تاريخ النشر: 2022-11-21 | 19:41
تاريخ النشر: 2022-11-21 | 19:41
ويمكن توصيف هذا النوع من أنظمة الحكم الذي تسعى إليه جماعة الإخوان المسلمين بأنه الدكتاتورية في أكثر تجلياتها تعبيرا عن ذلك الفكر؛ كونها تعمل على إقامة نظام ثيوقراطي ( دولة دينية ) على أنقاض المجتمع القائم الذي يعتبرونه مجتمعا جاهليا؛ يجب تغييره بالعنف؛ ومن ثم إرساء دعائم المجتمع الذي تكون فيه " الحاكمية لله " وربما نجد في تجربة حماس في غزة والترابي في السودان ما يوضح نوع النموذج الذي يجري العمل من أجل إقامته. فما دامت المجتمعات القائمة مجتمعات جاهلية كما يقول فكر هذه الجماعة؛ فمن الطبيعي أن تحضر ثقافة العنف والتغيير بالقوة باعتباره الخيار الصحيح الواجب شرعا حسب فهمها .
ومن ثم إذا كانت ثمرة الخلط بين الدين والفكر الديني, هي التحصن بالمقدس, والتستر به لإضفاء قدسية علي إمامهم وجماعتهم وأقوالهم وأفعالهم , فإن الثمرة الأخرى الأشد مرارة هي العنف الذي يشكل مكونا أساسيا من فكر وسلوك تلك الجماعة.
ذلك أنه ما دام المسلم القاعد عن الانضمام إليهم آثما. فإن هذا الآثم إذا ما تجاسر بمعارضتهم يتعين مواجهته بالعنف " ومن خرج علي الجماعة فاضربوه بحد السيف" كما يقول هذا الفكر.
وهكذا تبدأ العبارات الحادة المتوعدة بالعنف منذ البدايات الأولي؛ وفي ذلك يقول حسن البنا شعرا:
الدين شيء والسياسة غيره دعوى نحاربها بكل سلاح (16) إسماعيل الشافعي ـ الإخوان المسلمون- دعوة البعث والإنقاذ(ص30)
أما صهر البنا ...وأحد قادة الجماعة عبد الحكيم عابدين فيعبر عن ذلك شعرا أيضا في ديوانه الذي أسماه البواكير...
لنجرينها دماء جد ثائرة وثورة الحق لا يدري لها أمد
أو يصبح الشرع دستورا لأمتنا فليحذر القوم منذر صعد.
ولم يكن هذا الوعيد موجها ضد الحكام بل ضد كل الآثمين؛ أي كل من ليس عضوا في جماعتهم. فعندما أصدرت جماعة الإخوان مجلتها النذير, تعجل الشيخ عبد الرحمن الساعاتي والد المرشد العام حسن البنا في أن يجعلها نذيرا للجميع فكتب في عددها الأول مقالا عنوانه استعدوا يا جنود يقول فيه:
استعدوا يا جنود, وليأخذ كل منكم أهبته, ويعد سلاحه, ولا يلتفت منكم أحد, امضوا إلي حيث تؤمرون. ثم يقول: خذوا هذه الأمة برفق فما أحوجها إلي العناية والتدليل, وصفوا لها الدواء فكم علي ضفاف النيل من قلب يعاني وجسم عليل, اعكفوا على إعداده في صيدليتكم, ولتقم على إعطائه فرقة الإنقاذ منكم, فإذا الأمة أبت فأوثقوا يديها بالقيود, وأثقلوا ظهرها بالحديد. وجرعوها الدواء بالقوة, وإن وجدتم في جسمها عضوا خبيثا فاقطعوه, أو سرطانا خطيرا فأزيلوه. استعدوا يا جنود - فكثير من أبناء هذا الشعب في آذانهم وقر, وفي عيونهم عمي (17) مجلة النذير- أول المحرم-1357هجرية.)
والعنف هنا مقصود لذاته بل هو السبيل الوحيد , فحسن البنا يقول:
وما كانت القوة إلا كالدواء المر الذي تحمل عليه الإنسانية العابثة المتهالكة حملا ليرد جماحها ويكسر جبروتها وطغيانها , وهكذا كانت نظرية السيف في الإسلام . لم يكن السيف في يد المسلم إلا كالمشرط في يد الجراح لحسم الداء الاجتماعي ( 18) حسن البنا ـ مجلة النذير ؛ رمضان1357هجرية ؛ مقال ).
بل أنهم- وحتي أكثرهم اعتدالا- يعتبرون أن القتل سلاح في العمل السياسي يمكن لآحاد الناس أن يوقعه متى اعتقد أنه يقيم الحد...ولنتمعن هنا في شهادة الشيخ محمد الغزالي أحد أكثر الإخوانيين اعتدالا أمام المحكمة التي حاكمت قاتل د.فرج فودة الذي يجيب عبر الحوار التالي:
س- من الذي يملك إقامة الحد؟
ج- المفروض أن جهاز القضاء هو الذي يقوم بهذه المهمة.
س- هل يبقي الحد علي أصله من وجوب إقامته؟
ج- حكم الله لا يلغيه أحد, والحد واجب الإيقاع.
س- ماذا لو أوقعه فرد من آحاد الناس؟
ج- يعتبر مفتئتا علي السلطة, أدي ما ينبغي أن تقوم به السلطة.
س- هل هناك عقوبة للافتئات علي السلطة؟
ج-لا أذكر أية عقوبة في الإسلام.
محضر أقوال الشيخ محمد الغزالي أمام محكمة أمن الدول العليا في قضية اغتيال د.فرج فودة؛ الذي يقول هذا بقلب بارد متصورا أن فرج فودة هو النقيض...العدو ناسيا الحديث الشريف " لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما " أخرجه البخاري.
وناسيا رواية المقداد بن الأسود رضي الله عنه إذ قال: " قلت يا رسول الله:أرأيت إذ لقيت رجلا من الكفار فاقتتلنا فضرب إحدى يدي بالسيف ثم لاذ مني بشجرة وقال:أسلمت لله , أأقتله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله:لا تقتله, فقلت: إنه قطع إحدى يدي ثم قال ذلك؟ فقال النبي:لا تقتله, فإن قتلته كنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته " ...( أي مباح الدم ) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود.
وكان فرج فودة يعارضهم بقلمه , مجرد القلم ولم يقطع لهم يدا ولا إصبعا, وكان في كل يوم يقر بإسلامه , وبتمسكه بالإسلام.
ونسي فضيلة الشيخ المعتدل قول أحمد بن حنبل " مرتكب الكبيرة ليس بكافر, ولا هو في منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان, كما أنه ليس معفوا عنه, وإنما عليه أن يتوب وأمره إلي الله, فإن زعم أحد أنه كافر فقد زعم أن آدم كافر, وأن إخوة يوسف حين كذبوا أباهم كفار.والحاصل أنه لا يكفر أحد من أهل التوحيد, وإن عمل الكبائر ؛ ولسنا نعتقد أن فرج فودة بانتقاده لأفكار هؤلاء قد ارتكب كبيرة أو صغيرة, بل لعله كان الأقرب إلي صحيح الإسلام. ( 19) الأهرام العدد 2374 )
وهذا المنهج في العنف أصبح لدى أعضاء التنظيم شرطا من شروط تصويب مسار المجتمع ؛ لأنه يبدأ من أعضاء التنظيم أنفسهم؛ ولنتوقف هذه المرة أمام كاتب إخواني من قادة الجهاز السري لأنه الأصرح والأوضح, إنه محمود الصباغ.الذي يقول :
يبدأ عضو الجهاز الخاص بالبيعة؛ يدخل إلي حجرة مطفأة الأنوار,ويجلس علي بساط في مواجهة أخ في الإسلام مغطي جسده تماما من قمة رأسه إلي أخمص قدمه برداء أبيض, ثم يخرج من جانبه مسدسا ويطلب من المبايع أن يتحسسه, وأن يتحسس المصحف الشريف ثم يقول له: فإن خنت العهد أو أفشيت السر, فسوف يؤدي ذلك إلي إخلاء سبيل الجماعة منك, ويكون مأواك جهنم وبئس المصير.( 20) محمود الصباغ- حقيقة التنظيم الخاص-(ص1320).
والمقصود من عبارة إخلاء سبيل الجماعة منك؟ تأتي الإجابة عنها في صفحة أخري ؛ عندما يورد الصباغ نصوص لائحة الجهاز الخاص الجهاز السري لجماعة الإخوان مادة 13:
" إن أية خيانة, أو إفشاء سر بحسن قصد, أو بسوء قصد يعرض صاحبه للإعدام وإخلاء سبيل الجماعة منه, مهما كانت منزلته, ومهما تحصن بالوسائل, واعتصم بالأسباب التي يراها كفيلة له بالحياة (21 ) " المرجع السابق(ص1380).
بل إنه يعطي لنفسه ولزملائه الحق في القتل المباشر دون إذن من القيادة " إن أعضاء الجهاز يمتلكون- دون إذن من أحد- الحق في اغتيال من يشاؤون من خصومهم السياسيين, فكلهم قارئ لسنة رسول الله في إباحة اغتيال أعداء الله(22) المرجع السابق-429) ؛ فقط نلاحظ أن خصومهم السياسيين هم أعداء الله ويباح اغتيالهم.بل أن الصباغ يغالي فيقول إن قتل أعداء الله ـ أي الخصوم السياسيين للجماعة ـ غيلة هو من شرائع الإسلام, ومن خدع الحرب فيها أن يسب المجاهد المسلمين وأن يضلل عدو الله بالكلام حتى يتمكن منه فيقتله(23 ) المرجع السابق ص 1380).
ويبقي أن نشير إلي أن مصطفي مشهور مرشد الجماعة هو صاحب مقدمة هذا الكتاب. (24) عصام حسونة-23يوليو وعبد الناصر-ص46؛ الأهرام العدد 2374)
ومن نماذج تلك الثقافة ما جاء في ورقة تعليمات صادرة من قيادة الجهاز لأعضائه تقول إن كل من يحاول مناوأتهم, أو الوقوف في سبيلهم مهدر دمه, وأن قاتله مثاب علي فعله وأن من سياستنا أن الإسلام يتجاوز عن قتل المسلمين إذا كان في ذلك مصلحة و...إن من السياسيين من يجب استئصاله وتطهير البلاد منه, فإن لم توجد سلطة شرعية تصدهم, فليتول ذلك من وضعوا أنفسهم للإسلام جنودا, وأن الإسلام يتجاوز عن احتمال قتل المسلمين إذا كان في ذلك مصلحة(25) عصام حسونة - 23 يوليو وعبد الناصر- ص46 المصدر السابق ).
ولأنه منهج وسلوك في مواجهة الآخر فقد حدد مؤسس التنظيم حسن البنا في رسالة التعاليم واجبات العضو وعددها 38 واجبا , الواجب رقم 25 منها ؛ يأمر العضو أن يقاطع المحاكم الأهلية,وكل قضاء غير إسلامي, والأندية والصحف, والجماعات, والمدارس والهيئات التي تناهض فكرته الإسلامية مقاطعة تامة...والبند رقم37يأمره أن يتخلى عن صلته بأية هيئة أو جماعة لا يكون الاتصال بها في مصلحة فكرته(26 ) حسن البنا- رسالة التعاليم- ص120؛ نفس المصدر)
ومن الواضح أن هذه الثقافة أُسست على فكر تكفير المجتمع وفي ذلك يقول سيد قطب : " إن الإسلام لا يعرف إلا نوعين من المجتمعات: مجتمع إسلامي, ومجتمع جاهلي" ؛ والمجتمعات الجاهلية عند سيد قطب" هي كل المجتمعات الشيوعية والوثنية واليهودية والمسيحية, والمجتمعات التي تزعم أنها مسلمة (27 سيد قطب- معالم في الطريق(ص106)) وبشكل أوضح يقول:" يدخل في إطار المجتمع الجاهلي جميع المجتمعات القائمة علي الأرض(ص98).