تاريخ النشر: 2022-09-19 | 04:41
تاريخ النشر: 2022-09-19 | 04:41
نصح البعض بأن تناول هذا الموضوع يعني سير في حقل ألغام وأنه لن يرضي المعارضين الذين يروا فيها إرهابية ولا المنتمين للحركة الإسلامية الذين يرون فيها مقدسة، فيما أشار البعض إلى أن إثارة الموضوع يكون بمثابة مشاركة للهجمة عليها وهي تواجه ظروفا قاسية، وحاول البعض الى جر الحديث الى إيجابيات وجود الحركة الإسلامية بل والإسلام رابطين بين الدفاع عن الإسلام والحركة الإسلامية، واعترف ان الحديث مجازفة لاسيما و المتربصين لن يصبروا على قراءة متأنية للمقال الذي لا يبدي رأيا بمقدار إبراز وقائع حصلت بالفعل دون إضافة شيء لها، ورغم كل ما يكتنف الكتابة عن الحركة الإسلامية الا انني لا أرى أمام العقل طابو يحرمنا من التدبر ولا أعير التخوف أي أهمية ليحجب عنا كشف الحقيقة وأسباب الفوضى والتناقض، ولهذا فإن الكتابة النقدية طريق حضاري وضروري لكي يحيى من يحيى على بينة. والمنهج القراني دوما يعيد الفشل الى أسباب ذاتية وعليه فهو يرفض التعمية بمقولات تحيل الفشل الى مجهول فيما يقول ربنا سبحانه وما ظلمناهم ولكن أنفسهم كانوا يظلمون قال سبحانه:"وَمَا ظَلَمْنَٰهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"
الحركة الإسلامية في المعارضة:
تكاد تكون مواقف تنظيمات الحركة الإسلامية في الوطن العربي في حال المعارضة والتصدي لأنظمة الحكم واحدة تجاه عدة قضايا و لاسيما الموقف تجاه القضية الفلسطينية وتقوم الحركة الإسلامية بحملات منظمة ومركزة ضد أنظمة الحكم العربية التي طبعت مع الكيان الصهيوني او توقفت عن حربه ولعلها في هذا السياق قدمت تضحيات معينة وسيق قادتها الى السجون وكان التركيز على القضية الفلسطينية أحد أهم عناوين خطابها السياسي.. وهنا لن نتعرض لكل المواقف والمبادئ السياسية التي نادت بها الحركة قبل مرحلة الحكم حيث سيطول شرحها وذكرها وان كانت الإشارات التي سنتناولها كافية للتدليل على منهجية الحركة الإسلامية وطريقة مواجهتها للواقع المتبدل.
لقد أوقفت كل نشاطها العملي الجهادي في اتجاه فلسطين الا أنها احتفظت بخطاب ذكرياتها عن صور باهر وكفاح الاخوان في فلسطين ردا على النكبة في1948.. وفي رحلتها الطويلة منذ نكبة فلسطين انصرفت لمعارك أيديولوجية وميدانية عديدة لاسيما مع اليسار العربي والقومية العربية والعلمنة والتغريب بل وضد النظام العربي و لم تلتفت الى القضية الفلسطينية الا على صعيد المشاعر المرسلة ويصل الامر ذروة الغرابة عندما تجد فصيلا من الحركة الإسلامية ينتقل الى ميدان صراع دامي بعيد تماما عن فلسطين- أفغانستان- كما فعلت قيادات من الحركة الإسلامية الأردنية والتي في غالبيتها مكونة من العنصر الفلسطيني، ومع انطلاق الحركة الفلسطينية الفدائية اتخذت الحركة الإسلامية منها موقف الريبة والتشكيك في المقاصد والنيات، وكانت الحركة الإسلامية الفلسطينية محرضا رئيسيا ضدها وتصمها بالعمانية التي تأخذ أصحابها الى جهنم،
ومع بداية عجلة الانهيار الرسمي العربي في اتجاه الصلح مع الكيان الصهيوني والاعتراف به تصدت الحركة الإسلامية العربية للعلاقة مع العدو وللمعاهدات التي وقعت فكانت ضد كامبديفد وضد وادي عربة وضد أوسلو..
وفي مواجهة الاعتراف بإسرائيل اعتبرت الحركة الإسلامية الفلسطينية ومن خلفها العربية ان هذا منكر كبير وخيانة عظمى، وان التصدي له واجب واسقاطه فرض فكان ضرورة اثارة الزوابع والضغط لإسقاطه،، ولقد زخرت ادبيات الحركة الإسلامية العربية بمثل هذه الخطابات.
محاربة الفساد السياسي والمالي:
تميزت فترة المعارضة الطويلة التي عاشتها الحركة الإسلامية بخطاب البحث عن مثالب الأنظمة الحاكمة فيما يتعلق بمسألة التداول على السلطة والحريات السياسية والتصرف بالمال العام والمحسوبية والتغول في استغلال الحكم والمناصب، بل وكثر الحديث عن علاقة الأنظمة بالدول الاستعمارية الكيان الصهيوني وأمريكا وبريطانيا وفرنسا على اعتبار أنها أنظمة قائمة برضى الاستعماريين.
وكان التحريض مادة التلقين المنهجية التي تتعرض لها أجيال من الناشئة في المنطقة العربية تم تحميلهم بمواقف عدائية مغلقة تجاه الاخرين المخالفين "العلمانيين" سواء كانوا حكاما او أحزابا او نخبا ثقافية، وهذا ما جعل لمواقفها بريقا وشعورا بمظلوميتها لاسيما وهي قد استطاعت ان تحتوي عشرات الالاف الكوادر العلمية من أطباء ومهندسين ومعلمين.. فهي في حقيقة الامر كانت تكشف عيوب النظام وضعفه ووجد خطابهم في هذا ترحيبا من قطاعات كبيرة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
وفي فترة المعارضة السياسية كذلك كانت عناوين السياسة المطروحة في الخطاب السياسي تتحدث عن افاق مشروع مختلف تماما عن الواقع ورفض الترقيع معه وكان الإسلام بمنهجه وقيمه وتحريمه وتحليله هو تاج كل الشعارات حيث سيكون هو الحل لكل القضايا التي تعيشها الامة.. فكان الإسلام ومعياره وميزانه هو المنادى به في مواجهة النظام والحركات الأخرى.
في مرحلة المعارضة كانت الحركة الإسلامية تنادي بالوحدة العربية كنواة للوحدة الإسلامية، وتعلن ان الحدود السياسية فتنة وجاهلية وان الدولة القطرية نتن وغير مقبولة ولا بد من وحدة الامة، ورفض الجاهلية السياسية، وعلى هذا فان دولة الوحدة هي الهدف السياسي والموضوعي للحركة.
وفي فترة المعارضة كانت كل أزمات المعيشة والمجتمع في البلدان العربية يتم احالتها للنظام القائم، ولا تكاد تسمع عن إيجابية واحدة صادرة عن النظام، بل القطيعة العميقة معه وهنا سنكتشف أي عقل لهؤلاء الذين جعلوا من انفسهم حربا على الجميع وانهم هم وحدهم من يمتلكون الحقيقة والحق.
الانتقال الى سدة الحكم:
جاء ما يسمى بالربيع العربي ليحمل الحركة الإسلامية الى مواقع الحكم في مصر وتونس والمغرب كما انها سجلت حضورا كبيرا في الأردن وفلسطين، وهنا نكاد لا نصدق ما عشناه في تجربة الحركة الإسلامية في الحكم حيث برزت بقوة كل مثالب النظام العربي وبطريقة عميقة، وهنا نجد انفسنا ملزمين شيئا فشيئا بمناقشة العقل الإسلامي والمقصود عقل قادة الحركة الإسلامية العربية، وهو مالم يتم مناقشته حتى الان، فرغم انها تؤكد ان مرجعيتها تستند الى تاريخ الإسلام اي اهم تجربة بشرية في الحكم و فنونه و الصراع حوله وفهم كيفية بناء الدولة الا انه كما يبدو لم تستوعب من فلسفة الحكم ونفسيته الا الشعارات التي لا تصمد امام واقع متشابك ومعقد ومرتبط بامتدادات إقليمية ودولية وعندما اكتشفت ذلك هرولت نحو التعاطي الانتهازي مع الواقع متنازلة عن مبادئها السياسية ومواقفها السابقة في مقابل الحفاظ على المكتسبات السياسية..
وهنا يمكن ملاحظة امرين متلازمين بشكل يتغدى كل منهما على الاخر ببشاعة غير مفهومة، فمن جهة لم تحس قيادات الحركة الإسلامية انها تدخل ميدان العمل السياسي وانها تمسك باعلى المناصب في البلاد وظلت مسكونة بروحية المعارضة والمناكفة مع الاخرين من الأحزاب والقوى ومن جهة أخرى وجدت نفسها حريصة على المكسب الاستراتيجي-السلطة- باي ثمن كان و اوله ان تتراجع عن ما سبق من مبادئها ومواقفها من قضية فلسطين و مسألة التطبيع مع العدو ففي حين اكدت الحركة الإسلامية في مصر اعترافها بالاتفاقيات الموقعة مع الكيان الصهيوني والالتزام بها و تواصل نسق العلاقة مع العدو وكذلك في المغرب حيث تم توقيع اتفاقيات تعاون استراتيجي مع العدو من قبل حكومة الحركة الإسلامية وفي تونس رفض راشد الغنوشي تمرير قانون يجرم التطبيع مع العدو الصهيوني ورفض تمرير قانون يجرم الاستعمار الفرنسي، وفي الأردن ظلت الحركة الإسلامية في البرلمان الذي اقر اتفاقية وادي عربة، كما ان الحركة الإسلامية في فلسطين والتي تصدت لعرفات بشراسة وعملت بكل جهد لإسقاط أوسلو رافضة فكرة دولة فلسطينية على حدود 1967 ولكنها تبنتها بعد سيطرتها، متجاوزة مرحلة كفاح طويلة قدمت فيها خيرة أبنائها كما كلفت الشعب تضحيات بالغة، وضمنت هذا الموقف ميثاقها الذي عدلته وفقا لواقعية سياسية رأتها ضرورة للتوافق مع الواقع كما صرح كبار قادتها..
اما العلاقة مع الغرب الاستعماري فهي فاقعة اللون فلعل أمريكا كانت حاضرة بمرافقة الحركة الإسلامية التي وصلت للحكم ناصحة ومؤيدة الى الدرجة التي لم يجد راشد الغنوشي مكانا للتفاهم الوطني مع باجي قايد السبسي الا في باريس، اما الإسلاميين المغاربة فالأمر اوغل بهم في العلاقات مع الغرب بل والصهاينة واصبح التوصل لعلاقة مع أي دولة اوربية هدفا كبيرا لدى بقية فصائل الحركة الإسلامية..
أما العناوين الأخرى المهمة التي كانت محور الصراع مع النظام العربي كوحدة العرب والمسلمين او موضوع محاربة الفساد المالي والسياسي والإداري او محور ابراز قيم الإسلام واوامره ونواهيه واحكامه وشريعته فكل ذلك تم التنازل عنه ولم يعد له ذكر من قريب أو بعيد.. وفي ظل حكومات الحركة الإسلامية تكررت نماذج الفساد المالي والمحسوبية واقصاء الراي الاخر وعدم الالتفات الى قطاعات الشعب المحروم ولم تسجل حكومات الحركة الإسلامية العربية في فترات حكمها المغرب وتونس ومصر أي تقدم اقتصادي وانفراج في معيشة الناس وتقليل حجم التضخم والبطالة.. كما لم تشهد فترات حكمها محاربة للفساد ومحاسبة للقائمين.
وعلى صعيد اخر ظل الإحساس المفرط في العقل الإسلامي بضرورة تجاوز الاخرين العلمانيين او الذين لا يشاركونهم في التنظيم وعدم قبول الشراكة السياسية مع مكونات المجتمع السياسي وكذلك عدم تقدير أهل الحل والعقد في البلاد وعلى رأسهم الجيوش العربية التي تعتبر المؤسسات الأكثر تنظيما وعليها الاعتماد في حماية وحدة البلدان والحفاظ على السلم الوطني والإقليمي.. وظنت الحركة الإسلامية ان أصوات الغاضبين من عامة الناس قادرة ان تمنحها شرعية أبدية في السلطة فكان فهما سقيما للواقع ودخولا في صراعات اسرعت في اسقاطها.. وظنت ان صندوق الانتخابات ونتائجها قادرة ان تحصنها وتجعلها فوق الجميع وشرعيتها ملزمة وفي هذا جهل بائن بفلسفة الصندوق وبعناصر الواقع والفاعلين فيه.
الأخطر من ذلك كله ان الحركة الإسلامية في المعارضة لم تهيء نفسها لتسلم السلطة كما أنها لا تؤمن ان العقل البشري قد تطور ولم يعد مسموحا لتنظيم سري على طريقة العباسيين او الحشاشين ان يسيطر على الدولة والمجتمع، ولم تكن العقود الطويلة من عمرها كافية لاستيعاب نظرية سياسية ترسم معالم النظام والعملية السياسية والعلاقة بين القوى السياسية في البلاد ولم يكن لديها رؤية موضوعية لمؤسسات الدولة وقوتها العميقة وكيفية التعامل معها، لم يكن لدى الحركة الإسلامية قدرة على الانتقال النفسي من حالة المعارضة الى فلسفة الحكم وفنون السياسة المرافقة، وكان الخلط بين الدعوة الى الإسلام والعمل من اجل السلطة يعبر عن فوضى واضطراب في التفكير يحتاج كل منه الى شرح وتفسير ينفض الجهل والتضليل من العقول والسلوك..
الان وبعد فشل الحركة الإسلامية العربية في الحفاظ على ما اعتقدت انه مكاسب ابدية لها متمثلا في السلطة، تبدو في وضع مأساوي حيث يبرز عدم جدوى تنازلاتها عن فلسطين ومسايرتها للنظام الدولي وعدم ايفائها بوعودها وترجمة شعاراتها،
بعد هذه التجارب الفاشلة على الصعيد السياسي وعدم قدرتها على الانتقال الأمين من المعارضة الى السلطة وعدم قدرتها على الحفاظ على مبادئها وترجمتها الى واقع ولو بالتدرج وانخراطها في مهادنة العدو الصهيوني بعد هذا كله نكتشف انها لم تكن تمتلك رؤية سياسية ولا نظرية سياسية وانها ابعد ما تكون عن روح العصر وفهمه، كما انها لم تتمتع بروحية التجاوب مع عميق مشاعر الناس في همومها واهتماماتها ولم تراع الشركاء في البلد الذين لهم سطوة الفعل والقرار والاقتدار.
لقد كان الوصول الى سدة الحكم هو طريق التنازل عن المبادئ والمواقف ولكنه حكم لم يستمر وما كان له ان يستمر لأنه فاقد أي من عناصر الاستمرار، ولم تعد الحركة الإسلامية الى مواقعها السابقة بل هي تتعرض اليوم نتيجة انتكاستها الى حالة من التشظي في مصر وتونس والمغرب وفلسطين تزيد الفوضى فيها تعمقا ومن غير المتوقع ان تحدث إعادة تقييم للتجربة القاسية لان كل الخسائر تغلف بغلاف الابتلاء من الله ويحيلونها الى علب مغلقة مقدسة لا يجوز فتحها لتستمر المعاناة والالم الذي تدفعه عشرات الاف الشباب وشرائح المجتمع..