تاريخ النشر: 2017-10-30 | 12:32
تاريخ النشر: 2017-10-30 | 12:32
الغياب شكل من اشكال الحضور يغيب الجسد ولكن الفكروالنهج باقٍ، ويكون اشد حضوراً من وقت الحياة تطلّ علينا هده الأيام وفي نهاية شهر تشرين الأول الذكرى الرابعة عشرلرحيل الفارس ابن فلسطين ابن جفنا الرفيق جريس عيد قواس ( ابو القاسم) ، والذي سمّي بهذا الإسم أيام شبابه تيمناً بالشاعر ابو القاسم الشابي الذي قال " إذا الشعب يوماً اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر" ولد عام 1925م،وفي الخمسينات عمل مدرسأً في مدينة الفحيص وعمان والزرقاء، من مدرسة لأخرى متنقلاً ولم تفارقه رسالته الوطنية إلى جانب رسالته التربوية،وكان يحثّ الطلبة على التظاهر والتنظيم لنشاطه المميز وقوة تأثيره على طلبته، يقود المظاهرات ضد حلف بغداد، وكان معروفاً في قدرته على تنظيم الجماهير وقيادتها فأينما كان على رأس مظاهرة كان العزم والصرامة ، ونتيجة لنشاطه الملحوظ وحضوره الوطني المميز، اعتقلته السلطات وزجّ به في سجن الجفر المعروف ومراكز الإعتقال الأخرى في العبدلي والمحطة والزرقاء، ، ولقد طالت فترة اعتقاله منذ عام 58 وامتدت إلى عام 65، رافضاً مغادرتة سجن الجفر الصحراوي عندما كان ثمن المغادرة التخلي عن الإنتماء واستنكار الحزب والفكر التقدمي الإنساني ، لقد كنت من الرفاق النشطاء في سجن الجفر الصحراوي تحدّيت الجلادين والمحققين صامداً مواجهاً، ومع رفاقك حوّلتم السجن إلى مدرسة ثورية والصحراء إلى حديقة تزرعون فيها كل اصناف المزروعات تؤكدون ان الإرادة تُنبت بالصحراء كل أنواع النباتات التي يعجز العلم الزراعي عن تفسير نموها في هكذا بيئة ، لقد كنت شعلة مضيئة ونشطة ولهذا كان الرفاق يسمونك ( أبو الهمايم) ، لم تكن تتكلم كثيراً عن صمودك في السجن وتفاصيله إلّا ما ندر وتكتفي بالعمل الدؤوب والعطاء المستمر .
أطلق سراح الرفيق عام 65 وتوجّه للضفّة الغربية لفلسطين وبدأ نشاطه الملحوظ في التنظيم الشيوعي الفلسطيني في الضفة الغربية وكان من نشطاء الجبهة الوطنية المتحدة واعتقلته السلطات الصهيونية وأبعد مع سبعة من الأخوة والرفاق منهم عبد الجواد صالح، وعبد المحسن أبو ميزر، وضمين عوده وعربي عواد"أبو الفهد" من قادة الجبهة إلى خارج الوطن عام 73 في العاشر من كانون أول " في اليوييل الفضي للإعلان عن حقوق الإنسان"خارج فلسطين، واختارالرفاق لبنان وسورية ليكونوا في ساحة الصراع الساخنة مع فصائل العمل الوطني الفلسطيني، وكان بيته ومكتب الجبهة الوطنية المتحدة لشؤون الوطن المحتل محجّةً للأخوة والرفاق من كل تلاوين العمل الوطني للنقاش والحوار وكان يمثل النهج الثوري داخل صفوف الشيوعيين الفلسطينيين ويجمع الجمع الخلاق بين النضال الوطني والقومي والإجتماعي والإنساني، ويدعو لممارسة الكفاح المسلح الشكل الأنجع لتحقيق الحقوق، ولعلاقة سليمة مع الإتحاد السوفييتي وفصائل العمل الوطني الفلسطيني وكان من نشطاء وقيادة التنظيم الشيوعي الفلسطيني في لبنان أحد فروع الحزب الشيوعي الأردني ،والذي كان بمثابة النواة لتشكيل الحزب الشيوعي الفلسطيني الثوري، كان في عام 1980 سنة إعلان التعبئة العامة للإتحاد العام لطلبة فلسطين من الرفاق المميزين النشطاء وكان بيته مفتوحاً للحوار والنقاش لأهمية الإعلان عن تشكيل الحزب الشيوعي الفلسطيني المسلح وعن ضرورة مشاركة الحزب في مسيرة شعبنا الوطنية ، كان يمتشق سلاح الكلاشنكوف رغم كبر السن بما يشكل حافزاً وملهماً للطلبة من الحزب ، وكان من القادة المؤسسين للحزب الشيوعي الفلسطين الثوري إلى جانب رفيق دربه الرفيق المرحوم عربي عوّاد ( أبو الفهد) والرفيق ضمين عوده( أبو القاهر) ، وغيرهم من الرفاق،وظل يمارس نشاطه في لبنان بين صفوف شعبنا لحين الإجتياح الصهيوني لأول مدينة وعاصمة عربية بيروت عام 82، واختار متوجهاً ورفاقه إلى سورية لمواصلة النضال الوطني ، والمشاركة مع فصائل العمل الوطني الفلسطيني، وكان من المؤسسين والمساهمين في إعادة تشكيل الحزب الشيوعي الفلسطيني عام 82، وأصبح عضواً للمكتب السياسي بعد عقد المؤتمر الأول عام 1987 والإعلان عن قيام الحزب الشيوعي الفلسطيني – الثوري، في سورية عمل إلى جانب الفصائل الوطنية الفلسطينية واتخذ موقفاً ثابتاً وواضحاً من القيادة المتنفذة في م.ت.ف وانحاز للقوى الوطنية الفلسطينية رافضاً لأوسلو، وكان عضواً قيادياً فعالاً في جبهة الإنقاذ الوطني الفلسطيني، ومن ثمّ تحالف القوى والفصائل الوطنية الفلسطينية، وعمل على تشكيل لجنة الدفاع عن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين- سورية، وبقي رئيساً لها ناشطاً في فضح الإحتلال وممارساته في المؤسسات الدولية ومتابعاً لأحوال أسرى شعبنا ، إلى أن سلّم الرئاسة طوعاً لأحد الأخوة من الأسرى المحررين لأنه كان يؤمن بالتجديد وعدم احتكار المواقع التنظيمية ،وكانت مفكرته لا تفارق جيبه يدوّن فيها أيّة ملاحظة يصدفها أو يقراها لينتصر على النسيان وينعش الذاكرة، كان يتميز بالجرأة التنظيمية ويمارس حق النقد البناء بكل شفافية ،وكان يهتم برفاقه يزورهم من حين لحين ويتابع أمورهم الشخصية موجّهاً ناصحاً، لقد كان الرفيق ابو القاسم متواضعاً شعبياً ملماً بتاريخ أمتنا العربية وخاصة تاريخ فلسطين محبوباً أصرّ على السكن في مخيم اليرموك ليكون بالقرب أكثر من شعبه كان يجلس مع جميع الفئات شعبياً مناقشاً محاوراً موضحاً في فترة عصيبة مرّت على شعبنا وتبدّلات واستدارات في المواقف السياسية لقد أحبّه كل من قابله ، وكانت روح الشباب ملازمة له أحبّ الحياة ولهذا اختار النضال لحياة افضل وأكثرسعادة، وأحبّ فلسطين فاختار العمل المقاوم المسلح الأنجع لنيل حقوقنا ،وعاش سنين عجاف في الغربة،وظلّت رائحة مشمش ولوز جفنا تشدّه إليها ، وعاد إلى الوطن بعد نحو عشرين عاماً وظلّ ملتزماً بأفكاره ومبادئه وثوابته إلى أن وافته المنيّة عام 2003، ودفن وكما كان يتمنّى في مقبرة بلدته جفنا والتي كانت نموذجاً للفن المعماري التراثي الفلسطيني واستطاعت أن تحافظ على طابعها التراثي وتشكل مركزاً سياحياً، ولقد كرّمه أبناء جفنا الطيبين بنصب له على مشارف مدخل المدينة ،هاهم أحفادك شاهدناهم يتضامنون مع أسرانا الذين أحببتهم ودافعت عنهم في المنابر الدولية ، ويرفعون راية فلسطين مشاركين بالفعاليات في إضراب الكرامة، هاهم بناتك الماجدات وقاسم يجولون في فلسطين ويشاركون بالفعاليات المختلفة ليعوّضوا سنين غيابهم القسري وفراقهم لفلسطين، ويتبوءون المراكزالإجتماعية ويحظون باحترام أبناء شعبنا ويحافظون على سيرتك وحبك لشعبك وانحيازك للوطن ، الذي كان بوصلتك وأولويتك وانتصر حبّ الوطن والعودة لربوعه على قرارات تنظيمية غير مدروسة ومزاجية ، تحت عناوين لا مجال لذكرها ،عهداً ابو القاسم أن نبقى على العهد على دربك سائرون لتحقيق أهداف شعبنا في التحرر والإستقلال التام والعودة وقيام دولتنا الوطنية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس، لقد كنت الفارس وجمعت وبشكل خلاق بين النضال الإجتماعي والوطني والقومي والإنساني ستبقى في الذاكرة حاضراً رغم غياب الجسد دوما.