إنَّ المتابع لواقع التعليم في قطاع غزة بعد حرب الإبادة وما رافقها من استهداف مباشر وغير مباشر للعملية التعليمية، يدرك حجم التحديات التي تواجه وزارة التربية والتعليم في سعيها الحثيث لإنقاذ الواقع التعليمي والحفاظ على حق الطلبة في التعلم. ولا شك أن الوزارة بذلت جهودًا كبيرة في تنظيم العملية التعليمية والإشراف على المدارس والنقاط التعليمية وتوجيه الإمكانات المتاحة لخدمة أبنائنا الطلبة في ظروف استثنائية وغير مسبوقة.
إلا أن حجم الإشكاليات القائمة يتطلب الانتقال من الحلول العلاجية الآنية إلى رؤية أكثر استدامة ترتكز على التطوير الحقيقي والتخطيط بعيد المدى. فبعض القرارات، رغم وجاهة دوافعها، تبدو مرتبطة بمعالجة ظرفية للمشكلة دون أن تؤسس لحلول قادرة على الصمود أمام المتغيرات المستقبلية.
فعلى سبيل المثال، عند دراسة الوزارة إمكانية عقد امتحانات الثانوية العامة إلكترونيًا وبشكل وجاهي خلال العام الحالي، ثم التراجع عن ذلك بسبب عدم اكتمال الاستعدادات الفنية واللوجستية، كان بالإمكان اعتماد نموذج هجين يجمع بين الامتحانات الوجاهية والإلكترونية؛ بحيث يؤدي الطالب عددًا محددًا من الاختبارات الأساسية بشكل وجاهي وإلزامي، بينما تُنفذ بقية الاختبارات إلكترونيًا من المنزل. مثل هذا النموذج كان سيوفر مؤشرات أكثر واقعية على مستوى التحصيل العلمي، ويسهم في الحد من الفوضى أو على الأقل تنظيمها بصورة أفضل ضمن الظروف المتاحة.
أما فيما يتعلق باعتماد المدارس والنقاط التعليمية، فإن التوجه نحو تقليص دور النقاط التعليمية أو إخضاعها بالكامل لشروط اعتماد المدارس الخاصة قد لا ينسجم مع الواقع الميداني الراهن، خاصة في ظل استمرار استخدام عدد كبير من المدارس كمراكز إيواء للسكان، وهو وضع لا يبدو أن إنهاءه سيكون قريبًا نظرًا لما يرتبط به من استحقاقات إنسانية وخدمية معقدة.
ومن هنا، فإن الأولوية ينبغي أن تتجه نحو تطوير هذه النقاط التعليمية وتحسين جودة أدائها من خلال الإشراف المباشر والمتواصل، ووضع معايير مهنية واقعية تتناسب مع ظروف الطوارئ، بدل التركيز على إغلاقها أو الحد من عملها. فهذه النقاط، رغم ما يحيط بها من تحديات، أسهمت في الحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية التعليم خلال السنوات الماضية.
كما أن المرحلة الحالية تستدعي مراجعة بعض الجوانب المرتبطة بالمحتوى التعليمي نفسه، من خلال زيادة الأيام الدراسية تدريجيًا، وإعادة إدخال مواد وأنشطة تعليمية مساندة تساعد الطلبة على تعويض الفاقد التعليمي الذي تراكم خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، بدل الاكتفاء بالحد الأدنى من المواد الدراسية الذي فرضته ظروف الطوارئ.
ومن زاوية أخرى، فإن الاعتماد الكبير على التمويل والدعم المقدم من المؤسسات الدولية، ومنها اليونيسف، يظل عاملًا مهمًا لكنه لا ينبغي أن يكون الركيزة الوحيدة لاستمرار العملية التعليمية. فالتغيرات السياسية والتمويلية قد تؤدي في أي وقت إلى تقليص هذا الدعم أو توقفه، الأمر الذي يفرض على الجهات المختصة العمل على إيجاد بدائل وخطط طوارئ وطنية تضمن استمرارية التعليم وعدم العودة إلى نقطة الصفر عند أي تغير مفاجئ.
إن معالجة الأزمة التعليمية في غزة تتطلب تكاتفًا حقيقيًا بين الوزارة والمؤسسات الحكومية والأهلية والجهات الدولية والمجتمع المحلي، بهدف بلورة رؤية شاملة تجمع بين الاستجابة العاجلة والتخطيط الاستراتيجي طويل الأمد. فالحفاظ على التعليم اليوم لم يعد مجرد خدمة تقدم للطلبة، بل أصبح قضية وطنية ترتبط بحماية مستقبل جيل كامل وضمان حقه في المعرفة والتنمية والبناء.
والله ولي التوفيق.