تاريخ النشر: 2016-06-07 | 14:27
تاريخ النشر: 2016-06-07 | 14:27
١) قعدات النسوان
كانت تنعقد هذه القعدات يوميا في الشارع امام بيتنا في ظل الحيط وقت الضحوية وساعة العصرية
كانت نسوان الحارة يجتمعن بشكل يومي
بلقطن الملوخية وبقمعن البامية وبقشرن بطاطا وبيض انجان وبخرطن بندورة، وبفلن روس الولاد والبنات من القمل والسيبان، وبرقعن البنطلونات الكاكي، رقعة على الركبة ورقعتين على المؤخرة
بتخرفن وبنمن وبحكن كمان في السياسة
هذه القعدات النسائية كانت بقايدة جدتي مريم الطيماوية، كنا نطلق عليها جولدا مئير، وبحضور كنتها، امي سرية، وجارتنا ام صبحي البدراسوية وكنتها ام أسامة، وجارتنا ام سميح صديقة امي، وام رشيد وام نعيم اليافاويات، وام محمد اليبناوية
كنا نلعب حول النسوان وبالقرب منهن، نسترق السمع احيانا لخراريفهن وتحليلاتهن السياسية، النسوان ما بدهن الحرب تقوم
اما نحن الصغار ابناء العاشرة من العمر كنا نغيظهن ونهتف " يارب الحرب تقوم "!
ام صبحي كانت متابعة الاخبار كويس ، فرنسا اعطت اسرائيل طيرات ميراج بتغطي عين الشمس، ام صبحي كانت تعرف بحاستها الطبيعية ان مصير هذه الحرب هو الهزيمة الماحقة؟!
امي سرية بتحبش الحرب وكمان امي خويفة، كانت لما تسمعني اقول يارب تقوم الحرب، تعفر وجهي بالتراب، ماتت امي ولم يعد لي من يعفرني بالتراب عندما أخطئ!!!
عشان هيك امي سرية. يوم ما شردنا من قصف المدفعية الاسرائيلية لمخيم خانيونس في صباح يوم الثلاثاء ٦ حزيران ١٩٦٧، ضربتني هواة وقرصتني في ركبتي ، واحنا متخبيين تحت حيطة دار ابو كاشف المهدمة وذكرتني، مش انت كنت تقول يارب تقوم الحرب، هي الحرب قامت، ليش خايف ، هي الحرب لعبة، امي كانت تفهم ما معني الحرب؟! لماذا قادة هذا الزمان لا يخافون من الحرب مثل امي؟! هل هم أشجع من أمي أم انهم لا يخافون على اولادهم زي امي؟!
قامت الحرب وانهزمنا وانتكسنا ، وطلعت النسوان والعجايز بتفهم في السياسة اكثر من القادة والزعماء، واكثر كمان من الراديو الذي كان يصرخ ليل نهار يبشرنا بالنصر القادم ومهنئا سمك البحر بالوليمة الدسمة القادمة، لماذا لا تتعلم تلفزيونات اليوم التي تصرخ ليل نهار من الراديو ووكسته ونكسته؟!
ماتت امي سرية في حزيران، وماتن نسوان الحارة ، ولم يعد هناك نساء يسمح لهن بالجلوس امام بيوتهن لان هذا عيب وحرام!!! وما زالت اثار العدوان الحزيرانية لم تُمحَ يا فيروز!!
الرحمة لنساء الحارة
الرحمة لقمر بيتنا الذي غادرنا في مثل عصر هذا اليوم الاول من رمضان
سنة قمرية مرت سريعا لمغادرة قمر البيت تاركتنا في العتمة نحوس!!!
٢) سواتر من حجارة البلوك
بدأت قوات الجيش الفلسطيني المصري تحصن المخيم ضد اي هجوم اسرائيلي محتمل
حفرت الخنادق وغطتها بالزينكو لتحمي السكان من قصف الطيارات!!!
وصفطت حجارة البلوك في شارع المخيم الرئيسي، كحاجز يمنع تقدم الدبابات!!!
الختارية كانوا يلعبون السيجة وينظرون بطرف عين الى هذه الموانع الحجرية
علق احدهم وهو مسسكا بحصوته، مادام الدبابات الاسرائيلية بدها تصل الى هان ، بعوض الله علينا، كش كلبك احسن
لم تصل الدبابات الى منتصف المخيم، ولكن احد جيبات الجيش الاسرائيلي الصغيرة كانت تتجول بعد ايام قليلة في مخيمنا، وينده الضابط من خلال ميكرفون صغير، على الرجال من عمر١٦ سنة الى عمر ٦٠ سنة للخروج والتوجه الى ملعب خانيونس، وهم رافعين ايديهم الى اعلى
خرج ابي وعمي وشباب وشيوخ الحارة الى حيث امرهم راكب هذا الجيب الذي لم تستطع حجارة البلوك ان تمنعه من احتلال مخيمنا!!!
٣) المقاومة الشعبية
تعزيزا للجبهة الداخلية وتقوية لها تقرر تدريب الختيارية على استخدام السلاح
كان ضباط جيش التحرير الفلسطيني وعساكره هم المسؤولين عن هذا التدريب
مجموعة من ختيارية ورجال المخيم تجلس ام الضابط او الشاويش في مدرسة عكا الاعدادية ، جنوب غرب المخيم على شارع البحر
كنا نلعب نحن الصغار بالقرب من ساحة التدريب، واحيانا نتوقف عن اللعب ونستمع لصوت الضابط وهو يشرح لهم طرق الاشتباك مع العدو
كنا ننظر بانبهار لهذا الضابط الفذ الذي يفكك البارودة الصيني ويعيد تركيبها في دقائق قليلة
المعنويات مرتفعة والنصر قادم، هذا هو الجو العام الذي كان يسيطر عل ساحة التدريب!!
الا ان احد الختيارية تنحى جانبا وبدأ يتوضأ لصلاة العصر
فطلب منه الضابط ان يرجع الى التدريب
فضحك الاختيار وقال هامسا ، بدك ايانا نواجه الدبابة بهالبارودة، والله الصلاة احسن ، فش فايدة
قامت الحرب يوم الاثنين، وسقط الاستاذ محمود خضر ابو حسن، احد افراد المقاومة الشعبية يوم الثلاثاء، شهيدا في وسط المخيم وهو يحمل بارودته التي لم تستطع مقاومة قذائف الدبابات التي تساقطتت على المخيم وخنادقه المغطاة بالزينكو
الغريب ان توقعات هذا الختيار تحققت ولم تنفع البارودة في وقف العدوان ولم تحم المخيم من الاحتلال
والاكثر غرابة ان كثيرا من الذين يمتشقون البارودة يعتقدون انهم سيحمون المخيم في الحرب القادمة ليس فقط من قذائف الدبابات وبل ومن صواريخ الطائرات!!