جديد محمود الزهار هذه المرة هو المطالبة بمكة " 2 "، دعوة لا طعم لها ولا رائحة، ولا الزمان ولا الظروف مناسبان لها، ولا سيما إذا ما تم استعادة تاريخ اتفاق مكة " 1 " الذي وقعته حركتي فتح وحماس في 8 شباط 2007، برعاية العاهل السعودي الراحل، الملك عبد الله بن عبد العزيز، لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وسرعان ما انهار بعد عدة شهور، بسبب انقلاب نفذته حماس مسح بين ليلة وضحاها، نصوص صيغت برائحة العمرة لبيت الله، دون اكتراث بقدسية المكان ولا باحترام لراعي للاتفاق.
هذه المرة يطالب الزهار فيها بمراقبة عربية، لمراقبة تطبيق بنود الاتفاق، وتحميل الطرف المعطل المسؤولية عن ذلك، بعدما كان ذلك يُعد تدخلا في الشأن الفلسطيني حتى لو كان لإنجاح المصالحة.
اذا هو انتقال لحماس للعب في ساحة المملكة العربية السعودية ، التي أصبحت تلعب دورا أكثر فاعلية، بعد ان كانت تفضل أن تكون في مربع الحياد الايجابي، طمعا في التوفيق بين الاطراف المختلفة. انتقال تمارس فيه حماس لعبة تبديل للقبعات، فبعد قبعة النظام السوري كان القطري ثم المصري فالتركي، واليوم السعودي.
بالطبع تدرك حماس أهمية دور المملكة السعودية وثقلها العربي والدولي، والتغيرات المقبلة، فأرادت مبكرا أن تقدم أوراق اعتمادها في ظل هذه التغيرات، متناسية أن الدول فقط هي المسموح لها أن تشارك في صياغة الخارطة السياسية، أما الحركات الإشكالية فهي ليست بأكثر من دمى أو مستخدمين في المنطقة لإثارة الشغب هنا او هناك.
مغازلة حماس للمملكة السعودية كانت بدايتها الاولى بعد تيقنها من سقوط حكم محمد مرسي، لتكون اكثر علانية ورسمية مع بدء عاصفة الحزم واشتراك قطر في الحملة، حيث سارعت لاعلان موقفها بدعم استعادة الشرعية في اليمن لصالح منصور هادي صديق المملكة السعودية، وبعد ان ظهرت اشارات تطالب بعاصفة اخرى في غزة، وان كان الحزم المطلوب سياسيا وليس عسكريا .
الأكثر غرابة هو ترحيب اسماعيل هنية بتجديد دور المملكة السعودية لتطبيق اتفاق المصالحة والإعلان عن الالتزام بما ورد في نصوصه، وكأن شيئا من نصوصه مازالت قائمة بعد كل التغيرات التي احدثها الانقلاب، وان حماس ما زالت الجهة التي توزع العطايا بتوزيع الادوار لدول المنطقة، وتباركها.
اتفاق مكة " 2 " الذي يدعو له الزهار سبقه الكثير من الاتفاقات والتفاهمات أخرها كان تفاهم الشاطئ الذي تم في منزل هنية، سبقه اتفاق القاهرة في أيار 2011 الذي اقر الجميع بأنه اتفاق شامل يجيب على كافة الأسئلة، وما يحتاجه هو فقط التطبيق العملي لطي صفحة الماضي الأسود في التاريخ الفلسطيني، وليس الدخول من جديد في دوامة البحث في اتفاقات جديدة تطيل عمر الانقسام.
ان دعوة الزهار لانتاج " مكة 2 " ما هي الا محاولة جديدة للعب على الوقت، لضمان البقاء في سدة الحكم، ولكن على طريقة هنية بالإدارة من خارج الحكومة، وحكم دون تحمل تكاليفه، والبقاء لاعبا يستبدل قبعته وفقا للتغيرات الإقليمية دون إلزام لها باتفاق او التزام منها بواجب، وقناة للعلاقات العامة مع المحيط العربي والدولي مفادها بأنها حركة تعمل لإحلال السلم الأهلي، ولكن الطرف الآخر هو العطل، وبأنها تمثل الصورة الجميلة للاسلام السياسي، ونهج الاعتدال لحركات المقاومة.
ولكن يبدو أن مهمة حماس في ادارتها لشبكة العلاقة العامة التي تحاول النجاح فيها ستكون صعبة، ولن يكون من السهل عليها النجاح باللعب مع كل المتناقضات والاضداد في ذات الوقت وبنفس الادوات، وخاصة بعد اتضاح الصورة، وافتضاح أمرها مع من تحالفت معهم ثم تحالفت عليهم، كما لن يكون بمقدورها الاكل من كل الصحون دون ان تتكلف بجهد تنظيفها، فليس من الممكن ان تحصل على التمويل للسلاح من طهران، والحب والرفاهية من قطر، والمعبر من القاهرة، والانفاق على موظفيها من السلطة، والتسهيلات والامان من اسرائيل، والشرعية والرضى من الرياض.