لا ملامة على الذين لم يقرؤوا ما أسفر عنه لقاء يالطا في نهاية الحرب العالمية الثانية بين أقطاب التحالف الروسي الأمريكي البريطاني ضد ألمانيا وتفاهمات التقاسم لمناطق النفوذ وأسواق السلع والأفكار ، خصوصاً في منطقتنا العربية ، وتفاهماتهم حول تأسيس الأمم المتحدة ومجلس الأمن وتسويقهم لأنفسهم بأنهم هم المجتمع الدولي ، واعتقاد البعض أنهم جزء من هذا المجتمع . ولكن الملامة على هؤلاء الذين صدّقوا أن هذا المجتمع الدولي لا ينظر إليهم كسبايا ، وأن عليهم أن يسلكوا سلوك السبايا سراً أو علانية ، ترغيباً أو ترهيباً .
جرّب الأمريكان اختراق تلك التفاهمات في سوريا في الخمسينات من خلال الضغوط والتهديدات المعلنة والخفية للحلف المركزي ( السنتو ) الذي ضم الباكستان وإيران وتركيا لإرغام سوريا على الانضمام إليه فرد والروس بدفع السوريين للذهاب إلى جمال عبد الناصر وتأسيس الجمهورية العربية المتحدة وسلمت سوريا وسقط حلف السنتو .
وجرب الأمريكان الاختراق لهذه التفاهمات مرة أخرى في سوريا بعد غزو العراق ودفع الروس سوريا للمراوغة رغم أن سلوك الرئيس الروسي يلتسين وقتها كان أقرب ما يكون إلى سلوك العميل للأمريكان وراوغ السوريون ودخلوا مع شركاء الغزو في ما سمي بـ خمسة زائد واحد ( الدول الستة المحيطة بالعراق زائد الأمريكان حسب اعترافات محمد خاتمي الرئيس الإيراني الأسبق) وسلمت سوريا وفشل الغزو وتغيرت على إثر هذا الفشل أشياء كثيرة كان أهمها ما أطلق عليه الساسة الأمريكيون استراتيجية تغيير الاتجاه .
وتحت هذه الاستراتيجية عاد الأمريكان لتجربة الاختراق لهذه التفاهمات مرة أخرى في سوريا تحت مسمى الربيع العربي بأدوات دربوها في معاهد كارنيجي وفريدم هاوس وغيرها وكانت جماعة الإخوان قوامها السياسي الرئيسي وكانت مواليد هذه الجماعة من متطرفين وإرهابيين قوامها العسكري ، في الذي استخدمت فيه بعض الوجوه المحسوبة على الفكر المدني واجهات تقوم بعمل البغال الحاملة لأثقال أعداء أوطانها وأمتها فكانت هذه الحرب على سوريا في سوريا ، ... ولم تدرك هذه البغال أن روسيا أصبحت روسيا بوتين ولم تعد روسيا يلتسين ، ومعنى التصريح المبكر لوزير الدفاع الروسي عندما قال أن روسيا مستعدة لخوض حرب عالمية دفاعاً عن سورياً وأرسل أهم القطع في الأسطول الروسي لتجوب مياه البحر المتوسط قبالة السواحل السورية .
وجاءت ورطة الأمريكان مع الكيماوي ( سلاح الردع السوري أمام النووي الإسرائيلي ) والطريقة التي انتشل فيها بوتين أوباما من ورطة حقيقية ربما كانت ستكون أعمق من ورطة بلاده في العراق ، واعتقد الكثيرون أن الروس والسوريين تنازلوا وسلموا هذا الكيماوي دون مقابل ليكتشفوا اليوم أن الثمن الذي تقاضاه السوريون كان أكبر كثيراً من قيمة هذا الكيماوي ... كان التحييد التام لسلاح الجو الإسرائيلي من خلال منظومات الدفاع الجوي الــ إس 300 وربما أضيف إليها الــ إس 400 وبهذا فقد تم كـف اليد لكل اللاعبين في المنطقة من القوى الإقليمية وإعـادة الأمور إلى أبعادها الحقيقية ، وإلى ذات القوى التي تفاهمت في يالطا على تقاسم نفوذها وأسواقها في منطقتنا وإن كانت الوجوه غير الوجوه .
هذا الوضع الجديد وفي ظل الاعتراف الخجول للساسة الأمريكان بتراجع تأثيرهم وخوفهم من اندلاع نزاع كبير ليسوا مستعدين لخوضه وليسوا مستعدين لتحمل تبعاته خصوصاً عندما أصبح الجمهور الأمريكي يدرك أن بلاده ستخوضه ليس لصالح أمريكا وإنما لصالح طرف ثالث هو الكيان الصهيوني ، وأن على رأس هذا الكيان قيادات مدعومة من بعض المتطرفين الأمريكان لن تتورع عن ارتكاب حماقات تحرق المنطقة وتحرق معها كل المصالح الأمريكية فيها . وهنا نفهم السبب في وضع الإدارة لكل الأسلحة الإسرائيلية الرئيسية تحت الرقابة المباشرة للقاعدة الأمريكية في صحراء النقب ، ونفهم السبب وراء التصريحات الأخيرة للروس ونشر الطائرات والصواريخ الروسية على الأرض السورية . ونفهم أيضاً السبب في هذا التعامل الأمريكي مع هذا الواقع وهذه الرجفة الصهيونية أيضاً .
صحيح أن داعش تبدوا وكأنها تمثل خطراً يتهدد العالم ولكن طبيعة تكوينها ودعمها تجعل من السذاجة الاعتقاد بأنها قوة منفلت عقالها ، وأنها تمثل فعلاً خطراً حقيقياً ... فلم يكون الدواعش ولن يكونوا أكثر من أدوات . ولكن الأصح هو هذا الشعور بالاختناق الذي فرض نفسه على الكيان الصهيوني نتيجة الإحساس المتزايد بتحجيمه وبفقده التدريجي لوظيفته التي لا بقاء ولا استمرار لوجوده بفقدها وهنا نفهم هذه السرعة التي حملت نتنياهو إلى موسكو .
لن تكون الأزمة السورية أكثر خطورة من أزمة الصواريخ الكوبية ، ولكن خطورتها تكمن في أن تسويتها لن تتم إلا بتسوية الأساس لكل مشاكل المنطقة .... فلسطين ... وفي خضم هذا الضجيج وهذا التشابك المعلن ستطفو على السطح فنبلة الرئيس الفلسطيني ... هذا الرجل الذي كسلفه يجيد المشي بين حقول الألغام وإن كان يمشي بنفس العنـاد ولكن بنعومة أكثر .