تاريخ النشر: 2025-08-18 | 15:46
تاريخ النشر: 2025-08-18 | 15:46
تشير المعطيات الراهنة على الأرض والتفاعلات الإقليمية والدولية إلى أن المستقبل القريب للضفة الغربية وقطاع غزة يتجه نحو سيناريو يتمثل في إدارة ذاتية فلسطينية بصلاحيات محدودة للغاية وهذه الإدارة تفتقر إلى السيادة السياسية الكاملة وتخضع بشكل كبير لسيطرة الطرف المهيمن ماليًا وأمنيًا وهو الاحتلال ،كما أن الفصل الجغرافي والإداري بين الضفة الغربية وقطاع غزة يبدو أنه مازال راسخًا، مما يعقد أي رؤية مستقبلية لوحدة جغرافية أو سياسية.
**هيمنة المال على القرار:
إن السيطرة الإسرائيلية على أموال المقاصة، التي تشكل العصب الاقتصادي للحكومة الفلسطينية، ليست مجرد آلية لتحصيل الضرائب، بل هي أداة ضغط استراتيجية. من يملك القدرة على التحكم بتدفق الأموال، يمتلك في نهاية المطاف مفتاح التحكم بالقرار.
هذا الواقع يرسخ نموذجًا لإدارة فلسطينية، ستكون مهامها محصورة في الجوانب الإدارية والتنظيمية المدنية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية، وحتى الأمن الداخلي المحدود وهذه الإدارة لن تكون ذات سيادة حقيقية، بل ستعمل ضمن إطار تفرضه قيود التمويل، مما يجعلها فعليًا تابعة للمتحكم بالمال.
**تلاشي أفق الدولة المستقلة:
يبدو من الشواهد الميدانية والمؤشرات السياسية القائمة حاليًا أن فكرة إقامة كيان سياسي فلسطيني مستقل وذي سيادة كاملة قد تبددت إلى حد كبير في المدى المنظور، ما لم يكن هناك تحرك دولي جاد.
وهناك عدة عوامل رئيسية تدعم هذا التحليل:
*التوسع الاستيطاني وتفتيت الأرض: النمو المتواصل للمستوطنات في الضفة الغربية، خاصة في المنطقة "ج"، يؤدي إلى تآكل متزايد للأراضي الفلسطينية وتفتيتها جغرافيًا. هذا الواقع يجعل فكرة إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا أمرًا بالغ الصعوبة.
*السيطرة الأمنية الإسرائيلية: تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية الشاملة على كامل الضفة الغربية، بما في ذلك حقها في الدخول إلى مناطق السلطة الفلسطينية متى رأت ذلك ضروريًا. وهذا يفرغ أي "استقلال" أمني من محتواه.
*الانقسام الفلسطيني الداخلي: استمرار الانفصال الإداري والسياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة يمثل عقبة جوهرية أمام أي محاولة لبناء كيان وطني موحد. هذا الانقسام يضعف الموقف الفلسطيني ككل أمام المجتمع الدولي.
*الخطوات نحو الضم: أظهرت تصويتات الكنيست الأخيرة توجهًا سياسيًا متصاعدًا نحو ترسيخ السيطرة الإسرائيلية وتغيير الوضع القانوني للأراضي المحتلة، مما يمثل خطوة إضافية في مسار تقويض حل تقرير المصير بدولة فلسطينية ذات سيادة واستقلال.
**السياق الدولي والإقليمي: تداعيات الصراعات على النفوذ:
يُضاف إلى كل ذلك، الوضع الدولي الراهن والصراعات المحتدمة على النفوذ بين القوى الكبرى، بالإضافة إلى انشغال كل طرف بمصالحه وتحدياته الخاصة.
هذا المشهد العالمي يضع القضية الفلسطينية غالبًا في مرتبة متأخرة على الأجندة الدولية. في هذا السياق، تبدو الأطراف الفلسطينية الحلقة الأضعف والمنسية في خضم هذه الصراعات المعقدة. فغياب الضغط الدولي الفعال يمنح الأطراف الأخرى مساحة أكبر لترسيخ وقائع على الأرض قد يصعب التراجع عنها.
**الحاجة إلى استراتيجية وطنية واقعية:
في ظل هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى التحرك نحو استراتيجية وطنية واقعية تشمل كل الأصعدة المتاحة:
1. الصعيد السياسي الداخلي: تعزيز الشرعية والمصداقية
المدخل الأساسي لأي إصلاح سياسي واقتصادي هو إنهاء حالة الجدل حول أحقية التمثيل والشرعية. السبيل الأقرب لذلك هو المضي العاجل نحو انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة، تجري تحت مراقبة دولية لضمان النزاهة والشفافية.
غير أن هذا الخيار يواجه معضلة تعطيل الاحتلال له، خاصة في موضوع القدس ورمزيته. وللتغلب على هذه العقبة، يمكن ابتكار بدائل مرحلية تحاكي حق الانتخاب، مثل استفتاء شعبي خاص بأهالي القدس يجري بطرق بديلة (مراكز خاصة، اقتراع إلكتروني، أو آلية إشراف أممي)، بحيث يُحفظ المبدأ ولا يُترك الباب مفتوحًا للفيتو الإسرائيلي.
2. الصعيد الاقتصادي: ضمان الاستقلال المالي والشفافية
يتمثل هذا الصعيد في ضمان استمرارية السلطة واستقلالها المالي، وهو المدخل العملي لأي إصلاح سياسي. الحل يكمن في ترشيد النفقات الحكومية وتعزيز الشفافية المالية، مع التركيز على حل قضية اتفاقية باريس عبر ضغط دولي فاعل وقانوني، مدعومًا بضمانات من البنك الدولي أو مجموعة الدول السبع.
ويشمل ذلك أيضًا إنشاء نظام دفع إلكتروني مركزي للضرائب والرسوم، يربط مباشرة بين التجار والسلطة، ويقلل الاعتماد على المقاصة الإسرائيلية ويحد من التهرب الضريبي. حيث يمكن البدء بالسلع الأساسية (وقود، أدوية، غذاء) ثم التوسع تدريجيًا لباقي القطاعات.
3. الصعيد الخارجي: ضمان الحماية والمرجعية الدولية
يكمن ضمان الحماية والمرجعية الدولية على الصعيد الخارجي في حماية الوحدة الوطنية والمصالح الفلسطينية أمام التدخلات الإقليمية والدولية. يُقترح دعوة لعقد مؤتمر دولي يجمع الأطراف المعنية لمناقشة وحل القضية الفلسطينية، بالاستناد إلى:
قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بفلسطين.
المبادرة العربية للسلام.
حل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كخطة سياسية قابلة للتطبيق.
يهدف هذا المؤتمر إلى:
جعل المرجعية دائمًا هي القرارات الدولية الخاصة بدولة فلسطين، بحيث لا تُستخدم الإجراءات الأحادية من قبل الاحتلال والتي تسعى لتعطيل وتقويض آية حلول .
وضع أي ذريعة إسرائيلية تتعلق بالأمن تحت ضمانة دولية، بحيث لا تكون سلطة إسرائيلية تتنفرد بفرض وقائع على الارض .
وضع الدولة الفلسطينية تحت ضمانة دولية لحماية الارض والشعب وسيادتها ومؤسساتها.
حشد دعم المجتمع الدولي للسلطة الفلسطينية لتعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي.
وإنشاء لجنة متابعة دولية مستقلة من خبراء لمراقبة تنفيذ القرارات الدولية.
**الخلاصة الإنسانية: دعوة للعقلانية والواقعية:
في ظل ما عاناه الشعب الفلسطيني من ويلات الاحتلال، وغياب حق تقرير المصير، وضعف المواقف العربية والحشد الدولي، يصبح التفكير العقلاني والمنطقي ضرورة قصوى بعيدًا عن الشعارات الرنانة والعواطف الجياشة. لقد جرب الفلسطينيون جميع أنواع المقاومة والصمود، لكنهم لم يجنوا من هذه التجارب إلا أن تركوا وحيدين دون مساندة أو ظهير وكثيرا ما تم استغلال معاناتهم من قبل من يسعى لكسب المال أو النفوذ أو الشرعية.
لقد أنهكهم الاحتلال على مدار عقود، وتعرضوا للتنكيل والخذلان من عالم يتغنى بالحرية والتحضر، حتى أصبح انتظار الضوء في آخر الطريق عبئًا لا يطاق.
هذا الواقع المؤلم يؤكد أن التفكير العقلاني والاستراتيجي أصبح ضرورة قصوى. فالاستراتيجية ليست بديلاً عن العمل الفوري لوقف الانتهاكات، بل هي المنهجية التي تضمن أن هذا العمل سيؤدي إلى حل دائم ومستقر، ويضع حدًا نهائيًا لتكرار هذه المآسي.
ومن أجل أن تكون هذه الاستراتيجية مرجعية رسمية وموثوقة، يجب أن تُعتمد كميثاق شرف تتبناه جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والجمعية العامة للأمم المتحدة، ليكون ملزمًا لجميع الأطراف، ويضمن حماية الحقوق الفلسطينية ووضع أي تجاوزات تحت رقابة دولية واضحة، مع تقديم ضمانات رسمية لدعم السلطة والدولة الفلسطينية المستقبلية.
*****هذه مجرد أفكار ومقترحات قابلة للنجاح او الفشل والله ولي التوفيق