الشعب الفلسطيني صاحب الكلمة الأولى والأخيرة ، نعم نحن نرى هبة قل نظيرها تتجسد ببطولاتها ومآثرها وتضحياتها في كل الظروف الصعبة، صحيح ان الهبة الشعبية بحاجة ضرورية إلى إنتاج خطاب جديد ووضع الخطط والاستراتيجيات التي تمكن الشعب الفلسطيني من مواصلة نضاله حتى تحقيق أهدافه ،فالشعب العربي الفلسطيني الذي يدافع بحجارته وبأسلحته البسيطة وبإرادته عن وجوده وحقوقه وحريته، برغم عدم التكافؤ في القوى وبرغم كل أشكال الحصار والقتل وأتلفت عشرات الألوف من الأشجار، وجرفت مساحات واسعة من الأراضي المزروعة، والتدمير المادي والمعنوي، الا ان الشعب اراد ان يوجه رسالته بكل ثقة وقوة مهما كانت التحديات .
وامام الظروف والتحديات وبعد ان وصلت كل المفاوضات والمسارات الى طريق مسدود ، فأن التعلق ب"المبادرة الفرنسية"، لاستئناف المفاوضات تتعارض مع المشروع الوطني وحتى التوافق الوطني ، وهذا يستدعي موقفا فلسطينيا جريئا بأن لا عودة الى المفاوضات بالدرجة الاولى ، والعمل على اعادة حضور قضية فلسطين على طاولة المجتمع الدولي، بعد ان فرضت الهبة الشعبية خصائص فريدة متطورة كان أبرزها تزاوج كل أشكال النضال الوطني من السياسي الديبلوماسي والإعلامي إلى الفعل المقاوم في مواجهة آلة جيش الاحتلال ومجموعات المستوطنين، مما يتطلب الدعوة لمؤتمر دولي ومطالبة العالم بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة ، فلا يعد ممكن العودة الى دائرة المفاوضات مع عدو يمارس كافة اشكال الارهاب والقمع والقتل ويفرض على الأرض وقائع الاستيطان والتهويد، في ظل عنصرية هجومية تستبيح فلسطين، شعبا ووطنا وأمنا وموارد ومقدسات اسلامية ومسيحية، وتحول السلطة الفلسطينية إلى سلطة شكلية، وتسعى إلى تحقيق المزيد من أهداف المشروع الصهيوني، وهذا كله بات العالم يعرفه، بل، وتناهضه شعوب هذا العالم، وتضيق به أغلب دوله، لكن الضغوط الأميركية هي، أساساً، ما يمنع تحويل كل ذلك إلى مواقف سياسية لعزل إسرائيل ومعاقبتها، كما حصل مع نظام التمييز العنصري البائد في جنوب أفريقيا.
ان اشتعال الهبة والمقاومة الشعبية في ساحات الأقصى دفاعا عن قدسيته وعروبة القدس، وهبات الضفة لمقاومة انفلات قطعان المستوطنين، ومعارك الأسرى لوقف التنكيل بهم، والغليان الشعبي في قطاع غزة احتجاجاً على الحصار والدمار وانقطاع الكهرباء، وصمود مخيم اليرموك وما يجري في مخيم عين الحلوة المهدد مصيره كمامخيم نهر البارد، تكمن مفارقة كبرى، هذه المخاطر تفرض على الفصائل والقوى الى العمل من اجل اعادة الاعتبار للمشروع الوطني والعمل على دعم الهبة الشعبية الفلسطينية في القدس والضفة، وضرورة اعمار قطاع غزة ودعم صمود الشعب الفلسطيني في مناطق 48 ومخيمات اللجوء والشتات وفق برنامج سياسي موحد ، لأن الشعب الفلسطيني ما زال يعيش مرحلة تحرر وطني، ويؤكد يوميا أنه مستعد للتضحية والعطاء.
فهبة الشعب الفلسطيني نقلت النضال إلى الشارع حيث القول الحسم لحركة الشعب الفلسطيني، فأظهر شعبُ فلسطين الشجاعة والجرأة والإقدام والاستعداد للتضحية من أجل حرية الوطن، الذي اعتقد أعداؤه أنه أُخمد أو استكان تحت طبقات من اليأس والتراجعات المتكررة الناجمة عن الاتفاقات البائسة المتلاحقة وسياسات البطش والابتزاز الصهيونية الاحتلالية والتدهور العام في الأوضاع الحياتية، واستمرار تفكك الوضع العربي المحيط وتراجعه في ظل ما يسمى الربيع الاسود الذي ارادته امريكا بدعمها لقوى الارهاب ، وبعد التكبيلات التي فرضتها المعاهدات والصفقات العربية المستجدة مع دولة الاحتلال.
إن مأزق تسوية (أوسلو – مدريد) والبناء الهش المختل الذي استندت إليه، والتراجعات الفلسطينية التي وقعت، مع مواصلة التوسع الاستيطاني الذي التهم الأرض الفلسطينية لأغراض التهويد وبناء الكتل الاستيطانية وشقّ الطرق الالتفافية، كل هذا أدى إلى وصول "التسوية" السياسية في المنطقة إلى طريق مسدود، الأمر الذي ترتبت عليه نتائج عملية هيأت الأرضية الخصبة لاندلاع الهبة الشعبية في ردّ مباشر على الاحتلال والاستيطان والمشاريع التي تطرح بما فيها المبادرة الفرنسية التي لا أفق أمامها ما دامت تراوح تحت سقف الموقفين الأمريكي والإسرائيلي، وخاصة تجاه قضايا الحل الدائم وعناوينه.
من هنا نقول كان رد فعل الفلسطيني الواسع، ردا مباشرا على استمرار الاحتلال الإسرائيلي التوسّعي وتأثيراته المادية على الأرض اضافة الى القتل والاجرام والاعتقال والاقتحامات وبعد تجربة مفاوضات عقيمة، وكل هذه الاحتقانات ساهمت في توليد الهبة الشعبية والأعمال الكفاحية التي يقوم بها الشباب الفلسطيني .
وقد أظهر الشعب الفلسطيني في هبته الشعبية التي نتمنى ان تصل الى انتفاضة ثالثة الجرأة والإقدام والاستعداد للتضحية من أجل حرية فلسطين واستعادة الحقوق، فرفض بشجاعة واقتدار رغم ما يقدمه من التضحيات، ولهذا نرى إن الدماء التي سالت على أرض فلسطين ستترك آثارها الكبيرة، بإجماع كل المراقبين والمتابعين للشأن الفلسطيني وقضايا الصراع مع الاحتلال، حيث تحقق الهبة الشعبية نقلة نوعية كبيرة في النضال الوطني الفلسطيني ، بعد سنوات طويلة من التراجع والتردّي في الحالة الفلسطينية ، وبعد سلسلة من اللقاءات التفاوضية التي لم تصل سوى للطريق المسدود ، لذلك أعادت الهبة الشعبية تصحيح اتجاه البوصلة نحو وجهتها الحقيقية، وجهة الصراع بين مشروع توسعي إسرائيلي وبين حقوق وطنية فلسطينية.
ان الشعب الفلسطيني لن يصمت ويقبل التنازل عن حقوقه الوطنية، ومنها حق العودة للاجئين، بالرغم من كل الاوضاع التي يعيشها وخاصة في الضفة وقطاع غزة والقدس وعموم اماكن اللجوء والشتات، وخصوصاً في لبنان وسوريا، ورغم حالة الانقسام السائدة في صفوفه وفي صفوف عموم الحركة الوطنية الفلسطينية.
ان الهبة الشعبية الذي يخوضها شعبنا الفلسطيني بكل الوسائل والسبل في الضفة الفلسطينية والقدس تستدعي من الجماهير العربية بأحزابها وقواها واستنهاض الطاقات للوقوف الحازم والفعلي إلى جانب الشعب الفلسطيني ، وتقديم كل ما يمكِّنه من الصمود من خلال رفض ومقاومة كل مشروع سياسي تحاول الدوائر الاستعمارية تمريره، ودعوة المحامين العرب للمشاركة في توثيق جرائم العدو الصهيوني، تمهيداً لتقديم مجرمي الحرب الصهاينة إلى المحاكم الدولية ، وتوجيه رسائل إلى المنظمات الدولية تفضح جرائم العدو الصهيوني ومطالبتها باتخاذ موقف تجاه العدوان ، ومطالبة الإعلام العربي بالتوجه نحو ما يجري في فلسطين، وفضح جرائم العدو الصهيوني، وهي واجب كافة الاحزاب والقوى العربية باعتبارها قضية العرب المركزية.
ختاما : لا بد من القول على جميع الفصائل والقوى العمل من اجل تعزيز الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام ورسم استراتيجية وطنية فلسطينية والتمسك بالمشروع الوطني الفلسطيني وحماية منظمة التحرير الفلسطينية وتعزيز المقاومة الشعبية بكافة اشكالها، وهذا يتطلب اعادة الاعتبار للبرنامج الوطني الفلسطيني، وتحقيق وحدة الشعب الفلسطيني عبر إنهاء بوابة وملف الانقسام المدمر، هذا الانقسام الذي ينتشر كالسرطان في الجسد الفلسطيني، بدون اجتثاثه واقتلاعه فإنه سيدمر كل الجسد الفلسطيني ، رغم ما يحدث من تطوّرات وتغيّرات دولية وإقليمية وعربية، حيث مطلوب منا أن نلتقط ونجيّر ما يحدث إيجاباً لمصلحة شعبنا وقضيتنا، لان فلسطين كلما حاولت ألازمات تغييبها عادت من جديد لتفرض نفسها، أنها البوصلة التي لا يمكن لاحد مهما كان التخلي عنها ، وان دعم الشعب الفلسطيني وهبته في مواجهة المشروع الصهيوني ستبقى الاساس ، وان دماء شهداء هبة الضفة والقدس ستعمد طريق النصر الآتي من لا محالة.