تاريخ النشر: 2016-12-10 | 13:14
تاريخ النشر: 2016-12-10 | 13:14
عوامل نشأتها:
كانت حرب حزيران 1967م حدثاً مدوياً ومؤثراً على حركة القوميين العرب التي كانت تعد كبرى الحركات السياسية الفلسطينية، وأكثرها انتشاراً في العالم وقد أحدث ذلك خلخلة في بنيتها القيادية والتنظيمية, وجدلاً لم ينقطع لتبرير الهزيمة, مع صراع فكري في داخلها بين الاتجاه التبريري والاتجاه الواقعي، الذي بدأ ينطلق من حقيقة البنية والتخطيط الفكري والسياسي المأزوم للحركة.
في خضم هذا الصراع داخل حركة القومين العرب وتخبط لجنتها المركزية في تبريراتها لهزيمة عام 1967م، واستبعاد الخصوصية الفلسطينية؛ بدأت الحركة بشق طريقها نحو التركيز على عمل ومهام فلسطينية، ثم ترسيم إقليم فلسطين بالتنسيق والارتباط في الساحة ذاتها مع الإقليم العربي المعني، وأخذ ذلك الأشكال التالية: "1"
إعداد هيكلية وبنية تنظيمية مركزية، من خلال فرز عدد من القياديين لتولي المهمة وتكوين خلايا في كل قطر.
- ترتيب خاص لمجموعات ذات طبيعة عسكرية، والتوغل في جيش التحرير ومنظمة التحرير الفلسطينية.
- ايلاء أهمية لفرع الحركة في قطاع غزة.
- التركيز على البعد الفلسطيني في الصراع.
في ظل هذه الحالة التي واكبت هزيمة عام 1967م، التي مرت بها حركة القوميين العرب، تشكلت الإرهاصات الأولى لنشاط الفكر الثوري واليسار لدى بعض القادة، وأخذوا دورهم للتعامل بواقعية ومنطقية أكثر مع المتغيرات على الساحة العربية بشكل عام، والفلسطينية بشكل خاص, فعملوا على تشكيل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1967م كامتداد للفرع الفلسطيني من حركة القوميين العرب.
يؤكد ذلك أن انطلاقة الجبهة الشعبية لم تكن بدايتها من عام 1967م, والرصيد لم يبدأ من نقطة الصفر, وإن كانت ولادتها أخذت طريقا ائتلافيا, وهذا ما عبرت عنها الوثيقة الرسمية الأولى للجبهة الشعبية(الاستراتيجية السياسية والتنظيمية)، والمقرة في المؤتمر الثاني في شباط 1969م.
- الفكر السياسي للجبهة:
طرحت الجبهة فكراً سياسياً تحررياً في ملامح تقدمية، وعبرت عن ذلك في بيانها التأسيسي في 11/12/1967م, و بعد ما حدث من تطورات وانشقاقات، كانشقاق جبهة التحرير الفلسطينية ومعها مجموعة من المستقلين عن الجبهة الشعبية، أصبحت تتكون من حركة القوميين العرب فرع الساحة الفلسطينية وأبطال العودة، وهذا مكّنها من طرح نهجها الثوري في تحليل الوضع الفلسطيني ورؤيتها السياسية للمعركة (أي كامل فكرها السياسي)، وبالتالي أصبحت الصورة الجديدة لفكرها تتطابق تطابقاً شبه تام مع فكر الحركة (فكر الجبهة السياسي هو فكر الحركة كاملا دون أي نقصان, وتكوينها إلى حد بعيد هو تكوين الحركة، فتنظيم الحركة يشكل من حيث الحجم نسبة عالية من تنظيم الجبهة).
وبالنسبة لأبطال العودة فإن تطابقها مع الحركة فكرياً وتكوينياً قائم، بالنظر إلى طبيعة نشأتها والأصول التنظيمية لمعظم كادرها القيادي الأول، وكذلك مناخها الفكري وطبيعة العلاقة بينها وبين الحركة, ومع تطابق الجبهة من ناحية التكوين والفكر مع الحركة, فإنه بذلك لم يعد قائماً أي تمييز استراتيجي محدد بينهما, كما أن الرؤية السياسية لكلاهما هي رؤية واحدة.
من هنا أصبح فهم الجبهة من خلال عملية الانصهار التام بين الحركة والجبهة، يجسده الشعار السليم وهو: (الحركة في خدمة الجبهة وليس الجبهة في خدمة الحركة, (إلا أنه ومع التطور التاريخي والنضالي والسياسي والتنظيمي للجبهة فان واقع الحياة الآن يبين أنه لم يعد للحركة من جسم عام موحد كحركة قومية من جهة؛ كما لم يعد لها رأس قيادي موحد على مستوي قومي في ظل طغيان شخصية وحضور الجبهة الشعبية في واقع التمايز للقضية والنضال الوطني الفلسطيني, حيث واصلت الجبهة تطورها من خلال التحول الذي وفر لها مراجعة جادة وفكر متكامل مما ميزها عن تجربة الحركة) .
هذا وتعد الجبهة الشعبية أحد فصائل منظمة التحرير بعد أن اعترفت بها وانضمت إليها في عام 1968 وهي مكون أساسي من مكونات النظام السياسي الفلسطيني ولم تقبل ولا تعترف باتفاق أوسلو.
وتبنت الجبهة الشعبية العمل العسكري بهدف تحرير فلسطين وعكفت على القيام بعمليات عسكرية عبر نهجين:
1- تعريف العالم بقضية الشعب الفلسطيني من خلال نهج اختطاف الطائرات وضرب المصالح الاسرائيلية في خارج فلسطين.
2- المقاومة الشعبية طويلة الأمد في داخل فلسطين المحتلة فكان لها لمسات مميزة للعمل العسكري تمثلت في مقاومة قوات الاحتلال العسكري الإسرائيلي في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة وأراضي ال 48 وذلك عبر تنظيمها الخلايا السياسية والعسكرية التي قادت العمل العسكري، وقد حققت نجاحات كثيرة في هذا المجال مما دفع بقوات الاحتلال تكريس جهودها لضرب تلك الخلايا فاستشهد العديد من الكوادر والقيادات العسكرية والسياسية للجبهة الشعبية وزج بالعديد منهم في سجون الاحتلال وحوكموا بأحكام قاسية جداً.
ورغم أن الجبهة الشعبية فصيل معارض لاتفاق أوسلو إلا أن كثيراً من كوادرها وقادتها السياسيين والعسكريين عادوا إلى أرض الوطن انطلاقاً من مبدأ حق العودة، وقد شغل العديد من عناصرها مواقع وظيفية في مؤسسات السلطة الفلسطينية الإدارية منها والعسكرية، كما أنها ومن منطلق المشاركة السياسية في النظام السياسي الفلسطيني فقد شاركت في الانتخابات التشريعية عام 1996 وكذلك في الانتخابات عام 2006 وحصلت على عدد مقاعد في المجلس التشريعي لا تتناسب مع تاريخها النضالي والسياسي الطويل وذلك لأسباب عديدة أدت إلى تراجع القوة السياسية والعسكرية المؤثرة لها في الساحتين الداخلية والخارجية وكان لذلك أسبابه:
1- تراجع قوة اليسار وتأثيره في العالم.
2- انهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه وتفكك المنظومة الاشتراكية في العالم.
3- الضعف المادي للجبهة الشعبية متأثراً بتراجع دعم المؤيدين للجبهة الشعبية وكذلك عدم التزام منظمة التحرير الفلسطينية بدفع استحقاقاتها المالية السنوية أكثر من مرة كفصيل ثانٍ فيها.
4- المواقف العدائية للجبهة الشعبية من قبل كثير من الدول العربية، والدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية واتهامها بالإرهاب كونها تتبنى المواقف النضالية والمقاومة والسعي لتحرير فلسطين عسكرياً وعدم اعترافها باتفاقية أوسلو الموقعة من قبل منظمة التحرير واسرائيل.
هذا ولا زالت الجبهة الشعبية ملتزمةً بمبادئها ومواقفها رغم المتغيرات السياسية عربياً وإقليماً ودولياً وتسعى من خلال مؤسساتها السياسية والخدماتية لتحقيق متطلبات السكان في كل من قطاع غزة والضفة الغربية وتوفير الخدمات لهم بما يوفر لهم الخدمات الطبية والإنسانية للتخفيف عن كاهلهم عبء الحياة وقسوتها.
وأخيراً نشير بأن الذراع العسكري للجبهة الشعبية قد شاركت وبفاعلية بالتصدي للهجمات والحروب الأخيرة التي شنتها اسرائيل على قطاع غزة وارتقى إلى العلى عشرات من شهدائها.
فكل التقدير والاحترام إلى فصيل الجبهة الشعبية وإلى أمينها العام أحمد سعدات المعتقل في السجون الاسرائيلية وإلى جميع الرفاق فيها وإلى كل شهدائها وعلى رأسهم الشهيد القائد ( أبو على مصطفي) أمين عام الجبهة الشعبية السابق والذي اغتالته يد الغدر الصهيوني بقصف مكتبه في رام الله بواسطة الطيران الإسرائيلي، وتحية إلى كل أسرى الجبهة الشعبية وجميع أسرى النضال الفلسطيني.
عاشت الذكرى
دامت الثورة
الحرية لكل الأسرى الفلسطينيين البواسل، والرحمة لكل الشهداء.
د.عز الدين حسين أبو صفية ،،،،،