلسطين.. ولعلنا ادركنا كيف انهم يستكثرون علينا ان نقيم مونديال دولي لكرة القدم مع سطحيتها وتفاهتها فكيف يمكن ان يرضوا لنا النهضة والوحدة..
ثم ان الفكرة الفلسطينية يجب ان لاتنزوي باي شكل من الاشكال عن طبيعتها تحت حالة انفعال وضغط نفسي .. فليس لفلسطين الا العرب والمسلمين والاحرار، فهي ان كانت قنديل العرب في كشف قضاياهم فهي لن تضيء الا بزيتهم وسيوفهم واقدامهم.. عملية متكاملة تسير بنا لنحقق رسالة المنطقة التي ينتخبنا اليها مثلث الأنبياء.
كلمة خاتمة:
اعمى من لايستطيع رؤية العلاقة بين ما يجري في العالم واقتراب تحسس الامة للوحدة والنهضة وفلسطين فكل ضعف في جبهة الأعداء سيكون إحساس جديد بالحياة داخل الامة.. وسيكون على كل من موقعه التبشير بمستقبل الامة عمليا وقوليا.. لأننا بكل معايير السنن الإلهية والتحليل العلمي للتاريخ نقترب من الظهور اليس الصبح بقريب.