ترتبط قضية التعليم العالي في قطاع غزة بعد الحرب بإعادة فتح الجامعات وترميم البنية التحتية الأكاديمية، والأهم من ذلك ارتباطها بسؤال استراتيجي أعمق، هو: أي نموذج من الخريجين تحتاجه غزة في المرحلة المقبلة؟
فإعادة بناء المؤسسات التعليمية وفق النموذج السابق قد تعني إعادة إنتاج للأزمة نفسها؛ لأن المشكلة لم تكن في غياب الشهادات، بل في ضعف العلاقة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد.
عانى سوق العمل الفلسطيني من اختلالات عميقة قبل الحرب، فقد أظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن البطالة في قطاع غزة بلغت 45.3% عام 2022، مقارنة بـ 24.4% في فلسطين ككل، وهي نسب تعكس محدودية قدرة الاقتصاد المحلي على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل. ثم جاءت الحرب لتدفع هذه الأزمة إلى مستويات غير مسبوقة نتيجة توقف معظم الأنشطة الاقتصادية وتدمير قطاعات واسعة من سوق العمل.
وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن الحرب أدت إلى خسائر هائلة في فرص العمل في قطاع غزة، حيث تعرض الاقتصاد المحلي للتدمير الذي أدى إلى انكماش حاد، وارتفعت البطالة إلى مستويات قياسية تجاوزت 70% خلال مراحل حرب الإبادة وفق تقديرات المنظمة. وهذا يعني أن الرهان على الوظيفة التقليدية لم يعد خياراً واقعياً لآلاف الخريجين الجدد.
جوهر المشكلة لا يكمن في عدد الوظائف المتاحة أمام الخريجين فقط، بل في طبيعة العلاقة بين الجامعة والسوق. فالنظام التعليمي الفلسطيني، مثل كثير من الأنظمة في المنطقة، ظل لفترة طويلة يعمل وفق معادلة: الدراسة الجامعية للحصول على وظيفة. بينما تغير العالم من حولنا نحو اقتصاد جديد لا يقيس قيمة الفرد بالشهادة فقط، بل بما يمتلكه من مهارات وقدرة على إنتاج المعرفة والخدمات.
فجوة الخريجين والوظائف أزمة نموذج لا أزمة أعداد
تُظهر المؤشرات المتعلقة بالتعليم العالي الفلسطيني أن الجامعات تواصل تخريج آلاف الطلبة سنوياً في تخصصات متعددة، لكن الاقتصاد المحلي لا ينمو بالسرعة التي تسمح باستيعاب هذه الأعداد. وتزداد الفجوة في غزة بسبب محدودية القطاع الخاص، وتراجع الاستثمار، واعتماد شريحة واسعة من الخريجين تاريخياً على الوظائف الحكومية أو على وظائف المؤسسات الأهلية والدولية.
وهنا تظهر الحاجة إلى مراجعة فلسفة القبول الجامعي والتخصصات الأكاديمية، فليس الهدف تقليل أعداد المتعلمين، وإنما إعادة توجيه التعليم نحو مجالات تمنح الخريج قدرة أعلى على المنافسة.
المشكلة ليست في وجود خريج جامعي، بل في أن يكون الخريج مؤهلاً لسوق عمل جديد تغيرت قواعده.
الاقتصاد الرقمي
يمثل الاقتصاد الرقمي فرصة استراتيجية للشباب الفلسطيني الجامعي؛ لأنه يقلل من أثر القيود الجغرافية ويتيح العمل مع أسواق خارجية دون الحاجة إلى وجود وظيفة محلية تقليدية.
ويؤكد تقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي أن التحولات التقنية ستقود حتى عام 2030 إلى خلق نحو 170 مليون وظيفة جديدة عالمياً مقابل تحول أو اختفاء نحو 92 مليون وظيفة، أي زيادة صافية تبلغ 78 مليون وظيفة. كما يضع التقرير مهارات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والشبكات، والتكنولوجيا، ضمن أسرع المهارات نمواً في الطلب.
هذه التحولات العالمية تقدم فرصة مهمة لغزة؛ فالشاب الذي يمتلك مهارة رقمية عالية يمكنه المنافسة عالمياً، حتى في ظل ضعف الاقتصاد المحلي. فالبرمجة، وتصميم المنتجات الرقمية، وتحليل البيانات، والتسويق الإلكتروني، والخدمات التقنية أصبحت مجالات لا ترتبط بالحدود الجغرافية.
من تخصصات الانتظار إلى تخصصات الفرص
لا يعني التحول الرقمي إلغاء التخصصات الإنسانية أو الاجتماعية، بل إعادة تطويرها وربطها بالمهارات الجديدة. فالجامعة المستقبلية يجب أن تنتج خريجاً يمتلك تخصصاً رئيسياً ومهارات إضافية تجعله قادراً على التكيف. ومن المجالات التي ينبغي أن تتوسع فيها الجامعات الفلسطينية: الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، علوم البيانات وتحليل البيانات الضخمة، الأمن السيبراني، هندسة البرمجيات وتطوير التطبيقات، الحوسبة السحابية، التجارة الإلكترونية، التسويق الرقمي، تصميم تجربة المستخدم، التكنولوجيا المالية، التكنولوجيا التعليمية، إدارة المنتجات الرقمية، وريادة الأعمال والعمل الحر.
كما ينبغي إدخال المهارات الرقمية في جميع البرامج؛ فالصحفي يحتاج إلى تحليل البيانات وأدوات الذكاء الاصطناعي، والمعلم يحتاج إلى تقنيات التعليم الإلكتروني، والإداري يحتاج إلى تحليل المعلومات، والمحاسب يحتاج إلى الأنظمة المالية الرقمية.
إعادة تعريف وظيفة الجامعة
إن التحدي الحقيقي أمام الجامعات الفلسطينية ليس فقط تحديث الخطط الدراسية، بل تغيير مفهوم النجاح نفسه. فلم يعد كافياً أن تقاس الجامعة بعدد الخريجين أو البرامج الأكاديمية، بل يجب أن تقاس بقدرتها على بناء رأس مال بشري منتج. ومن هنا، تحتاج الجامعات إلى:
* ربط التخصصات بمؤشرات سوق العمل.
* زيادة التدريب العملي والمشاريع التطبيقية.
* إنشاء حاضنات أعمال جامعية.
* بناء شراكات مع شركات التكنولوجيا.
* دعم العمل الحر والمنصات الرقمية.
* إدماج اللغة الإنجليزية والمهارات الرقمية في مختلف التخصصات.
في الخلاصة يتأكد أن إعادة بناء التعليم العالي في غزة بعد الحرب ليست عملية هندسية لإصلاح المباني، بل هي إعادة صياغة لدور الجامعة في المجتمع. فالمرحلة القادمة تحتاج إلى الانتقال من نموذج يخرج الباحثين عن وظائف محدودة إلى نموذج يبني صناع فرص قادرين على المنافسة في اقتصاد عالمي قائم على المعرفة.
السؤال الحقيقي أمام صناع القرار ليس: كم خريجاً ستنتج الجامعات؟ بل: كم خريجاً قادراً على خلق قيمة وفرصة في عالم جديد؟
فالمستقبل لن يكون لمن يملك الشهادة فقط، بل لمن يملك القدرة على تحويل المعرفة إلى إنتاج.