الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الحرية مسؤولية.. والسلطة حكمة

الحرية مسؤولية.. والسلطة حكمة

تاريخ النشر: 2026-03-29 | 14:07

عادة ما يفصل بين حرية الرأي والمنع والملاحقة خيط رفيع، لا ننظر إليه بجدية كافية تسمح بإدارة الاختلاف بدلاً من منحه حجماً أكبر من تأثيره الحقيقي، بل إننا كثيراً ما نترك هذا الخيط يتآكل كلما تحوّل الاختلاف إلى شبهة، والرأي إلى ملف. فليس من الحرية أن نقول أي شيء، كما أنه ليس من الحكمة أن نمنع كل شيء، فما بين هذين الحدّين يتشكل المجال العام الصحي، حيث تصبح الآراء، بكل تنوعها، علامة صحة لا تهديد، ويغدو الرأي حقاً، والمسؤولية ضرورة.

إن الخلط بين حرية التعبير والفوضى من جهة، وبين سلطة الدولة والوصاية من جهة أخرى، أنتج في الحالة الفلسطينية وضعاً مرتبكاً، يُنظر فيه إلى الرأي الشخصي وكأنه موقف رسمي، وإلى الاختلاف بوصفه مخالفة قانونية، وإلى النقد باعتباره خروجاً عن الإجماع. ومع تكرار هذه المقاربة، باتت الآراء الفردية تُقرأ بوصفها مساساً بهيبة السلطة أو مصالحها العليا، وهو ما لا يضعف فقط حرية التعبير، وإنما يربك أيضاً وظيفة النظام، الذي يفترض أن يدير المجال العام لا أن يتحول إلى طرف مباشر في سجالاته.

تعيد حادثتا اعتقال الناشط السياسي عمر عساف على خلفية بيان سياسي يتعلق بحرب الشرق، وتوقيف المراسلة الصحفية مريم الطريفي عن العمل، بسبب تغريدة مسيئة لدولة شقيقة، طرح سؤال دقيق يتصل بحدود حرية التعبير، ومسؤولية هذه الحرية، وحكمة السلطة في إدارة الاختلاف؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بحق إبداء الرأي، بل بطبيعة هذا الرأي حين يتجاوز النقد إلى مواقف تسيء للعلاقات الأخوية والسياسية، أو انحيازاً لصراعات إقليمية تمسّ بالمصالح الوطنية.

البيان المنسوب إلى عمر عساف، لا شك أنه يحمل موقفاً سياسياً حاداً، يصطف مع طرف إقليمي ضد دول عربية شقيقة، ويذهب إلى إدانتها في لحظة إقليمية حساسة، وهو موقف يمكن انتقاده سياسياً وأخلاقياً داخل الحقل السياسي الفلسطيني، خصوصاً في ظل حاجة الفلسطيني إلى توازن في علاقاته العربية والإقليمية، لا إلى الانخراط في محاور متصارعة. لكن السؤال الأهم يبقى: هل يُواجَه هذا النوع من المواقف بالملاحقة، أم بتركه في إطاره الطبيعي كرأي سياسي فردي يُردّ عليه سياسياً؟ فالتوسع في المعالجة الأمنية للآراء لا يحمي المجال العام بقدر ما يضيق به، ولا يعزز الموقف الوطني بقدر ما يضعه في مواجهة أسئلة الحريات.

الأمر ذاته، مع الكثير من الاختلاف، ينسحب على حالة المراسلة مريم الطريفي، فالتعرض بالإساءة إلى بلد شقيق أمر مرفوض سياسياً وأخلاقياً، ولا سيما حين يصدر عن إعلامي يعمل في مؤسسة رسمية، لما قد يسببه من التباس بين الرأي الشخصي والموقف الرسمي، لكن معالجة هذا النوع من الأخطاء تظل أقرب إلى المساءلة المهنية المرتبطة بالأساس بلغة الصحفي، التي يجب أن تبتعد كل البعد عن مفردات العنصرية والشماتة، بما يحفظ العلاقات الاجتماعية والسياسية بين الأشقاء، دون توسيع دائرة التقييد على حرية التعبير، خاصة حينما يكون صادراً عبر منصة شخصية.

بين الحالتين تتجلى الحاجة الماسة إلى معادلة دقيقة، تكمن في فهم ماهية الحرية المسؤولة التي لا تنزلق إلى الإساءة للأشقاء أو الاصطفاف الحاد في صراعات إقليمية، وسلطة حكيمة تدير الاختلاف دون أن تحوّل كل رأي إلى قضية قانونية، فالمجتمعات التي تحمي حرياتها لا تبرر الخطاب المسيء أو المنفلت، لكنها في الوقت ذاته لا تجعل من الملاحقة أداة أولى للتعامل مع الآراء المختلفة.

المشكلة لا تكمن في رفض الخطاب المسيء أو المواقف المتسرعة، وإنما في طريقة التعامل معها. فالدولة الواثقة لا تخشى الآراء، حتى الحادة منها، بل ترد عليها وتضعها في سياقها الطبيعي؛ أما تحويل كل رأي إشكالي إلى قضية، فيخلق انطباعاً بأن المجال العام يُدار بمنطق الضبط لا الحوار.

الحرية مسؤولية، لأنها تؤثر في المجال العام وفي علاقات الشعوب السياسية والأخلاقية، والسلطة حكمة، لأنها مطالبة بالتمييز بين الرأي والخطر، وبين الخطأ والمخالفة. وبين المسؤولية والحكمة، يمكن حماية حق التعبير، دون أن يتحول إلى عبء سياسي، فالمجتمعات التي تضيق بآرائها تفقد قدرتها على التوازن، والسلطة التي تلاحق الاختلاف تخاطر بأن تتحول من حكم بين الآراء إلى طرف فيها، فالتنوع، مهما توسع، نعمة، والاختلاف، مهما كان، ضرورة، أما فقد البوصلة، مهما سمي، نقمة، تماماً كما أن ممارسة حرية التعبير مسؤولية لا يجب تجاوزها، وتصرف السلطة حكمة لا يستقيم أن تفتقدها.
...
 

×
أخبار
فايننشال تايمز: السقوط السريع لـ "المَخَا" يضع السعودية أمام اختبار استراتيجي متجدد على الساحل الغربي لليمن الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حربا بين أمريكا والصين بسبب تقديره الخاطئ ترامب يعلن منع وسائل إعلام أميركية من دخول البيت الأبيض تحقيق عبري يفتح ملف تمويل حماس و أموال قطر تهز نتنياهو أ  ب: انهيار مبنى مميت في غزة يكشف مخاطر السكن وسط تعثر جهود إعادة الإعمار غوتيريش يأسف لرفض أمريكا منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط