تاريخ النشر: 2018-12-19 | 08:36
تاريخ النشر: 2018-12-19 | 08:36
أولاً: السياسة الشرعية وعلاقتها بالفكر السياسي:
السياسة الشرعية، هي عبارة عن مكونات سياسية شرعية مرتبطة ارتباطاً وثيقًا، تهدف لإعلاء المصالح العامة، وتجنب المفاسد والتي تفضي للاستبداد والظلم، أو انتشار الفساد كظواهر اجتماعية نهى عنها الشرع؛ من خلال تفاعلات أحداث الواقع، التي تبني فهماً مبنياً على الحكمة المستقاة من فهم مقاصد الشريعة؛ لتنتج فقه الواقع السياسي الذي يجمع ما أحدثه الواقع مع وجود المعطيات السياسية، وعليه يكون القرار السياسي الشرعي، وعليه فإن السياسة الشرعية هي: أحكام شريعة التي تهدف للمصلحة العامة، مزودة بفقه الواقع الذي بني على دراسة الواقع، مع تحليل المعطيات السياسية وعليه استنباط السياسة المرجوة، والتي تهدف لمصلحة الأمة، والرصيد لها في دحر العدو والتمكين لها، فمكونات النظام السياسي هي: (الثابت والمتحول والمتحرك)، والذي يؤدي إلى الفكر السياسي الرشيد، والمتمثل بالثابت (أحكام الشريعة ومقاصدها) والمتحول (الواقع وفقهه) والمتجول أو المتحرك (المعطيات السياسية وتحليلها)، الهدف منه المصلحة العليا العامة، ويقاس بإنشاء الخطة السياسية، والتي من أجلها يسوس السياسيون الأمر، فتتجلى الحكمة والمبادئ الإسلامية (الأخلاق) في ربط مكونات العملية، كفاصل لتحقيق مصلحة عامة، تضمن نتائج أفضل مما كان عليه حال الواقع، فالخروج عن استبعاد أي مكون من مكونات العملية السياسية المذكورة آنفاً، أو النظر للأهداف الشخصية، وترك الهدف العام كمصلحة جامعة وعامة، أو إتباع الهوا النفسي لتعصب قومي، أو قطري، أو قبلي، أو حزبي أو تنظيمي، يشكل عامل ضار بالقرار السياسي؛ لما ينتجه من الإضرار العام بمصلحة المجتمع، فيكون ارتكب مخالفة للسياسة الشرعية، والتي تسبب إعطاء فرصة للعدو من التمكن وبسط سيطرته أو من تفلت الشعب أو التابعين.
فالناظر اليوم في ما مر معنا من فهم ومن تفسير عميق للسياسة؛ على أن تكون سياسة شرعية، هو الهدف منها إقامة العدل والإحسان بين الناس، والناظم بينهم أحكام الدين دون تجزئة، أو استبدال لهذا الدين، فهذه كانت في زمن الإمام وحالة الاستخلاف، لكننا اليوم نعاني من فهم يظهر حالة السياسة في غياب هذا الأمر (الدولة الإسلامية وإمامها)، وهنا يتجلى الفهم السياسي للمخاطر المحدقة بالأمة، والتي تستطيع أن تمتلك فهم سياسي يرقى لدحر العدو عن بلادنا، والذي يستهدف الإبقاء على حالة التشظي والتجزئة، لينال من الكيان الجامع للأمة، ويبقى على حالة التفرد، مما أنتج حالة الهيمنة والغطرسة والتبعية، ليمسي كل قطر على مصالحه الخاصة، ويقدمها على المصلحة العامة للمجموع العربي والإسلامي، مما أنتج مفسدة أكبر تتجلى في التغول للعدو، وصناعة نظام دولي، يشق الطريق على كل قطر منفصل عن باقي الأقطار العربية والإسلامية، ليحصل على استقلاليته، والإفلات من تحت قوانين النظام الدولي الجديد، والأخطر من ذلك، تجد القطر الواحد يدفع بكل مصالحه، لاسترضاء النظام الدولي الجديد، وذلك مقابل أن يبقي على حالة التفرد بحكمه على شعبه، وبذلك يكون قد أخل بشرعيته، والتي تستمد من الشريعة والإسلام الذي يحافظ على إزكاء فهم العمل السياسي، والذي يهدف إلى إعلاء قيمة مصلحة الأمة متجردة من الأهواء والمصالح القطرية... وهنا نجد أن الأقطار العربية والإسلامية، تستجدي القوى المهيمنة، ووصل الحال على أن تكون سياستهم مرتبطة بمصالح عدوهم، مما خلق حالة استنزاف لمقدرات أوطانهم، إن الفهم السياسي في عصرنا الحالي، يجب أن يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأهدافنا؛ ومصلحة أمتنا، ومعرفة تفاصيل وخطط وأهداف العدو في النيل منا ومنها، والتي يتفق الجميع أن عدونا يستهدف تمزيقنا وتفريقنا؛ ليسهل عليه عملية التفرد، والعمل لحسابه، متجنباً إسقاط أئمة الأقطار، كما يعمل العدو لإزكاء حالة الوظيفية في المجتمع العربي والإسلامي للأقطار أو الجماعات، لينال من خلال العملية الوظيفية بسط أكثر لنفوذه، وأكثر تحكماً في مصادر ثرواتها ومقدراتها، والأخطر من ذلك بات المقرر للنظام السياسي، والذي صنع له أدواته لتحمي مصالحة في كل قطر من الأقطار العربية والإسلامية، من حكام مؤجرين يتقاضون رواتبهم من دماء شعوبهم باسم الرأسمالية، والحكم العسكري، وعليه استطاع العدو أن يستهدف النظام السياسي العام للأمة العربية والإسلامية، أن جعل المصلحة العامة ليست هي الدافع لبناء النظام السياسي العربي الإسلامي، إنما بنا نظاماً مجتزأً ومهترئاً، هدفه الحفاظ على المصلحة الشخصية للزمرة الحاكمة، مما جعل الهوى هو الهدف الرئيسي للأنظمة السياسية، وتهدف لسياسة برجماتية في المجتمعات العربية الإسلامية، لا ترقى للانفصال عن النظام الدولي الجديد، الذي يهدف للتحكم في مصائر الأقطار العربية، فتبقى رهينة المحاسبة القانونية الدولية، وهي من صياغته المحكمة، والتي لا تجعل أي قطر يفلت من أنياب قوانينه التي صنعت من أجل البقاء على هيمنته، والسيطرة على مقدرات الأمة العربية والإسلامية.
يقول ابن عقيل الحنبلي: "السياسية ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي"، كما قلنا قبل ذلك، أن جوهر السياسة الشرعية هو استجلاب المصلحة التي لا يوافقها مفسدة أكبر منها في الحاضر والمستقبل، وهذا الفهم لا يحتاج لدليل من القرآن والسنة ... بل يحتاج لفهم مقاصد الشرع، ومن أجل ذلك كان من المغالطة، أو الغلط ما يزعم بعض المخالفين من أنه لا سياسة إلا ما وافق الشرع، فهذا القول فيه غلط وتغليط، كما قال بن عقيل: "لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فيه غلط وغلط الصحابة"، فقد جرى من الخلفاء الراشدين ما لا يجحده عالم بالسنة، فكفى تحريق علي رضي الله عنه الزنادقة، وتحريق عثمان رضي الله عنه المصاحف، ونفي عمر رضي الله عنه بن نصر بن الحجاج... كما أن فعل الخضر وهو يُعَلم سيدنا موسى عليهما السلام، وما قام به من قتل الغلام وخرق السفينة وبناء الجدار، ليست مخالفة لشرع الله وأمره، فالشريعة لها مقصد، وجوهرها المصلحة المترتبة على الفعل الذي يقوم به الراعي، فالشرط أن يعلم الراعي بالمصلحة المترتبة عن الفعل، فهذه الأفعال تدل على أنَّه يكون من الأمور ما ظاهره فساد ؛ فيحرِّمه من لم يعرف الحكمة التي لأجلها فعل ، وهو مباح في الشرع باطناً وظاهراً لمن علم ما فيه من الحكمة التي توجب حسنه وإباحته.
قال بن القيم هذا موضع مزلة أقدام ، ومضلة أفهام ، وهو مقام ضنك في معترك صعب ، فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود ، وضيعوا الحقوق ، وجرؤا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، وسدوا على أنفسهم طرقا صحيحة من الطرق التي يعرف بها المحق من المبطل، وعطلوها مع علمهم وعلم الناس بها أنها أدلة حق، ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع، والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة حقيقة الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها، فلما رأى ولاة الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة فأحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم; فتولد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شر.
فعليه عندما قال بن عقيل: لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فيه غلط وغلط الصحابة" ليس المقصود أن السياسة بكليتها وتفاصيلها اليومية والتي نعيشها أنها جاءت نصاً في القرآن والسنة، ولكن فإن القرآن والسنة وأحكامهما هما الناظمين لسياستنا، فعليه فإن السياسة التي تسوس الناس يجب أن تكون موافقة للشرع وأن تكون تلك الأحكام الجزئية متفقة مع روح الشريعة، ومبادئها الكلية، وأن تكون مع ذلك غير مناقضة لنصٍ من نصوصها التفصيلية، التي يراد بها التشريع العام؛ فالقول بأنه لا سياسة إلا ما وافق الشرع قول صحيح ومستقيم، تؤيده الشريعة نفسها، ويشهد له عمل الصحابة، والخلفاء الراشدين، والأئمة المجتهدين.
ثانياًاً: المعادلة السياسية بين تغيب الفكرة عن الفكر السياسي:
الفكر السياسي، هو قدرة العقل لإيجاد نفسية عقلية، تتربى على طريقة الجمع للفكرة السياسية، واستخدام مكونات الفكر (عناصر الفكر السياسي)، والتي تشمل: الثابت والمتحول والمتحرك وربطهم بالفعل السياسي، وإنتاج التراكمية للفعل السياسي وهي الممارسة السياسية، إن الفكر السياسي قائم على معادلة حسابية سياسية، والتي تتكون من عملية تفعيل للفكرة؛ بهدف استنباط الصالح واستبعاد الفاسد، وهي تتألف من: التشخيص، والتحليل، والعلاج...، إن ما تمر به الأمة اليوم أقرب إلى الهرطقة السياسية، لفقدناه بوصلة الفكرة السياسية؛ والتي تؤدي إلى جمع طاقات الأمة العربية والإسلامية، على إنتاج فكر سياسي يجمع الأمة بطاقاتها وقدراتها؛ لإحداث ثورة سياسية تعتمد على فكرة موحدة، تكون هي الجامعة بين شعوب المسلمين.
إن غياب الإطار الجامع الفاعل للأمة العربية في لحمة واحدة، وامتلاكه لمفاعيل القوى وهو مقاومة الظلم والاستبداد، الناتج عن النظام الدولي الجديد، وتحقيق مصلحة الأمة من خلال إعلاء قيمة الهدف المتوج بالمصلحة العامة، وهي وحدتها لتمكينها بالوقوف كجبهة موحدة ضد أي قانون جائر وأي عمل عدوانى ضد أي قطر عربي إسلامي، هذا الغياب جعلها فريسة سهلة لأعدائها وعلى رأسهم النظام الدولي الجديد، والذي يترأسه المشروع الصهيو أمريكي في المنطقة، والذي من كبرى أهدافه؛ إماهة المشروع الصهيوني في المنطقة العربية والإسلامية، وجعله جزء لا يتجزأ من النسيج العربي والإسلامي، وبهذا يتحقق أطماع المشروع الصهيوني المارق في الأمة، والذي يعمل على تفرقها والنيل من وحدتها، ويبقيها أقطار تلعن بعضها بعض، ويلعب على مصالحها الفردية، وجعل أكبر أهداف الأقطار والأمصار الحفاظ على عروشهم وشرعياتهم، تارة بالديمقراطية الزائفة، وتارة بالانقلابات العسكرية، وتارة بالقتال الداخلي، ليؤدي بدورها وظائف أكبر مما نتوقع، إن عملية التشخيص المبكر؛ ستكون أهم خطوة في تاريخ الأمة العربية والإسلامية المجيدة، ولو دققنا النظر وتركنا الطاقة العقلية التشخيصية تعمل وتفكر، واستخدمنا جميع أدوات التشخيص، لوجدنا أن النظام الدولي الجديد؛ هو أساس بعثرة وتفرقة الأمة، وذلك من خلال القوانين الدولية، هذا الجانب الأهم والأبرز في عملية التشخيص، كما أن القائمين على النظام الدولي الجديد، هم الذين صاغوا هذه القوانين لتحافظ على ميراثهم الدولي كزعامة، وأن يبقوا في دائرة تمثيل القوة الآمرة والناهية في بيت الطاعة الدولي هذا جانب ثان، ومن جانب آخر حافظوا على حق التدخل الدائم والمستمر في جميع أنحاء العالم، ليبسطوا هيمنتهم والاستحواذ على مقدرات الأمة ...، وكذلك ليحققوا الهدف الأكبر وهو العلو الصهيوني في المنطقة، فالتشخيص سيقودنا إلى أن النظام الدولي الجديد؛ كأنما صيغ باحتراف من قبل صائغيه وذلك ليحققوا الهدف المذكور آنفاً.
لاحظنا من خلال التشخيص السابق أن النظام الدولي الجديد، لا يعمل لصالح العالم بأسره؛ وعلى رأسه الأمة العربية والإسلامية، وإنما يعمل من أجل الهيمنة والسيطرة على مقدراتها، ولو ذهبنا لتحليل الوضع القائم في واقعنا المعاصر، لوجدنا أن الأمة العربية والإسلامية، لديها عنوانين رئيسيين تعمل كإطار جامع، وهما: جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ولو بحثنا جيداً في أهدافهما، سنجد لديهم أهدافاً قيمة وثمينة، ولكن على أرض الواقع لا تمتلك قوة لتطبيقها، وأن مفاعيل القوى التي تستند عليها غير فاعلة، ومن ثم تكون أهدافها ذراً للرماد في عيون الشعوب، وذلك لأن النظام الدولي بسط قوته، وأفقدها دورها في الأمة، ومن ثم لا ترقى أن تكون سنداً رئيسياً لأي قضية عربية أو إسلامية.
لنمضي بتحليل الواقع قليلاً... ويتضمن التحليل بسؤالين، ما هو دور جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي في ما حدث في الوطن العربي والإسلامي من أحداث؟ وما دورها في القضية الفلسطينية؟ الإجابة على السؤالين طبعاً؛ كان لها دوراً طفيفاً كعقد الاجتماعات، والشجب والاستنكار هذا أقصى ما تملك من قوة، وهذا دور مطلوب منهما حتى يخفف حدة توتر الشعوب اتجاه النظام الدولي الجديد، وما قامت به أمريكا في العراق؛ وروسيا في سوريا دليل على ضعف المنشود منهما...، كما أن واقع الأمة العربية والإسلامية، هو واقع التسابق للارتماء في أحضان النظام الدولي الجديد، وذلك بهدف حماية مملكاتهم وعروشهم...، إن ما يحدث من أحداث أليمة في الوطن العربي، يهدف إلى النيل من الوحدة الفعلية والحقيقة للأمة العربية والإسلامية، كما أن مفاعيل القوة باتت متناحرة في أهدافها الجيوسياسية، فالأمة بجمعها ووضوح هدفها السياسي، هي القادرة للوقوف ضد صلف النظام الدولي الجديد، لأن شرعيته على الأمة العربية غير صحيحة، وهو فاقد للشرعية التي أدت للوصاية الدولية على الحق العام للأمة العربية والإسلامية.
بعد عمليتي التشخيص والتحليل للوضع القائم، يسهل علينا كتابة العلاج والذي يتمثل في إنتاج فكر سياسي واعي وجامع، يؤسس لإسناد الأمة لمفاعيل قوية وحقيقة، تستهدف الإطاحة بالنظام الدولي الجديد؛ من خلال هدم أقوى مرتكزاته في المنطقة؛ الكيان الصهيوني العنصري الإحلالي على أرض فلسطين، وإفشال المخططات الناتجة عن الحركة الصهيونية، وهي المشروع الأساسي في إبقاء النظام الدولي الجديد كمهيمن رئيسي في المنطقة، فالنظام الدولي الجديد فاقد لشرعيته في أمتنا، وذلك لتعزيزه للفساد والظلم والاستبداد بل هو المستعمر الجديد بثوب القوانين الدولية.
إن القلم والورقة واستخدام الخطة في الفكر السياسي لمقارعة الخطة من قبل الأعداء، هي السمة التي ستميز المرحلة القادمة في تفعيل طاقات الأمة جمعاء، وهي التي ستحدث الفعل السياسي الذي سيرقى للمواجهة والمجابهة، والوقوف بصلابة أمام قوى الغازي على الأمة، ومن هنا ندعو جميع طاقات الأمة لتعزيز البنية الاتحادية في الفكر، والذي يبني الوعي الفكري الذي يجابه التحديات المفروضة على الأمة، ولتقف هذا الطاقات سداً منيعاً أمام فرض حالة التجزئة والتشظي للأوطان، والكل يسعى من خلال إدراك الهدف المنشود، ليراكم قوى الفعل السياسي لتصبح ممارسة سياسية وازنة في إسقاط قوانين وقواعد النظام الدولي الجديد، والذي يهدف إلى تعزيز القومية الصهيونية لأن تكون ضمن القوميات العالمية، وإيجاد راحة في إدماجها في الأمة العربية والإسلامية، والتي شاهدنا صورا منها في الأيام الأخيرة، ومن هنا أدعو لتكوين العصابات السياسية في الأمة لتعمل ضد المشروع الصهيوني، وهدم مشروع القومية اليهودية في منطقتنا العربية والإسلامية.