منذ بداية انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في دورته الأولى عام 1996م كان أداءه ضعيف على صعيد الرقابة على الأجهزة الأمنية الفلسطينية حيث كان هذا المجلس يفتقر إلى الخبرة والمعرفة بالعمل البرلماني علاوة على ذلك لم يكن في ذلك المجلس أي معارضة حيث كانت حركة فتح هي التي تشكل الأغلبية داخل أروقة المجلس التشريعي، أضف إلى ذلك أن كثيرون من أعضاء هذا المجلس كانوا وزراء في الحكومة الفلسطينية منذ إنشاءه وفي الانتخابات الثانية عام 2006م..
كذلك فإن كافة الأجهزة الأمنية الفلسطينية كانت موضوعة تحت سلطة الرئيس الراحل/ ياسر عرفات وتحت أشرافه المباشر من الناحية القانونية بصفته القائد الأعلى للقوات الفلسطينية المسلحة، لذلك فإن المجلس التشريعي كان يفتقر للآليات القانونية التي تمكنه من استجواب رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية.
ومن هنا فإننا نخلص إلى النتائج التالية آخذين بعين الاعتبار البيئة الأمنية الفلسطينية الصعبة التي تسود الأراضي الفلسطيني:
1. لقد كانت الرقابة البرلمانية على الأجهزة الأمنية الفلسطينية في عهد الرئيس الراحل/ ياسر عرفات تتسم بالضعف الشديد، فقد كانت جميع الصلاحيات التنفيذية وجزء من الصلاحيات التشريعية في يد الرئيس آنذاك، مما تسبب في إضعاف دور المجلس التشريعي على جميع المستويات بما فيها الرقابة على الأجهزة الأمنية أو مساءلة قادتها.
2. انعدام قيام السلطة القضائية بالاضطلاع بدورها المأمول في مراجعة أعمال الأجهزة الأمنية على الوجه المطلوب، فعلى الرغم من وجود إطار قانوني ناظم تستند إليه هذه السلطة في مساءلة أفراد الأجهزة الأمنية ومحاسبتهم من خلال المحاكم، حيث عملت التداخلات السياسية والولاءات الحزبية والفصائلية للحيلولة دون إجراء مثل هذه المراجعة وانعدام أثرها.
3. لم يقم المجلس التشريعي الفلسطيني بالمسؤولية في الرقابة الفاعلة على السلطة التنفيذية وأجهزة الأمن الفلسطينية بشكل خاص.
4. لم تقم السلطة القضائية بجميع فروعها وإدارتها بالمراقبة.
والتفتيش على مراكز التحقيق والاعتقال ومراكز الإصلاح والتأهيل المهني وأماكن التوقيف الأخرى التي تخضع لإدارة الأجهزة الأمنية، كما يجب إرغام أجهزة الأمن على احترام الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم.
5. لقد شاب الأجهزة الأمنية الفلسطينية قصور في أداء واجبها نحو حماية المواطنين، إذ لم تستطع هذه الأجهزة من منع قتل مواطنين على خلفية تعاونهم مع الاحتلال الإسرائيلي أو في شجارات عائلية أو لأسباب جنائية، أو قتل مواطنين مدنيين من قبل أفراد الأجهزة الأمنية نتيجة سوء استخدام السلاح أو أثناء فض النزاعات العائلية أو التصدي للمظاهرات.
6. لقد أدت إجراءات الاحتلال الإسرائيلي إلى أضعاف المجلس التشريعي بالإضافة إلى المؤسسات الأخرى، وذلك باعتقال النواب أو منعهم من السفر ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث أن من الصعب مقارنة الأداء بين مؤسسة تعمل في ظل دولة مستقلة ذات سيادة وأمن داخليين، وأخرى تعمل في أراضي محتلة، لا تتمتع بأي سيادة أو الأمن الداخليين بل ويمارس الاحتلال عليها سطوتة، ويحاول إعاقة بناء مؤسساتها لكي يضمن بقاءه على تلك الأرض.
وعليه يجب أن تكون النقاط التالية منهاجاً للعمل المستقبلي وهي:
1. تحديد طبيعة دور الرئيس باعتباره القائد الأعلى لقوى الأمن الفلسطيني بشكل لا يتعارض مع الدور المناط بمجلس الوزراء في حفظ النظام والأمن العام ودور المجلس التشريعي الفلسطيني في الرقابة على الأجهزة الأمنية الفلسطينية حسب ما ورد في القانون الأساسي.
2. الإسراع في إنجاز قانون مجلس الأمن القومي الفلسطيني ليكون هيئة رسمية تشكل مرجعية مؤسساتية للأجهزة الأمنية أمام المستوى السياسي حتى لا ينشأ خلاف أو صراع بين هذه الأجهزة مع بعضها البعض.
3. ضرورة تفعيل مجلس الأمن القومي الفلسطيني لوضع الخطط اللازمة لحماية أمن الوطن والمواطن بوضع سياسات أمنية واضحة ومحددة وتحديد آليات تنفيذها ومتابعتها والتأكد من حسن الأداء.
4. تعديل المادة (8) من قانون الخدمة لقوى الأمن الفلسطينية رقم (8) لسنة 2005م والقاضي بتعيين القائد العام ليصبح بتنسيب القائد العام من قبل وزير الأمن الوطني وأن يؤدي وظائفه ويباشر اختصاصاته بإشراف وزير الأمن الوطني.
5. فصل وزارة الداخلية عن قوات الأمن الوطني وتعيين وزيراً للأمن الوطني وإنشاء وزارة لها حتى تتمكن من الإشراف على هذه القوات وبالمقابل تحتفظ وزارة الداخلية بدوائرها المدنية القائمة في الوزارة وكذلك جهاز الدفاع المدني والشرطة بصفتها جهاز يعمل على إنفاذ القانون تحت إشراف الوزارة مع الاقتراح بدمج جهاز الأمن الوقائي بالشرطة.
6. تكون وزارة الأمن الوطني هي المشرفة على القوات الفلسطينية المتواجدة خارج فلسطين بالإضافة إلى الإشراف على الملحقين العسكريين العاملين في سفارات دولة فلسطين بالخارج.
7. إضافة بعض النصوص القانونية التي تلزم الأجهزة الأمنية بتقديم المعلومات والتقارير الدورية للجان المختصة في المجلس التشريعي، وإطلاعها على الخطط والسياسات والاتفاقات الأمنية المختلفة.
8. إعداد نظام خاص في المجلس التشريعي لحماية أي معلومة أمنية مقدمة من الأجهزة الأمنية ودرجة سريتها.
9. إن يتم إضافة بعض النصوص القانونية لخضوع الأجهزة الأمنية وقادتها لرقابة المستوى السياسي والمجلس التشريعي بكل وضوح.
10. ضرورة تحلي قادة الأجهزة الأمنية بروح التعاون البناء مع المجلس التشريعي بدلاً من الوقوف كخصم ضده أو اعتراض عمله في كثير من الأحيان خاصة في ظل الظروف الأمنية الصعبة التي يمر بها الشعب الفلسطيني والعوائق التي توضع من قبل الاحتلال الإسرائيلي وخصوصاً اعتقال أعضاء من المجلس التشريعي.
11. تحديد الجهة المكلفة عن تزويد المجلس التشريعي بالمعلومات والتقارير الأمنية.
12. وضع آلية لعمل لجنة الداخلية والأمن تأخذ بعين الاعتبار طبيعة القضايا الأمنية وضرورة المحافظة على السرية بما يعزز الثقة والتعاون مع المؤسسة الأمنية.
13. يجب أن يكون هنالك توافقاً في السياسات الأمنية والرؤى بين سياسات رئيس السلطة الفلسطينية بصفته القائد الأعلى لقوات الأمن الفلسطينية ومع سياسات مجلس الوزراء حيث من اختصاصاته مسؤولية حفظ النظام العام والأمن الداخلي حتى يتم بالنهاية تحقيق الأمن للمواطن وإلزام الجهاز الأمني على تنفيذها.
14. تعزيز اللجان المنبثقة عن المجلس التشريعي ذات العلاقة وهي (لجنة الداخلية والأمن ولجنة حقوق الإنسان والحريات ولجنة الموازنة والشؤون المالية ولجنة الشؤون القانونية).
15. تطوير الخبرات البرلمانية في المسائل المتعلقة بالقطاع الأمني مع التركيز على الرقابة على الموازنة بصورة خاصة.
16. نشر ثقافة التعاون بين الفصائل الفلسطينية داخل المجلس التشريعي من جهة وبين المجلس والسلطة التنفيذية من جهة أخرى.
هذه هي الرؤية التي تؤسس فيها لبيئة تشريعية منتجة تمكن من بناء المنظومة الأمنية الفلسطينية المنشودة من خلال الرقابة البرلمانية على هذه الأجهزة.