تاريخ النشر: 2026-03-06 | 14:08
تاريخ النشر: 2026-03-06 | 14:08
في خضم التصعيد المحموم الذي يجتاح الشرق الأوسط،تبرز الحدود العراقية-الإيرانية كورقة جديدة قابلة للاشتعال،لترسم ملامح مرحلة أكثر تعقيدا ودموية في الصراع القائم.فلم تعد المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى،حكرا على ضربات بعيدة المدى أو تهديدات نووية،بل أخذت منحى أخطر يتمثل في محاولة نقل رقعة المعركة إلى داخل العمق الإيراني عبر استثارة الفاعل المحلي، وتحديدا القوى الكردية المعارضة.هذا السيناريو، الذي يبدو وكأنه مستل من أدراج الحرب الباردة، يحمل في طياته إمكانية تحويل الصراع المحدود إلى حرب استنزاف مفتوحة،تعيد رسم التحالفات وتخلق وقائع جديدة على الأرض،ليس فقط داخل إيران،بل في عموم المنطقة.
يستند هذا التحرك الأميركي-الإسرائيلي الظاهر إلى استراتيجية قديمة جديدة،تهدف إلى استنزاف النظام الإيراني من الداخل عبر تفعيل "قوة بديلة" على حدوده.فالدعم العسكري والمالي المقدم للفصائل الكردية الإيرانية المتمردة،والتي تتخذ من إقليم كردستان العراق مقرا لها،يهدف إلى تحويل هذه الجماعات إلى أداة ضغط ميدانية قادرة على فتح جبهات متعددة،وتشتيت القوات الإيرانية،وإضعاف قبضة طهران على المناطق الحدودية.والضربات الجوية المكثفة التي شنتها طائرات أمريكية وإسرائيلية على مواقع عسكرية ومراكز شرطة إيرانية على طول الشريط الحدودي،لم تأتِ فقط لتوجيه ضربة عسكرية،بل لتمهيد الطريق أمام هذه القوات البرية،وفتح "نقاط عبور" كما صرح الجيش الإسرائيلي،في محاولة لخلق منطقة نفوذ و"حرية عمل" تسمح بتهديد العاصمة طهران بشكل غير مباشر.
وإذن؟
إنها إذامحاولة لتكرار سيناريو "العقدة السورية" حيث لعبت القوات الكردية دور الحليف الأرضي الفاعل،ولكن هذه المرة على الأراضي الإيرانية نفسها.
إلا أن هذه الاستراتيجية،التي تبدو في ظاهرها ذكية وقادرة على إرباك طهران،تختزل حسابات معقدة للغاية وتغفل حقائق تاريخية وجيوسياسية بالغة الأهمية.فالقوى الكردية،بجناحيها الإيراني والعراقي،ليست كتلة واحدة جامدة،بل تحمل إرثا طويلا من العلاقة المتقلبة مع واشنطن.فالتجارب السابقة،من التعاون في عهد الغزو الأمريكي للعراق إلى التحالف في حرب "داعش"،تركت لدى العديد من القادة الأكراد شعورا بالمرارة وخيبة الأمل،بعد أن تبخر حلم إقامة دولة كردية مستقلة في شمال العراق.هذا التاريخ يجعل الفصائل الكردية اليوم أكثر حذرا،وأقل استعدادا للانخراط في مغامرة كبرى قد تكلفها وجودها في إقليم كردستان،الذي يتمتع بعلاقات معقدة ومتشابكة مع بغداد وطهران.
إن الشكوك التي أبدتها هذه الفصائل تجاه النوايا الأميركية،خاصة بعد التخلي الواضح عن "قوات سوريا الديمقراطية" أمام تقدم الحكومة السورية الجديدة،تشكل عائقا كبيرا أمام بناء ثقة حقيقية. فكيف يمكن الرهان على دعم أميركي لتحقيق أهداف استراتيجية،بينما يتحدث المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا بصراحة عن "انتهاء الغرض" من التحالف مع الحليف الكردي هناك؟!
علاوة على ذلك،فإن إشعال هذه الجبهة الداخلية في إيران،عبر استغلال البعد العرقي (أكراد، بلوش)،قد يؤدي إلى عواقب وخيمة لا يمكن السيطرة عليها،أشبه بفتح "صندوق باندورا".فبدلا من أن تظل المواجهة محدودة بين طهران وحلفائها من جهة،وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى،يمكن أن تتحول إلى حرب أهلية طائفية-عرقية داخل إيران،وهو ما حذر منه خبراء.مثل هذا السيناريو سيعمق الانقسامات الداخلية في بلد يعاني أصلا من تحديات اقتصادية وسياسية،لكنه في المقابل سيوحد الإيرانيين خلف نظامهم ضد ما يمكن وصفه بـ"الخارجي المعتدي" وحلفائه الداخليين،مما يعقد مهمة أي قوة معارضة.كما أن انزلاق الصراع إلى هذا المستوى من الفوضى سيجعل من المستحيل السيطرة على تداعياته الإقليمية،خاصة مع وجود قلق تركي مشروع من تعاظم النفوذ الكردي على حدودها الجنوبية،مما قد يدفع أنقرة إلى التدخل العسكري المباشر لمنع قيام أي كيان كردي موال للغرب،وهو ما سيفتح جبهة جديدة في صراع معقد،ويحوّل شمال العراق وسوريا إلى ساحة حرب إقليمية موسعة.
في الخاتمة،يمكن القول إن السيناريو المطروح لدفع القوى الكردية إلى خط المواجهة مع إيران، يعكس حالة من الجمود الاستراتيجي الذي تعاني منه واشنطن وحلفاؤها في التعامل مع الملف الإيراني،والبحث عن حلول سريعة عبر وكلاء محليين.لكن هذه المقامرة الخطيرة تتجاهل حقيقة أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة يمكن إشعال حرائقها بشكل منفصل،فكل شرارة هنا تخلق لهيبا هناك.إن نجاح هذه الخطة حتى ولو جزئيا سيعني جر إيران إلى حرب استنزاف داخلية،لكن فشلها الذريع سيعني تحويل المنطقة بأسرها إلى مستنقع من الفوضى والاقتتال، تتصادم فيه المصالح الأميركية والإسرائيلية والتركية والإيرانية،وتُحرَق فيه الأوراق الكردية مجددا على مذابح صراعات لا ذنب لها فيها.
وفي المحصلة،يبقى الخاسر الأكبر هو فكرة الاستقرار الإقليمي ذاتها،التي تتهاوى يوما بعد يوم تحت وطأة الحسابات القصيرة النظر والقوى التي تتعامل مع شعوب المنطقة كأدوات يمكن التضحية بها في أي لحظة.
وهكذا،يبدو المشهد وكأنه لوحة معقدة من المصالح المتقاطعة والمخاطر المتراكبة،حيث يتحول الأكراد من مجرد قومية تسعى إلى حقوقها إلى بيادق على رقعة شطرنج دولية كبرى. إن فتح هذه الجبهة لن يكون مجرد عملية عسكرية عابرة،بل قد يكون بمثابة إشعال فتيل حرب أهلية عرقية داخل إيران،وتحويل الصراع إلى مستنقع إقليمي لا يُعرف مداه.وفي هذه المعادلة الصعبة،تبقى الفصائل الكردية أمام اختبار تاريخي حاسم: إما أن تكون أداة في صراع أكبر منها لا تملك مفاتيحه،وإما أن تعيد حساباتها قبل أن تتحول أحلامها إلى رماد في معركة تحترق فيها المنطقة بأكملها..
ويبقى السؤال الأكبر هو من سيدفع ثمن هذه المغامرة حين تهدأ العواصف؟!