تاريخ النشر: 2020-12-24 | 14:38
تاريخ النشر: 2020-12-24 | 14:38
قدّم الرئيس بايدن الإطار العام لسياسته الخارجية ، التي يرى فيها بضرورة إنهاء “الحروب الأبدية” في أفغانستان والشرق الأوسط التي كلفت الولايات المتحدة الكثير، والتركيز على مهمات عسكرية محددة، بأعداد قليلة من القوات والمعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي لقوات حليفة. والتركيز على مكافحة الإرهاب للتصدي لخطرَي القاعدة و داعش. وتعهد بالعودة إلى الانخراط في الملفات الدولية المهمة، وإصلاح العلاقة مع الحلفاء، والتشديد على أهمية حلف “الناتو”، وتعهد بالعودة إلى اتفاقية باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية، والاهتمام بملف حقوق الإنسان والحريات ( ).
وتدور التكهنات حول ما ستطرحه إدارة الرئيس جوزيف بايدن من سياسات واستراتيجيات، لاستعادة الدور القيادي للولايات المتحدة الأميركية، بعد تراجع مكانتها ونفوذها بسبب نهج ترامب الفوضوي في السياسة الخارجية، وفشله في مواجهة التحديات الخارجية، التي أصبحت أكثر تعقيدًا في ضوء تنامي نفوذ الصين وروسيا في السياسة الدولية، وتعقد الكثير من الاوضاع الدولية بسبب جائحة كورونا التي سيكون لها ارتدادات سلبية على الاقتصاد العالمي والامريكي. حيث يميل الميزان التجاري لصالح الصين، ويزيد العجز التجاري الامريكي عن 350 مليار دولار سنويا، وتعاظم الديْن الحكومي الأمريكي حيث تجاوز 23 تريليون دولار. وهو ما سيفرض تخصيص تريليوني دولار لتوزيعها على الاشخاص والمؤسسات المتعثرة ، ما سيؤدي الى ارتفاع التضخم، حيث ستكون السيولة في الاقتصاد الأميركي "فائضة"، وهذا قد يضبط سعر الفائدة على الدولار في المدى القصير. ولكنه سيؤدي إلى رفع الأسعار، ما سيفرض رفع سعر الفائدة النقدي. مما قد يحسن الميزان التجاري الأميركي بزيادة الصادرات وتقليل الاستيراد، ما يُنتج ضغوطاً إضافية على الاسعار وسيقلل من احتمالات الضغوط على سعر الدولار، مع احتمال التراجع لأسعار صرف بعض العملات الرئيسية ( ).
وبناءاً على هذه المقاربة يمكن استعراض أهم ملامح سياسة الادارة الامريكية القادمة فيما يتعلق بالملفات الاهم على صعيد السياسة الخارجية ، مع التركيز على ملف الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي، نظرا لأهميته في منطقة الشرق الاوسط، وللتعرف على أولوياته واهميته لدى الادارة الامريكية القادمة.
أولا : على الصعيد الدولي :
تتجه ادارة الرئيس جو بايدن للعودة إلى اعتماد المنهاج الدبلوماسي الكلاسيكي في التعامل مع الملفات الخارجية، وفق استراتيجية أكثر وضوحا تجاه القضايا الدولية، ما يعني العودة إلى المحددات السابقة للسياسة الخارجية الامريكية، وفق ما تمتلكه من حسابات القوة الشاملة ، لبناء نظام أمني وسياسي واستراتيجي في العالم، يستند الى إعادة تعريف “مصالح الأمن القومي الأمريكي”، في مناطق ذات أهمية استراتيجية في العالم، وعلى رأسها جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط ( ).
ومن القضايا التي ستهتم ادارة بايدن بمعالجتها العودة للاتفاقيات والهيئات الدولية، ومنها إعادة الانضمام إلى اتفاقية باريس المناخية، الأمر الذي سيعيد الولايات المتحدة إلى موضع القيادة في صدارة الجهود البيئية الدولية. والتعاون مع المنظمات الدولية والإقليمية، مثل منظمة الصحة العالمية واليونسكو ومجلس حقوق الإنسان. والاستمرار في المعاهدات التي تخدم مصالح الولايات المتحدة الأميركية، ومنها اتفاقية جديدة للحد من الأسلحة الاستراتيجية مع روسيا، بدلا عن اتفاقية «نيو ستارت»، وإعادة النظر في معاهدة القوات النووية متوسطة المدى، التي تخلت عنها إدارة ترامب، واتفاقية الأجواء المفتوحة للتحقق من الأسلحة النووية ( ).
وستحتاج الإدارة الأمريكية الى ترميم علاقاتها بالحلفاء في أوروبا، وعدم اقتصار العلاقات على الشراكة الأمنية، أو الاستراتيجية أو إعادة تحديد أولويات العلاقات في حلف الناتو وخارجه، وإجراءات هيكلية تمس الأمن الأوروبي، وعلاقاته بالأمن القومي الأمريكي، والتركيز على التعاون مع اقتصاديات دول حليفة في آسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية لتطويق الحركة الصينية، بإجراءات مالية واقتصادية غير مسبوقة ( ).
وسيكون هناك تأثير كبير في ترتيب الأولويات الامريكية على صعيد السياسية الخارجية في ضوء التطورات التكنولوجية الأخيرة، والتي سمحت باستخراج الطاقة بالتكنولوجيا الصخرية، وخفضت الاعتماد على الطاقة الخليجية، وكذلك التطورات التكنولوجية في مجال التسلح، التي تسمح للولايات المتحدة بحماية الممرات المائية واستهداف مناطق استراتيجية أو عسكرية لدول معادية من مناطق بعيدة عن موقع الأحداث ( ).
وستمثل العلاقة مع الصين المعضلة الاستراتيجية الأبرز للإدارة الأميركية؛ فالصين هي المنافس الجيوستراتيجي الاهم الذي يهدد الهيمنة الأميركية عالميًا، وذلك في ضوء توسع نفوذها في العالم، اعتمادا على أدوات "العولمة الناعمة"، من خلال المشاركة في خطط التنمية الاقتصادية والمشاريع في الدول التي يشملها "طريق الحرير"، ما يؤدي الى سيطرتها على الموانئ التي تحتاجها لمشروع طريق الحرير الجديد الذي تسعى لاستكماله في نهاية سنة 2030، لإضعاف النفوذ الأمريكي وتغيير التوازنات داخل النظام العالمي، والتحكّم بإمدادات النفط والغاز الطبيعي من المنطقة، مستغلة الأخطاء الاستراتيجية للولايات المتحدة، ولذلك تعززت العلاقات بين الصين وايران، كما تواصل الصين مساعيها لاكتمال مشروع ميناء "جوادر" بباكستان، الذي يربط الصين والخليج العربي، حيث يحتل الميناء موقعاً جيواستراتيجياً هاماً يضمن للصين في المستقبل إمدادات النفط والغاز من بلدان الخليج العربي وإيران دون المرور بمضيق هرمز (راجع الخريطة رقم 1).
وستتبني الادارة الجديدة سياسة مغايرة للتعامل مع الصين، فبينما ستعتمد المواجهة في العديد من القضايا الشائكة وأهمها: الاختلالات في التجارة والرسوم الجمركية، وجرائم سرقة الملكيات الفكرية، وصراعات الأمن السيبراني، وانتهاكات حقوق الإنسان في الصين ( )، فإنها ستتعاون مع بكين في القضايا التي تتلاقى فيها المصالح، مثل "المناخ" وعدم انتشار الأسلحة النووية، كما في كوريا الشمالية وإيران، والأمن الصحي العالمي. وتقوم مقاربة بايدن على أن الولايات المتحدة بمفردها تمثل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وعندما تتحد القوة الاقتصادية الأميركية مع القوة الاقتصادية للديمقراطيات الغربية والآسيوية الأخرى، كاليابان وكوريا الجنوبية، فإن الصين لن يكون في مقدورها تجاهل أكثر من نصف الاقتصاد العالمي ( ).
وفيما يتعلق بمستقبل العلاقة مع روسيا ، يشدد بايدن على ضرورة “فرض تكلفة حقيقية على روسيا بسبب انتهاكاتها للمعايير الدولية، ودعم المجتمع المدني الروسي، ويرى أن تعزيز القدرات العسكرية لحلف “الناتو” سيكون أمرًا ضروريًا لمواجهة “العدوان الروسي”. ورغم توقّع العديد من المراقبين تصاعد التوتر بين واشنطن وموسكو، فإن الحد من التسلح النووي قد يكون أحد المجالات للتعاون بين الطرفين؛ ذلك أن معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية “ستارت” START الموقعة عام 2010 تنتهي في شباط/ فبراير 2021، وستكون هذه المعاهدة “ركيزة للاستقرار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وروسيا” ( ).
ومن المتوقع ان تواجه إدارة الرئيس بايدن العديد من العقبات في محاولاتها استرجاع دورها القيادي في النظام العالمي، فالإدارة الجديدة التي ترى ان تدخلها في العالم هو "ضرورة استراتيجية"، قد يقود الى "مواجهات عسكرية" في مناطق متعددة ( ).
خريطة رقم (1) : طريق الحرير البحري والبري (الحزام الاقتصادي)
ثانيا : الشرق الاوسط :
لم تعد منطقة الشرق الاوسط تحظى بأولوية كبيرة في السياسة الخارجية الأميركية، فالحقبة النفطية في أفول، وعلى الرغم من أن نفط الخليج لا يزال مهما لحلفاء واشنطن، إلا أنه فقد أهميته الاستراتيجية والاقتصادية للولايات المتحدة، التي أصبحت الدولة الأكثر إنتاجا للطاقة في العالم ( )، فقد بلغت صادرات السعودية خلال شهر أكتوبر الماضي الى المصافي الامريكية حوالي 73 ألف برميل نفط في اليوم فقط، وهي أقل كمية منذ أكثر من ثلاثة عقود. وبلغ إجمالي عائدات دول الشرق الاوسط المصدرة للبترول عام 2012 (تريليون دولار)، وبلغت 575 مليار دولار في العام 2017، ويتوقع أن تواصل انخفاضها هذا العام 2020 لتصل إلى مستوى 300 مليار دولار فقط ( ).
وفي خضم تشكل المحاور بالمنطقة، يبدو السؤال المهم عن دور الأطراف الدولية، التي تحتفظ بعلاقات حيوية مع الدول الإقليمية المتصارعة، ما يجعل الشرق الأوسط عرضة لصراعات أكثر حدة في المستقبل القريب، مرفقة بتداخلات دولية ، ما قد يعرض المنطقة لمزيد من الأزمات ، ويدفع بكتل سكانية كبيرة للهجرة، دون أفق واضح للاستقرار في منطقة أنهكتها الحروب والنزاعات عقودا طويلة. ولذلك اصبح هناك شعور متزايد لدى المستويات الرسمية والشعبية الاميركية، أن التدخلات الأميركية في المنطقة لم تأت بنتائج ايجابية، وبدأت الولايات المتحدة في تنفيذ استراتيجية الانسحاب التدريجي من المنطقة منذ مرحلة الرئيس اوباما بناءا على ضرورة “التحول” إلى منطقة شرق آسيا، للتصدي للنفوذ الصيني المتزايد (راجع الخريطة رقم 2).
وعلى الرغم من انه من المستبعد حدوث انسحاب أميركي كامل من المنطقة، الا انه من المؤكد أن يتم تخفيض الوجود العسكري في المنطقة في السنوات مقبلة، وستكون إدارة بايدن الجديدة مضطرة الى اتخاذ سياسات متناقضة، لسياسات ادارة ترامب، التي أخفقت في تغيير الشرق الأوسط. فقدرة الولايات المتحدة منفردة على الحفاظ على مصالحها الحيوية والأمنية في منطقة معقدة مثل منطقة الشرق الأوسط "محدودة"، وتفترض الاستراتيجية الجديدة لإدارة الرئيس بايدن "المرنة" عدم جدوى فرض الحلول المؤقتة والسريعة على الأطراف، وضرورة التعاون مع القوى الكبرى. ولذلك، فانها ستستخدم السياسات "متعددة الأطراف" لتحقيق مصالحها في الشرق الأوسط، والتي تقوم على اقناع الدول الرئيسة بضرورة العمل المشترك من أجل تجاوز العقبات التي تعترض مصالحها. ووفقا لهذه الرؤية، ينحصر دور الولايات المتحدة بتشجيع التفاوض المتعدد وتوجيه هذا الحوار من أجل حل مشاكل الشرق الأوسط. هذه السياسة المتعددة لا يمكن لها أن تنجح دون إشراك روسيا وأوروبا ودول الشرق الأوسط الأساسية بما فيها إسرائيل والدول العربية ( ).
ولذلك فان الحديث عن امكانية قيام الولايات المتحدة بتكرار سيناريو "الربيع العربي" واعادة رسم خريطة المنطقة اعتمادا على قوى الاسلام السياسي ، يبدو غير واقعيا ، وعلى الرغم من المشاركة الفعالة للجماعات المحسوبة على الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية، في الحملة الانتخابية للرئيس بايدن، واللقاءات المتكررة لكبار المسؤولين في طاقم الرئيس بايدن مع مسؤولي هذه الجماعات، وترحيب جماعة الإخوان المسلمين بفوز الرئيس بايدن. والتي اعتبرت مؤشرات أنه من المتوقع أن تشهد فترة الرئيس بايدن انفتاحاً في علاقة الإدارة الجديدة مع حركة الإخوان المسلمين. الا ان هناك العديد من العقبات التي قد تحول دون تحقيق هذا التقارب وذلك في ضوء التعقيدات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة في المرحلة الحالية والتغييرات في التحالفات القائمة والتداخل القوى لأطراف دولية ستمثل تحديا امام محاولات الادارة الامريكية لفرض تصوراتها بصورة منفردة على المنطقة.
الخريطة (2) مقارنة الانتشار العسكري الامريكي حول العالم 2008 – 2020
ثالثا : الملف الايراني :
تستند ادارة بايدن في توجهاتها ازاء الملف الايراني الى أن فشل سياسات ادارة ترامب في التعامل مع الملف الايراني ، ادى الى تعاظم المخاطر في البيئة الاستراتيجية ، ولم تؤد سياسة "الضغوط القصوى" الى انهيار النظام الإيراني ، وعلى العكس استطاع النظام الإيراني أن يوسّع نفوذه الإقليمي ويحافظ على استقراره داخليا، ونجح في تعزيز علاقاته الاستراتيجية مع الصين وروسيا. وبدأ بالعودة إلى ما قبل الاتفاق على المستوى النووي، وسَنّ مجلس الشورى قانوناً ملزماً للحكومة برفع مستوى التخصيب إلى 20 %، وتعاظمت . قدراتها الصاروخية، وخصوصاً الصواريخ الدقيقة.
وتتجه إدارة بايدن للعودة إلى مسار التفاهم مع إيران بخصوص الملف النووي، للتوصل الى اتفاق جديد، بما يحول دون نجاح ايران من انتاج القنبلة النووية، وهذا ما أكده الرئيس بايدن خلال حملته الانتخابية : "أنه في حال التزام طهران ببنود الاتفاق النووي، سوف يعود إلى الاتفاق النووي، ولكن وفق شروط جديدة أهمها تقليص الأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار الاقليمي"، ويحظى هذا التوجّه بتأييد أوروبي.
وتقوم الاستراتيجية التي وضعها فريق بايدن على مرحلتين: الأولى انتظار نتائج الانتخابات الايرانية في حزيران/ يونيو المقبل، للتوصّل إلى تفاهمات على تجميد الوضع في مجال نشر السلاح الباليستي والتدخل الإيراني الإقليمي والأنشطة النووية العسكرية. حيث سيكون الأميركيون في المقابل مستعدّين للتنازل عن العقوبات الأخيرة التي فرضها ترامب. وفي مرحلة ما بعد الانتخابات «سيتم العمل على إجراء مفاوضات حول اتفاق دائم ثانٍ في كلا المجالين، النووي والإقليمي، وفي هذه المرحلة سيتمّ إبقاء العقوبات"، وعندها سيجد بايدن نفسه أمام خيارين: إمّا استمرار التفاوض، أو الانتقال إلى سياسة هجومية، واستعادة موقف مشترك مع البريطانيين والفرنسيين والألمان، لصياغة سياسة موحدة، ليس فقط بشأن القضية النووية، وإنما بشأن الصواريخ الباليستية وسلوك إيران في الإقليم” ( ). وستواجه ادارة "بايدن" صعوبات في توجهاتها ، اهمها :
1. سيكون بايدن بحاجة إلى إيجاد بعض الحوافز الاقتصادية لدفع ايران الى العودة الى المفاوضات، خاصة في ظل التحدي التقني الذي تطرحه المعرفة النووية الإيرانية المتزايدة المكتسبة من خلال البحث والتطوير المحظور بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة، ولذلك يتوقع ان ينتظر بايدن إلى ما بعد الانتخابات الإيرانية لتحديد خطواته القادمة في هذا الاتجاه ( ).
2. ضعف أنصار الاتفاق داخل إيران، وتوقّع فوز المحافظين في الانتخابات المقبلة، والذين سيعارضون تقديم اية تنازلات قد تفرض الكشف عن إجراءاتها لتخصيب اليورانيوم وتحصين المواقع السرية وإخفائها، وإعادة إنتاج اليورانيوم إلى المستويات والكميات المنخفضة المسموح بها في الصفقة الأصلية ( ).
3. ستواجه "بايدن" عقبات في ضوء التغييرات الجيوسياسية في المنطقة الناتجة عن التوسع الاقليمي الايراني، والتحالف المتبلور بين دول عربية واسرائيل. وسيكون من المتوقع أن تؤدي تلك التوجهات الى توترات مستقبلية بين الإدارة الأمريكية القادمة واسرائيل وبعض دول المنطقة، التي سعت خلال السنوات الاربع الماضية مع ادارة ترامب لبناء موقف متشدد إزاء إيران، ولن يتمكن بايدن من تجاهل هذه التخوفات، وسيسعى عند إعادة التفاوض مع ايران على إيجاد معايير جديدة تراعي موقف حلفاءه.
ومن الجدير بالذكر فقد جاء تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول عربية، مدفوعا بقلق حلفاء واشنطن في المنطقة من التوجهات الاستراتيجية الامريكية للانسحاب من المنطقة، والتداعيات المحتملة على الوضع الجيوستراتيجي لدول المنطقة. ما دفعها لإنشاء تحالفات سياسية واستخباراتية وعسكرية لمواجهة أعداء مشتركين، والذي قلص هامش المناورة أمام النظام الايراني، الذي اصبح في مواجهة مباشرة مع تحالف استراتيجي جديد في المنطقة ، بعيدا عن الارتباط بالولايات المتحدة الامريكية وحساباتها الاستراتيجية ( )..
وسيشكل هذا التحالف مخاطرة كبيرة على مكوناته، حيث ستستغل ايران هذا التحالف لتعزيز تعاونها مع المعارضة الداخلية في الدول العربية ، لمواجهة هذا التحالف ، من خلال استهداف استقرار هذه الدول ، حيث ستكون مدعومة بتنظيمات وتيارات معارضة للتطبيع في هذه الدول. وستركز إيران على القضية الفلسطينية باعتبار أنها قضية خاصة بها، وتتحدث إلى الجمهور العربي عن خيانة دولهم للفلسطينيين والاستسلام لإسرائيل. وهو ما سيرفع مخاطر عدم الاستقرار التي تتعرض لها الأنظمة العربية من المشاركة في الهيكل الجيوسياسي الناشئ لإعادة تعريف منطقة للشرق الأوسط.
رابعا : العلاقات الاسرائيلية – الامريكية :
تتميز العلاقات الامريكية - الاسرائيلية ، وخاصة في المجالات الامنية والاستخبارية، بالثبات، في اطار تحالف استراتيجي غير قابل للتأثر بأية تطورات سياسية في المنطقة، فالتزام الولايات المتحدة بالتفوق النوعي الإسرائيلي يعتبر من ثوابت الادارات الامريكية المتعاقبة.
ويتخوف الإسرائيليون من حدوث تغييرات على طبيعة هذه العلاقة في مرحلة الرئيس جوزيف بايدن ، في ضوء العديد من التساؤلات حول استعداد الولايات المتحدة للدفاع عن إسرائيل وسياساتها، لأن المجتمع الأميركي منزعج من الشرق الأوسط والحروب مما يجعله غير متحمس إلى الانسياق وراء مغامراتها، فالضمانات الأمنية الأميركية الغرض منها هو حماية المصالح الأميركية، وليس الدفاع عن حلفائها ( ). ومن الجدير بالذكر فانه يوجد تيار قوي في الولايات المتحدة يعتبر أن تزايد النزعة “العسكرتارية” في السياسة الخارجية الأمريكية كانت بدوافع إسرائيلية، والقاسم المشترك بين تلك التدخلات أنها فشلت في تحقيق أهدافها النهائية، وأنتجت مجموعة من العواقب الكارثية، وحملت المواطن الامريكي تكاليف مالية وبشرية باهظة.
وبينما تشير تقديرات اسرائيلية ان الادارة الامريكية الجديدة ستنشغل بالملفات الداخلية والملف الإيراني، حيث يتوقع انه سيتبنى سياسة متوازنة تضمن العودة للاتفاق النووي، مع الإبقاء على جزء من العقوبات في إطار التفاوض على الترتيبات الجديدة. ويتوقع أن تقوم ادارة الرئيس بايدن بممارسة الضغوط على الجانب الاسرائيلي لإعادة احياء مسار التسوية بين الفلسطينيين والاسرائيليين.
الا ان هناك تقديرات اخرى تشير ضرورة التمييز بين "بايدن" (نائب الرئيس) الذي اشتهر بانتقاداته للسياسة الإسرائيلية، و بايدن "الرئيس"، الذي لن يمس بالعلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل وسيحافظ على التزامه بضمان أمنها وتفوقها العسكري، وسيتبنى مواقف معتدلة باتجاه إسرائيل، ولن يغير شيئا في الحقائق التي فرضتها ادارة ترامب ، فالقدس الموحدة ستبقى عاصمةً لإسرائيل، والسفارة الأميركية ستظل في القدس، والجولان سيظل تحت السيادة الإسرائيلية. وملف المباحثات الفلسطينية الإسرائيلية، وحل الدولتين سيكون في ذيل اهتمامات إدارة بايدن، على الاقل في السنة الاولى وربما الثانية، باستثناء إمكانية فتح القنصلية الأميركية في القدس وفتح مكتب تمثيل منظمة التحرير في واشنطن وعودة الدعم المالي للسلطة ولمنظمة «الأونروا»، ولن يكون بذات الحدة التي كان عليها في عهد الرئيس باراك أوباما تجاه معارضة الاستيطان، وقد يلجأ إلى وضع سياسة تمييزية تجاه البناء في الكتل الاستيطانية عن البناء في البؤر الاستيطانية ( ).
وبالرغم من تلك التقديرات المتناقضة ، فمن المؤكد أن اسرائيلية ستجد نفسها أمام مقاربة مختلفة عن تلك التي اعتادت عليها في عهد ترامب، بالعودة إلى السياسة التقليدية للولايات المتحدة التي تقوم على أن أي حل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ينبغي أن يكون تفاوضيًا للوصول الى "حل الدولتين" ( ).
وهو ما يفرض على اسرائيل عند صياغة استراتيجيتها للسياسة الخارجية ان تحرص على تجنب حصول خلاف مع ادارة بايدن، وعدم التسرُّع في تنفيذ "مخططات الضم"، قد تسبب توترا مع إدارة الرئيس بايدن. الا أن حالة عدم الاستقرار السياسي التي تعيشها اسرائيل والضغوط المتزايدة من المستوطنين، وصعود التيار اليميني الاستيطاني بزعامة “نفتالي بينيت”، ما يعزز التوقعات أن يقوم اليمين الاسرائيلي بالدفع باتجاه استراتيجيات أكثر تشددًا، بما في ذلك عملية الضم المحتملة لأراض فلسطينية إضافية، وإنشاء مستوطنات جديدة في القدس الشرقية لإضفاء الطابع الرسمي على المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية لتعزيز المكاسب الاستراتيجية التي حققتها خلال السنوات الأربع الماضية ( ).
من المتوقّع أن يسعى نتنياهو لتبنّى موقفا متشددا في مواجهة الادارة الامريكية عند مطالبتها بالعودة الى المفاوضات مع الفلسطينيين ، مستندا الى التوجهات اليمينية المتصاعدة في اسرائيل، ولذلك من المتوقع ان يسارع نتنياهو للعمل علي اجراء تغيرات في الخارطة الجيوسياسية بالضفة الغربية، لإنهاء حل الدولتين نهائيا ، من خلال بناء المزيد من الوحدات الاستيطانية وتغير خطوط الطرق الرئيسة لعزل المناطق الفلسطينية وربط المستوطنات, وتشريع المستوطنات العشوائية، وتنفيذ مخططات ضم اراضي الاغوار. وجاءت زيارة وزير الخارجية الامريكي "مايك بومبيو" الى مستوطنة "بسغوت" وقرار منح الشرعية لمنتجات المستوطنات ( ).
وعلى صعيد الملف الايراني ، يتوقع ان تتركز استراتيجيات إسرائيل، في مرحلة جو بايدن، على تأسيس تحالف واسع وجبهة ضغط لمواجهة مشروع الديموقراطيين الهادف للعودة الى الاتفاقية النووية مع إيران ( ). وستحاول إسرائيل التأثير على أي مناقشات سياسية أمريكية فيما يتعلق بإعادة المفاوضات مع طهران، وتشعر بقلق من أن إدارة “بايدن” ستتفاوض على صفقة جديدة مع إيران بشأن برنامجها النووي فقط دون البحث في ملف وكلاء إيران في لبنان وسوريا والعراق وفلسطين. ويتوقع أن تقوم إسرائيل بالتحضير لمزيد من التحركات ضد برنامج إيران النووي ووكلائها الإقليميين، محاولة استفزاز إيران لجرها لعمليات انتقامية ، قد تعرقل مخططات ادارة بايدن التفاوضية مع ايران. ووفق التقديرات فان عدم الاستقرار السياسي في اسرائيل قد يدفع باتجاه مغامرة اسرائيلية غير محسوبة باتجاه اهداف ايرانية او وكلائها، وفي هذا الاتجاه يمكن ملاحظة قيام اسرائيل بتنفيذ غارات جوية في لبنان وسوريا والعراق بهدف تقويض البنية العسكرية الإقليمية لإيران، وكان آخرها هجوم 17 نوفمبر/تشرين الثاني على القوات الإيرانية في سوريا.
خلاصة القول أنه وبينما تدرك إسرائيل أن علاقتها بالبيت الأبيض ستدخل طوراً جديداً، فإنها ستسعى لبناء جسور الثقة والتعاون مع الإدارة الجديدة، ويمكن أن تكون هناك تداعيات على جدول الأعمال السياسي في الشرق الأوسطـ ( ). اذ بينما ستخضع عملية التسوية مع الفلسطينيين لنقاشات داخلية في إسرائيل ، من الممكن أن تمنح الحكومة الإسرائيلية الإدارة الامريكية الجديدة المزيد من الناحية العملية، مقابل سياسة أمريكية أكثر تشددًا حول إيران، مع احتمالات أن يحاول نتنياهو إرجاء المسألة برمتها حيث تتجه إسرائيل الى جولة أخرى من الانتخابات عام 2021 ( ). وستكون الانتخابات الاسرائيلية المبكرة ، وطبيعة الائتلاف الحكومي القادم، ومستقبل نتنياهو ، جميعها عوامل سيكون لها أثراً في تقرير مستقبل العملية التفاوضية التي قد تسعى اليها ادارة الرئيس بايدن للوصول إلى تسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين على قاعدة “حل الدولتين”. ما يعني أنه سيتعين انتظار نتائج تلك الانتخابات ، التي ستشهد على الأرجح المزيد من الانزياح نحو اليمين، بنتيجة الانتخابات، استمراراً لظاهرة تعمق وسيطرة اليمين في المجتمع الإسرائيلي وتنامي نفوذ “لوبي الاستيطان” الأكثر تطرفاً على الخريطة السياسية والحزبية الإسرائيلية ( ).
خامسا : الملف الفلسطيني :
سيطرت حالة من التوتُّر الشديد على العلاقة بين القيادة الرسمية الفلسطينية وإدارة الرئيس دونالد ترامب ؛ بفعل انحيازه لإسرائيل، وتجاهله الحقوق الفلسطينية، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، و“صفقة القرن”، وتأييد خطة ضمّ الأغوار والمستوطنات، والإجراءات العقابية ضد السلطة الفلسطينية، على صعيد وقف المساعدات المباشرة، وإغلاق مكاتب منظمة التحرير في الولايات المتحدة، ووقف مخصصات الولايات المتحدة لوكالة الأونروا.
واطلق الرئيس بايدن الى البيت الابيض، ديناميت جديدة تتعلق بملفاتها المنطقة، ومن ضمنها الملف الفلسطيني، وأصدر في 29 أغسطس/ آب ، برنامجًا شاملاً تضمن سياسته الخارجية تجاه مجموعة من القضايا بما فيها القضية الفلسطينية، وأكد التزامه بحل الدولتين، ومعارضة الخطواتٍ أحادية الجانب، ومنها الضم والاستيطان، وأنه سيتخذ خطواتٍ فورية لاستعادة المساعدات الاقتصادية والإنسانية للشعب الفلسطيني، وسيعمل على إعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس الشرقية ومكتب منظمة التحرير في واشنطن ( ).
وهذا يؤكد أن أجندة الإدارة الامريكية القادمة ، ستشدّد على المبادئ التي أرستها الإدارات الديمقراطية السابقة، بدءًا باعتماد مبدأ أن “دولتين لشعبين”، من خلال المفاوضات وليس الإجراءات الأحادية، وهو ما يعني انهاء خطة ترامب، وعدم اعطاء اسرائيل الضوء الاخضر لضم الاراضي الفلسطينية (راجع الجدول رقم 1). مع استمرار التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويوجد عدة عوامل ستحدد موقف إدارة الرئيس "بايدن" تجاه القضية الفلسطينية، أهمها :
1. بينما ستسعى ادارة الرئيس جو بايدن لإعادة ترميم الوضع الاستراتيجي للولايات المتحدة، في ضوء التنافس مع قوى دولية، وعلى رأسها روسيا والصين، وتشكل القضية الفلسطينية، مرتكزا هاما لتحركاتهم، ما سيفرض على الولايات المتحدة تحقيق اختراقات على صعيد القضية الفلسطينية.
2. رغبة الديموقراطيين بالعودة إلى المسار التفاوضي، وتبنيهم مواقف أقلّ انحيازاً تجاه ملفات الحل النهائي، ضمن سقف الرؤية الأمريكية، ويدركون صعوبة إطلاق المسار التفاوضي دون تجاوز أزمة العلاقة مع السلطة الفلسطينية التي تسببت بها سياسات ترامب.
3. يعتبر الاتحاد الأوروبي أن وصول إدارة بايدن بمثابة “فرصة سانحة”، لإنقاذ “حل الدولتين”، والعودة للاندماج في الجهود الرامية لتسوية هذا الصراع، بعد أن ظلت خارج حلبته لسنوات ثلاث، ويبدو أن الجهود الأوروبية، والوساطة النرويجية، كانت عاملاً رئيساً وراء الخطوات الفلسطينية الأخيرة ( ).
4. مع تصويت أكثر من 70% من يهود الولايات المتحدة لصالح بايدن ومساهمتهم بإسقاط ترامب، فهذا يعني أن هناك يهود الولايات المتحدة ، المنتمين الى اليهودية المحافظة، ودولة إسرائيل التي تنزاح نحو اليمين الديني واليهودية والأرثوذكسية، ما سيضعف تأثير إسرائيل في البيت الأبيض ( ).
5. الوضع الداخلي الاسرائيلي ، وحل الائتلاف الحكومي الحالي والتوجه الى انتخابات ، تضع علامات استفهامات حول المستقبل السياسي لنتنياهو، وطبيعة الائتلاف الحكومي القادم وتوجهاته ، التي ستكون يمينية على الاغلب في ضوء الخريطة السياسية الاسرائيلية ، والتي ستعارض بكل قوة توجهات ادارة الرئيس بايدن لاستئناف المفاوضات الهادفة للتوصل الى حل الدولتين.
وتراهن القيادة الفلسطينية أن الولايات المتحدة ستلعب دوراً إيجابياً لإنهاء الصراع، ولذلك قامت بالمبادرة الى خطوات "حسن نية"، بعودة العلاقات مع الجانب الاسرائيلي واعادة السفراء الى الدول العربية التي قامت بتطبيع علاقاتها مع اسرائيل، بحجة أن "توظيف" التطبيع مع إسرائيل قد يكون أكثر جدوى من “مقاومته”. وجاءت أيضا في هذا الاتجاه دعوة الرئيس عباس في خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول الماضي، الى عقد مؤتمر سلام في العام القادم، وفق قرارات الأمم المتحدة بهدف إنهاء الاحتلال.
وعلى الرغم من التفاؤل الفلسطيني بإمكانية العمل مع الادارة الجديدة لإحياء مسار المفاوضات، الا انه سيكون من الصعب توقع الخروج بنتائج ملموسة في السنة الأولى لإدارة بايدن، واقصى ما يمكن توقعه هو تبني سياسة "إدارة الصراع" وليس "حل الصراع" ، في ضوء المؤشرات التالية :
1. القضية الفلسطينية لن تكون من أولويات إدارة بايدن في الفترة الأولى التي يمكن أن تستمر لعام أو اثنين، إذ ستكون مشغولة بقضايا داخلية وخارجية أخرى.
2. بايدن المقيد بالكونغرس والقوانين التي ستجعل حركته تجاه الفلسطينيين مقيدة بقوانين ثلاثة: الأول يعدّ منظمة التحرير “منظمة إرهابية”، وأن فتح مكتبها بحاجة إلى إذن جديد من الرئيس الأميركي كل ستة أشهر؛ والثاني، قانون “آتكا” الذي يجعل متلقي المساعدات الأميركية تحت الولاية القضائية الأميركية، ما يعني التعرض لملاحقات وقضايا تجعل عدم تلقي المساعدات أرخص وأفضل؛ والثالث، قانون تايلور فورس الخاص برواتب الأسرى وأهالي الشهداء ( ).
3. تساؤلات حول مرجعية تلك المفاوضات القادمة ؟، تأثير دول المنطقة والعالم - ذات الصلة - على مجريات العملية التفاوضية المرتقبة ؟، تأثيرات الازمة السياسية في اسرائيل، مع اقتراب حل الكنيست والتوجه الى انتخابات عامة قد تأتي بائتلاف يميني اكثر تطرفا ؟، وأما التحدي المهم فهو هل سيكون لدى إدارة جو بايدن الوقت الكافي لإعطاء القضية الفلسطينية الأولوية المطلوبة، أم أنها ستنتظر حتى تحل أزمة جائحة كورونا، وتُحَسن علاقات الولايات المتحدة مع الصين بالذات، ومع حلفائها في أوروبا؟ وماذا عن حل مشكلات المنطقة الأخرى، مثل اليمن وليبيا، وفي لبنان وسورية والعراق؟ ( ).
4. سيواجه الفلسطينيين الكثير من المخاطر لجهة امكانية ممارسة المزيد من الضغوط على الفلسطينيين للعودة الى المفاوضات، والقبول بالتغييرات التي فرضتها اسرائيل على أرض الواقع، وعدم اتخاذ اية خطوات او اجراءات لوقف الاستيطان الذي اصبح "ضم تدريجي" للأراضي الفلسطينية كبديل عن الضم الفوري ( ).
5. ستسعى اسرائيل للاستفادة من الفترة المتبقية لإدارة ترامب، لفرض حقائق على الأرض، لمنع أي فرصة لحل الدولتين، سواء من خلال الحصول على اعتراف أميركي بضم أجزاء من الضفة الغربية، او من خلال تكثيف المشاريع الاستيطانية، مثل مشروع "مركز القدس شرق" لتحديد الوضعية التنظيمية للمباني والعقارات والشوارع في مركز المدينة، لتقييد حركة البناء في القسم الشرقي من المدينة، لتغيير معالم وتاريخ وهوية المدينة. وجرى الإعلان عن طرح مشروع في بيت صفافا على أراضي خربة "طباليا" وعلى 170 دونماً، في المنطقة (E1) شرق مدينة القدس، والتي تعتبر من المستوطنات الخطرة والتي تشكل تهديد لحل الدولتين ، هذه المستوطنة المكونة من 1257 وحدة استيطانية ، تستكمل حصار بلدة بيت صفافا بالمستوطنات من الجهات الأربعة وتعزل مدينة القدس عن مدينة بيت لحم ، واعلنت عن مشروع لإقامة 108 وحدات استيطانية في مستوطنة ”رمات شلومو” المقامة على أراضي شعفاط وبيت حنينا، وطلبت من الإدارة الأمريكية ان توافق على اقامة مشروع استيطاني ضخم في منطقة عطاروت مكون من (10000) وحدة استيطانية، لعزل القدس عن محيطها الفلسطيني جغرافياً وديمغرافياً من الشمال ( ).
الجدول رقم (1) :
المقارنة بين مواقف ترامب و بايدن بخصوص الملف الفلسطيني
الموضوع موقف ادارة ترامب موقف ادارة بايدن
دعم الفلسطينيين ووكالة “الأونروا” ترامب أوقف الدعم المالي للسلطة الفلسطينية، والأونروا، والمستشفيات الفلسطينية بالقدس، على الفلسطينيين لقبول “صفقة القرن”، وطالب الدول العربية بوقف الدعم المالي للفلسطينيين. إعادة الدعم المالي الأميركي للفلسطينيين دون أي شروط سياسية، علماً أن الحزب الديمقراطي كان رفض قطع المساعدات الأميركية للفلسطينيين ودعا إلى استئنافها.
صفقة القرن الخطة هي من إنتاج دونالد ترامب، وعرضها بالاتفاق مع اليمين الإسرائيلي، وأعلن نتنياهو أن إدارة ترامب ستمضي في تنفيذها، خاصة ضم 30% من الضفة الغربية، حال الفوز بولاية رئاسية ثانية. الحزب الديمقراطي لم يوافق على الخطة، ما يجعلها كباقي الخطط غير الملزمة التي عرضها رؤساء أميركيون سابقون.
حلّ الدولتين يؤمن بأن الحل هو منح الفلسطينيين ما يشبه الدولة على 70% من مساحة الضفة الغربية وعلى قطاع غزة، ومن دون القدس الشرقية، مع سيطرة إسرائيلية على المسجد الأقصى ومعابر هذه “الدولة”، وسيطرة أمنية إسرائيلية على المنطقة ما بين البحر والنهر من دون السماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين، وإبقاء جميع المستوطنات وضم 30% من الضفة الغربية. حل الدولتين هو الحل الأمثل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، بحيث تقوم دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، على أن يأتي هذا الحل من خلال المفاوضات بين الطرفين وليس من خلال الإجراءات الأحادية.
الاستيطان والضم اعتبر ترامب أن الاستيطان ليس مخالفاً للقانون الدولي، وأوقف استخدام مصطلح الأرض المحتلة، واعتبار أرض الضفة الغربية أنها ”أرض إسرائيل”، ورفع القيود عن استخدام برامج البحث العلمي الأميركية بالمستوطنات، واعتبار أن من حق المستوطنين الاستيطان في الأراضي الفلسطينية. يعارض الاستيطان والضم، وسط تقديرات بعودة الإدارة الأميركية لانتقاد الاستيطان بعد أن غابت هذه الانتقادات طوال أربع سنوات ماضية
الاتصال مع الفلسطينيين عمد ترامب إلى دمج القنصلية الأميركية في القدس بالسفارة من خلال إقامة وحدة الشؤون الفلسطينية بالسفارة، منهياً عقوداً من الاتصال الفلسطيني-الأميركي المباشر عبر القنصلية الأميركية. واتساقاً مع “صفقة القرن” التي وصفت جميع الأراضي الفلسطينية بأنها “أرض إسرائيل”، فإن إدارة ترامب عرضت الاتصال الفلسطيني مع الولايات المتحدة الأميركية عبر السفارة الأميركية في إسرائيل. أعلن بايدن، ونائبته كامالا هاريس، أن الإدارة الجديدة، في حال فوزها، ستقيم قنصلية أميركية عامة بالقدس الشرقية للاتصال مع الفلسطينيين. والأهم من كون هذه القنصلية العامة قناة اتصال مع الفلسطينيين، فإن وجودها في القدس الشرقية يرسل رسالة سياسية مهمة بأن موضوع القدس الشرقية لم يحسم
مكتب تمثيل منظمة التحرير في واشنطن اشترطت إدارة ترامب إعادة فتح المكتب بقبول الفلسطينيين خطة “صفقة القرن”، والتراجع عن الدعوى الفلسطينية في المحكمة الجنائية الدولية. بايدن ونائبته هاريس يتحدثان عن إعادة فتح مكتب تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية دون تحديد أي شروط لهذه الخطة.
الخلاصة والتوصيات :
• الرؤية الاستراتيجية لإدارة الرئيس بايدن، لاسترجاع الدور القيادي للولايات المتحدة في العالم، ستواجه تحديات مع تغير الوضع الجيوستراتيجي الدولي وصعود قوى دولية منافسة وفقدان الولايات المتحدة الكثير من الحلفاء، ما قد يقود الى مواجهات عسكرية، ويتعزز هذا الاحتمال مع الازمة الاقتصادية العالمية، والمرشحة للمزيد من التأزم في ضوء تداعيات جائحة كورونا والحديث عن الاقتراب من موجة كساد عالمي جديدة اكثر قسوة من سابقاتها ، اضافة الى تداخل دوائر النفوذ والصراع الدولي في الكثير من مناطق العالم ، ما قد يوسع من دائرة مناطق التوتر القابلة للانفجار.
• السياسيات التي تتجه ادارة الرئيس جو بايدن , الى تبنيها في التعامل مع المخاطر والتحديات الاستراتيجية، ستفسح المجال أمام الاعتماد على العمل الاستخباري ، لتجنب المواجهات العسكرية الكبيرة ، وهو ما يعني ان اجهزة الاستخبارات ستكون مرتكزا هاما لتمرير مخططات الادارة الامريكية القادمة.
• انسحاب الولايات المتحدة التدريجي من الشرق الاوسط، التي لم تعد تحظى بأولوية كبيرة في الاستراتيجية الأميركية، بعد ان فقد النفط أهميته الاستراتيجية للولايات المتحدة التي أصبحت الآن الدولة الأكثر إنتاجا للطاقة في العالم ( ). ولذلك ستكون إدارة بايدن مضطرة الى تبني استراتيجية جديدة للحفاظ على مصالحها في المنطقة بالتعاون مع الدول الرئيسة. وتتماشي هذه الرؤية مع تحالفات جديدة في المنطقة سيكون لها تأثيراً واضحا على الوضع الجيوستراتيجي في المنطقة.
• المشاركة الفعالة لجماعة الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية، في الحملة الانتخابية للرئيس بايدن، واللقاءات المتكررة لكبار المسؤولين في طاقم الرئيس بايدن مع مسؤولي هذه الجماعات، وترحيب جماعة الإخوان المسلمين بفوز الرئيس بايدن. والتي اعتبرت مؤشرات أنه من المتوقع أن تشهد فترة الرئيس بايدن انفتاحاً في علاقة الإدارة الجديدة مع حركة الإخوان المسلمين. الا ان هناك العديد من العقبات التي قد تحول دون تحقيق هذا التقارب وذلك في ضوء التعقيدات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة في المرحلة الحالية والتغييرات في التحالفات القائمة والتداخل القوى لأطراف دولية ستمثل تحديا امام محاولات الادارة الامريكية لفرض تصوراتها بصورة منفردة على المنطقة.
• بينما تدرك إسرائيل أن علاقتها بالبيت الأبيض ستدخل طوراً جديداً، فإنها ستسعى لبناء جسور الثقة والتعاون مع الإدارة الجديدة، وسيكون للانتخابات الاسرائيلية المبكرة أثراً في تقرير مستقبل العملية التفاوضية التي قد تسعى اليها ادارة الرئيس بايدن، ما يعني أنه سيتعين انتظار نتائج تلك الانتخابات ، التي ستشهد على الأرجح المزيد من الانزياح نحو اليمين، استمراراً لظاهرة تعمق وسيطرة اليمين في المجتمع الإسرائيلي وتنامي نفوذ “لوبي الاستيطان” الأكثر تطرفاً على الخريطة السياسية الإسرائيلية ( ).
• في مرحلة تشهد تعمق "اليمينية المتطرفة" في المشهد السياسي الاسرائيلي، تطرح اسرائيل مفهوما جديدا للتسوية، ليس مع الفلسطينيين، وانما مع العالم العربي، في ظل خريطة جيوسياسية جديدة في الاقليم، ستكون لإسرائيل سيطرة واضحة فيها، وتحالفات قائمة على مصالح و اهداف مشتركة ، بديلا عن الهياكل الاقليمية القديمة، وتفكك العمل العربي المشترك، على خلفية الصراعات والتوترات التي تشهدها المنطقة.
• التغييرات الجيوسياسية في المنطقة الناتجة عن التوسع الاقليمي الايراني ، والتحالف المتبلور بين دول عربية واسرائيل. ستؤدي الى توترات مستقبلية بين الإدارة الأمريكية القادمة واسرائيل وبعض دول المنطقة، التي سعت خلال السنوات الاربع الماضية مع ادارة ترامب لبناء موقف متشدد إزاء إيران، ولن يتمكن بايدن من تجاهل هذه التخوفات، وسيسعى عند إعادة التفاوض مع ايران على إيجاد معايير جديدة تراعي موقف حلفاءه. وستعتبر ايران التحالف العربي – الاسرائيلي فرصة لتأكيد دورها الوظيفي ، من خلال تبرير استهداف استقرار دول المنطقة ، وستركز استغلال القضية الفلسطينية ، وهو ما سيرفع مخاطر عدم الاستقرار التي سيتعرض لها المشاركين في الهيكل الجيوسياسي الناشئ.
• يمكن تصور امكانية العودة إلى سياسة "إدارة الصراع"، ولن تكون هناك مبادرات لإحياء المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية، في المرحلة الاولى من رئاسة "بايدن"، وإنما احتواء الوضع، مقابل بعض التسهيلات الاقتصادية، واللقاءات الاستكشافية، باعتبار أن ادارة بايدن ستكون مشغولة بملفات داخلية وخارجية، تمنعها من الانهماك في الصراع المعقد، اضافة الى الانتخابات الاسرائيلية المبكرة، والانقسام الفلسطيني. ما سيمنح اسرائيل الفرصة لمواصلة فرض الحقائق على الأرض، واستكمال تهويد القدس وتكثيف الاستيطان، وحصار قطاع غزة وتهميش القضية، والمضي في التطبيع والحل الإقليمي ( ).
• على الرغم من النظرة المتشائمة لدى الكثيرين ، ستبقى محورية القضية الفلسطينية تفرض نفسها على الكثير من تطورات ومجريات الاوضاع في منطقة الشرق الاوسط، ولا يمكن تجاوزها عند رسم سياسات هذه المنطقة. وهو ما يجب على القيادة الفلسطينية أن تأخذه في الاعتبار عن صياغة خطواتها المقبلة.
ووفق ما سبق فإننا نوصي بالتالي :
• التحرك الفلسطيني يجب أن يتركز باتجاه كسب دعم دولي للحد من نفوذ وانفراد الولايات المتحدة باعتبارها الوسيط الرئيسي في الصراع.
• يجب ادراك أهمية اعتماد مقاربة جديدة تراهن على العامل الذاتي وإعطاء الأولوية للوحدة الداخلية والمبادرة لجعل الاحتلال أكثر تكلفة ، ما سيدفع الكثير من الاطراف للتدخل لدى إسرائيل للقبول بالتسوية التي تسند الى مبدأ حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية على حدود 67، فالملفات الدولية الاقليمية والشرق أوسطية المتعددة ، ستفرض نفسها بقوة على اجندة ادارة الرئيس بايدن. وستحتاج القيادة الفلسطينية إلى اجراء انتخابات عامة وتسريع المصالحة الفلسطينية، وفق رؤيا استراتيجية على أساس برنامج سياسي متفق عليه وشراكة وطنية حقيقة.
• القيادة الفلسطينية لديها فرصة لمطالبة الادارة الأميركية الجديدة بمبادة "حسن نية" لاظهار استعدادها لدعم القيم الديمقراطية التي تنادي بها، من خلال الاعلان عن رفض "ضم الأراضي المحتلة" ووقف الاستيطان، الذي يقضي على حل الدولتين. والضغط على اسرائيل لوقف اجتياح مناطق (أ) وتوسيع سيطرة السلطة على مناطق (ب)، ووقف هدم البيوت والمنشآت في مناطق (ج)، والإفراج عن الاسرى وفق الاتفاق السابق مع جون كيري ( ).