في خطابه الأخير في الأمم المتحدة توجه الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى الحضور من الوفود الدولية بقوله " إننا نطمح أن نرى دولة فلسطين المستقلة تأخذ مكانها بين الأمم، فمن أراد أن يبحث عن السلام ويحارب الإرهاب عليه أن يبدأ بحل المشكلة الفلسطينية وعندها ينتهي كل شيء"، وفي تقديري أن الرئيس عباس كان يدرك جيداً أن صبر شعبه قد نفذ ولم يعد لديه قدرة على تحمل المراوغات وعدم الوضوح وبالتالي كان يتوجب عليه أن لا يعود بخف حنين لذلك حاول أن يتحدث بلغة صارمة وواضحة لا تحمل معنين بأن الوضع أصبح لا يحتمل، فإما دولة فلسطينية تحقق للفلسطينيين أمالهم وتطلعاتهم وإما سيكون هناك ما لا تحمد عقباه من موجات عنف ولربما إستقطابات من قبل مجموعات متطرفة لأبناء الشعب الفلسطيني من الباحثين عن أمل يجلب لهم العيش بكرامة في وطن حر ومستقل، وهذا في أحسن الأحوال لم يتعدى كلام ورؤية إنشائية إيجابية جميلة دغدغت مشاعر السامعين واحيت الآمال من جديد بأن القيادة الفلسطينية لا زالت تحمل همومهم وتعبر عن أوجاعهم وألأمهم!! ، ولكن إن لم تكن مصحوبة بخطوات عملية وفورية يلتمسها الشارع من خلال البدء الفوري بإعادة الحقوق لأصحابها وبتخفيف حالة البؤس التي يعيش فيها هؤلاء، فإن كل ذلك سيتبخر كما تبخرت رؤى أخرى سابقة لم يتحسس ابناء الشعب الفلسطيني أي تغيير منها أو أنها جلبت لهم أي جديد ممكن أن يساهم بتغيير النمط الحياتي الذي لم يعد للإنسان الطبيعي أن يتحمله ، بل زادت من أرصدة فريق متنفذ وزادت من حالة الفقر واليأس والألم لأبناء هذا الشعب الذي كان يعيش الأمل و زال ينتظر ويرفض أن يراها في سياق السراب والوهم، وعندما تيقن بأن حالة الوهن في القيادة عميقة وراسخة وهي لا تملك رفاهية الاختيار فيما تقول لكي تستطيع أن تنفذ ما توعد به، لذلك جاءت حالة العنف التي تعصف بالضفة اليوم ولربما تخرج عن نطاق السيطرة في الأيام القادمة مع تزايد عدد الضحايا والدخول على خط توجيهها واستغلالها بعض الأطراف التي بدأت تعبث بمشاعر الفتية والمراهقين لتزج بهم إلى خطوط النار مدغدغة مشاعرهم بوعد الجنة ومغفرة الذنوب ، بالرغم من إيحاء القيادة الفلسطينية بأنها لا زالت هي صاحبة اليد العليا في توجيه هذا الغضب والقدرة على السيطرة عليه، وهذا يأخذنا لقراءة الواقع كما نراه ويراه الخبراء والمحللين والمراقبين المعنين بالشأن الفلسطيني :
أولاً : لو بدأنا فيما يتعلق بمحكمة الجنايات الفلسطينية ، نجد أن الجميع يتطلع إليها بأنها مجرد فصل من فصول مسرحية قائمة أصبحت مفضوحة الأدوات والأهداف ، وهناك قناعة بأن من لم يستطع الخوض من قبل في تقرير جولدستون سيعجز من جديد عن الذهاب بعيداً في التعاطي مع الملفات التي من الممكن أن تعرض على هذه المحكمة لتقترب من تجريم الاحتلال، والدليل على ذلك بأن ما قامت به وزارة الخارجية الفلسطينية متمثلة بوزيرها رياض المالكي بالإيحاء للمجتمع الفلسطيني بأنه قام بتقديم شكوى في هذه المحكمة اتضح لاحقاً عدم مصداقية ذلك أو المبالغة فيه وأن المحكمة في تلك الفترة كانت مغلقة الأبواب وفي إجازة سنوية ، وهذا يفتح الباب للتساؤل ، هل أخت السفير فلان أو بنت المندوب علان أو بنت المسؤولة فلانة المتنفذة جداً في مكتب الرئيس أو الذي لا يجيد القراءة ولا الكتابة باللغة الإنجليزية هم خبراء قانون فلسطينيين يستطيعون التعاطي مع ملفات كبيرة الحجم تتعلق بحقوق الإنسان وجرائم حرب وهم لا زالوا في هذا المضمار كفرخ العصافير حديثي الولادة ؟!!، من هنا نجد أن المصداقية في التعاطي مع هموم وألام وحقوق وتطلعات الشعب الفلسطيني لم تعد في موضع ثقة بقدر ما هي محل شك بأنها ملهاة لهؤلاء تجلب لهم الأضواء والمنفعة الذاتية فقط لا أكثر !!!.
ثانياً : الثقافة التي يتعاطى معها المقربون من مؤسسة الرئاسة هي جزء من المشكلة حيث أنها تمثل انعكاسا حقيقياً لما تؤمن به مؤسسة الرئاسة وتعطي انطباعا بأن الرئيس عباس لم يكن يوما جاداً في موضوع المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام بل كان متعمداً في قتل الوقت للاستمرار بخطوات إنشائية لم تأتي بجديد حيوي وملموس وله تأثيرات إيجابية تلامس أمال وتطلعات الشارع حيث أنها لم تحقق أي جديد على الصعيد الإنساني ، فنجد هؤلاء هم أول الذين بادروا بالتعبير عن قلقهم وتخوفاتهم من اي مصالحة فلسطينية أو وحدة وطنية منصفة وعادلة لا ترتكز على مبدأ التبعية، والتي يظنون فيها أنها تمس بنفوذهم ومزاياهم ومواقعهم ومناصبهم وهذا ما يهمهم ولا يهمهم شيء سواه!!!، فزادت الغصة في قلوب كل من يكتشف هذه الحقيقة المرة خاصة أن هؤلاء يعتبرون أن الوطن مجرد شركة استثمارية تؤمن لهم متطلبات رغباتهم وحاجياتهم لحين موعد الرحيل على حساب ألام وأوجاع شعب راسخ في وطنه ومؤمن بقضيته وهم من يتاجرون بها.
ثالثاً : الفساد الذي يملأ مؤسسات السلطة الفلسطينية والعربدة التي تمارس من قبل المسؤولين في حق الموظفين بدون رادع ولا ضمير والتمييز بين ابناء الوطن الواحد هذا من الداخل وهذا من الخارج وهذا من الضفة وهذا من غزة والذي لم يسبق له مثيل رسخ انفصالا ثقافيا بغيضاً جعل من سياسة الرئيس عباس مادة دسمة للمضغ والتسلية في صالونات ومقاهي البائسين والحردانين واليائسين، فالتقت مصالحهم جميعاً على أن الحال يجب ألا يدوم وأن الوطن الحلم ليس هذا الذي يريدون وأن ما يحصل هو صراع سلطة ونفوذ وليس صراع من أجل وطن، والتالي بدأ التخريب وأصبح الهم كيف هذا وذاك يكون وفي أي زاوية من النفوذ في مؤسسات هذا الوطن يكون!!!.
أخيراً ، الشواهد جميعها تقول بأن الرئيس عباس لم يكن مهتماً لألأم وأوجاع شعبه بالقدر الكافي يتناسب مع موقعه ومنصبه بل ساهم في الكثير منها وأغلق البيوت العامرة وبالمقابل لم يكن صلباً بما فيه الكفاية للوقوف في وجه الضغوطات التي تمارس عليه فتارة يلين وتارة يتهرب وتارة أخرى يدخل في صراع مع منافسيه ويبدأ عمليات الإقصاء في تخبط واضح وتارة أخرى يخيب الآمال وهذه غالباً النتيجة التي تكون!!!، وإغلاق الأبواب العربية في وجهه أو على الأقل لم تعد مشرعة كما كانت من قبل أصبحت الأن هي العنوان ، لذلك بدأ الرهان على شعب قرر أن ينعتق من الذل والمهانة لنهج قهره ومس بكرامة ومستقبل أبنائه ، ومن قيود وذل الاحتلال، فاستغل إعلان الرئيس عباس نفسه قبل أن يتراجع وتصبح الكلمة كلمتين وحال اللسان حالين ، وقرر ان يدق الجرس لينهي مرحلة اوسلو بالفعل لا بالقول فقط ، ومن هنا انفجرت الضفة بعد أن كانت تغلي تحت الرماد، والبعض يظنها أنها انفجرت في وجه الاحتلال وإن كان وجهها يقول ذلك، ولكن الحقيقة تقول بأن ما قبل خطاب الأمم المتحدة بأدواته يختلف عما بعده، والشعب يريد اليوم افعال لا أقوال ، وأصبح هناك ضرورة لتغيير المشهد بأدوات جديدة تقدر ألامه وتطلعاته وأحلامه وتحترم كرامته وأن توقف عن المساس بمقدراته بما يتلاءم مع تحديات المرحلة ، لذلك النتيجة يجب ألا تخرج عن إطار إنهاء الانقسام والبدء الفوري بملاحقة الفاسدين ومن ثم بمطلب إنهاء الاحتلال لتعود المصداقية لخيار شعب يتوق للحرية والاستقلال ، فتكون هناك دولة السلام لشعب يتطلع أن يعيش كباقي البشر بأمن وأمان وسلام ، لكي لا يكون لهذا الانفجار ارتدادات أخرى منها لربما السقوط أو الرحيل لنهج لم يكن على مستوى المسؤولية مما تسبب به من ألام وأوجاع لشعب غني بثقافته وإبداعاته ومحب للحياة وهو محل عز وفخار بين الشعوب، أفقرته عنتريات نهج فريق يفتقر لأصول الشعور بالمسؤولية اتجاهه فكانت النتيجة هي مأزق لرئيس لربما حاول أن يصنع المجد لنفسه على حساب ألام وأوجاع شعبه ولكنه أصبح الأن يواجه تحديات ما بين السقوط أو الرحيل وبين صناعة التاريخ برحيل الاحتلال!!!.