بالامس شاهدت شاب في متوسط العمر يعيش في لبنان من خلال فيديو يهاجم فيه السلطة الفلسطينية وكل مؤيديها، ويصفهم بأنهم لا يعرفون معنى الكرامة وأنهم عبيد للاحتلال والتنسيق الأمني وعبيد لحب الكرسي ولمصالحهم الشخصية، وما إلى ذلك من تعابير نسمعها كل يوم من الفلسطينين في مختلف اماكن تواجدهم، في غزة والضفة والقدس وال48 والأردن ولبنان والداخل والخارج.
هذا الفلسطيني الذي يعيش القهر والحرمان ولا يستطيع أن يدخل الى مخيمه كيس اسمنت ولا إلى بيته مسمار، ومحروم من الحياة والعمل، يرى في السلطة ومؤيديها فاقدي الكرامة وعبيد للاحتلال. عن اي كرامة تتحدث يا اخي، هل يعيش الفلسطيني بكرامة في الدول التي هاجر أو نزح إليها، أم تعيش نساء غزة بكرامة في الخيام التي نزحت اليها؟!
ما هي الأسباب التي تدفع الفلسطيني إلى هذا الموقف غير الواقعي وغير الموضوعي من سلطة تحاول، وهي تحت الاحتلال، أن تأسس لشيء على الأرض يحمي الفلسطيني من كل من يعتدي، ليس فقط على كرامته، بل وعلى حقه في الوجود والحياة.
السبب الرئيسي لذلك هو الاحتلال وممارساته ضد الفلسطيني الذي يتعمد من خلالها إهانة الفلسطيني دفعه إلى التطرف اللفظي والشعاراتي، ما يقوم به الاحتلال والمستوطنين من اعتداءات على وجود الناس وكرامتهم هو السبب الرئيسي للتطرف الفلسطيني والموقف من السلطة والاعتقاد أنه لا أمل من هذا الطريق في تحقيق أدنى اهداف للشعب الفلسطيني. هذا التطرف والشعارات التي يتبناها الفلسطيني في الداخل والخارج لا يعني البتة أنه يملك طريق آخر يستطيع من خلاله تحقيق حقوقه. لقد جربنا كل الطرق من الكفاح المسلح إلى الانتفاضة الشعبية والانتفاضة العسكرية، وصولا إلى صواريخ وانفاق حماس والجهاد ومسيرات العودة إلى السلك، وصولا الى الطوفان والنتائج المدمرة لكل هذا النهج في غزة وعلى كل الشعب الفلسطيني. إذن أنت تدعو إلى شيء جربه الفلسطيني ونتائجه كانت واضحة على الأرض، تدمير البلاد والعباد والمشروع.
السبب الثاني لهذا التطرف اللفظي والشعارتي الذي يعيشه الفلسطيني هي الثقافة التي زرعتها الفصائل في عقل ووجدان الفلسطيني في مرحلة الكفاح المسلح، التي ترتكز على تقديس السلاح والمقاومة والجهاد وتمجيد الشهادة وجعلها اهم قيمة يسعى إليها الفلسطيني في حياته. لقد انتشرت في فترة الانتفاضة العسكرية أن يتسابق الشبان الفلسطينين في تسجيل وصاياهم مسبقا حتى تذاع بعد استشهادهم.
ثم أتت الفصائل الإسلامية ورفعت شعار الموت في سبيل الله أسمى امانينا، وأحاطت ذلك بهالة من القداسة والايات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة. لقد زادت الفصائل الإسلامية الطين بلة في تشويهها للوعي الفلسطيني وجعلت منه صوتا وشعارا لا يمت للحياة والواقع في شيء.
العامل الثالث الذي لعب دورا ودافعا للفلسطيني أن ينحو نحو التطرف اللفظي والشعاراتي هو الهروب من التهم الذي توجه له من الشعوب العربية الذي تتهمه بأنه باع أرضه وأنه هرب من بلاده، ويعيش في بحبوحة في بلادهم، ويرفض الرجوع إلى بلاده لكي يحررها، اتهامات تجنن كل عاقل وتدفعه إلى الهروب الى الأمام وتبنى أقصى شعارات التطرف حتى تعجب هذا العربي والإسلامي وتؤكد لهم أن الفلسطيني ثائر ومجاهد ومقاتل، خاصة في ظل تدني الوعي الشعبي العربي وفهمه السطحي للقضية الفلسطينية والوجود الفلسطيني وكل المسألة الفلسطينية.
هذا ناهيك عن استخدام الأنظمة العربية والإسلامية الفلسطيني أداة في تحقيق مصالحها في المنطقة وفي صراعها فيما بينها، المثل الأبرز لذلك، بعد ليبيا القذافي وسوريا الأسد وعراق صدام، استخدام إيران لغزة كقاعدة لإطلاق المواسير وفقا لتوقيتها ومصلحتها، والدور التخريبي الذي تلعبه إيران الان في الضفة الغربية ضد السلطة الفلسطينية واستغلال الشباب في الضفة ولبنان باسم المقاومة والكفاح المسلح.
السبب الاخير، رغم أنه قد يكون هناك أسباب أخرى كثيرة، هو عدم وعي الفلسطيني لأهمية وجود سلطة وطنية تحكمه ، هذا الفلسطيني الذي تهجر وعاش ومات تحت حكم الأنظمة العربية ولم يعرف يوما في حياته سلطة وطنية تحكمه، كيف لهذا الفلسطيني ان يفهم ويعي أهمية وجود سلطة تحت الاحتلال تحكمه وهي غير قادرة على الدفاع عن نفسها أو عن شعبها. ان وعي الفلسطيني لأهمية وجود سلطة وطنية تحكمه وعي متدني ومتخلف.
أن الوضع الفلسطيني في هذه المرحلة محزن ولن يستطيع بهذه الطريقة وبانحيازه الى الشعارات والتطرف اللفظي والوقوع في شرك مصلحة الأنظمة العربية والإسلامية أن يحقق لنفسه اي اهداف، ولا يبني أي مستقبل بعيدا عن التمجيد بنضالته وموته واستشهاده، الذي أصبح في لغة البعض ارتقاء يصفق له.
يجب إعادة الوعي للفلسطيني بامكانياته وقدراته الحقيقية وصعوبة وتعقيد قضيته، وقوة العدو الذي يواجهه وأن الهدف من النضال البقاء على أرض الوطن وبناء المؤسسات وصولا إلى الدولة والاستقلال والعيش بكرامة، وليس تمجيد السلاح والموت والارتقاء.
إن تخلص الفلسطيني من التطرف والشعارات يساعد القوى الاسرائيلية التي تناضل ضد التطرف الاسرائيلي واليهودي من مواصلة نضالها وتحقيق أهدافها، رغم ضعفها وانحسار وجودها في هذا الجو المشحون بالتطرف من مختلف الأطراف. التطرف الاسرائيلي يعتمد فيما يعتمد إليه، اضافة الى العقيدة الصهيونية المتطرفة والاحتلال الذي يؤجج التطرف، يعتمد على التطرف الفلسطيني وياخذ منه مبررا لمزيد من التطرف والقتل ورفض السلام، انعكاس الطوفان على زيادة التطرف داخل المجتمع الاسرائيلي أكبر برهان على ذلك.
أن إعادة الوعي للفلسطيني بأهمية وجود سلطة وطنية تحكمه، بغض النظر أنها ضعيفة وتحت الاحتلال، يحتاج إلى نضال صادق وطويل من قوى تؤمن بهذا الطريق وهذا النهج ولا تخجل من واقعها، وتستطيع أن تواجه كل التحريض والتهم التي تتهم بها جزافا بثقة وعزة نفس واحترام للذات. طريق صعب يحتاج إلى قادة تنحاز الى مصالح شعبها وليس الى تاريخها ومصالحها من القيادة.
يجب أن يخضع الإعلام والتعليم والمساجد في الأراضي الفلسطينية وما يبث فيها من ثقافة ودروس وتعليم للمراجعة والتقييم حتى نخلق انسان فلسطيني سوي وواقعي يعرف مصالحه وينتمي إليها، بعيدا عن الشعارات والتطرف الذي تغذيه الفصائل والقادة من أجل مصالحهم الخاصة.
التمسك بالسلطة، والبقاء على الأرض وبناء المؤسسات ودعم وجود الفلسطيني على ارضه، والنضال السلمي في مواجهة الاحتلال والاستيطان، والنضال المشترك مع القوى اليهودية و الإسرائيلية هو الطريق، ولا طريق غيره.
نحن بحاجة إلى حزب سلام بؤسس ويناضل من أجل هذه المفاهيم.