لا أعلم حقيقة من أين أبدأ وكيف سأنتهي حتى أتحدث عن شخصية فريدة كشخصية الاستاذ علي السريس ، كان الرجل وطنياً وعروبيا وتقدميا خالصاً غيوراً على لبنان وفلسطين والمقاومة وخيارها .
علي السريس اسم سيقف التاريخ أمامه طويلاً متأملاً، رجل زهد في الدنيا وفي الحياة بكل مغرياتها كان طول عمره يشدد على اهمية العلاقة اللبنانية الفلسطينية، تقياً ورعاً قلبه متعلق بايمان لا يضاهى، قوياً عند الأزمات ، ساخراً من كل ما من شأنه أن يكون معطلاً لقضايا الشعب، فالاستاذ علي السريس قدم كثيرا من تضحيات برأيه المتفتح وبإنسانيته وبنبله وبحزمه وشجاعته وكبريائه وعلو شأنه بكل تأكيد يستحق أن يكون هذا الرجل العظيم ونموذجا .
ان الجهد الذي بذله الاستاذ علي السريس على المستوى الوطني وعلى المستوى التربوي من خلال الثقافة الواسعة والهدوء والحكمة وسداد الرأي وطول البال والتأني ، فريد في عطائه كسب بأدبه الجم العقول والقلوب ، شخصية كان لها التأثير على الجميع بحضوره الفاعل وحرصه على حل اشكاليات اجتماعية واختلافات سياسية، طيب القلب واسع الكرم ذو فكر عالٍ وتطلع جبار، محبوب لدى الجميع، لا يخشى في التعبير عن قناعته وآرائه وفكره ، حيث قال في لقاء التكريم الذي اقامته له الجبهة ما زالت ملتزم بالفكر التقدمي وبنهج القائد الشهيد كمال جنبلاط هذا الفكر والنهج الذي كان عنوانه البارز القضية الفلسطينية ، ومواجهة المؤامرات الامريكية والصهيونية المعادية للشعوب ، واضاف انحني امام اي طفل فلسطيني ، وان تكريمي هذا اهديه لكل مناضل قدم وما زال من اجل حرية فلسطين ان ما يحصل في الوطن العربي هي مؤامراة استعمارية امريكية صهيونية هدفها السيطرة على مقدرات وخيرات الشعوب وتفتيتها الى كانتونات طائفية ومذهبية وتدمير الجيوش العربية ، ودعا الى وحدة الصف الفلسطيني واضاف ان فلسطين ستعود ، والعمل الوطني هو عمل تراكمي ، معتبرا ان مهنة التعليم رسالة وامانة على الانسان ان يجيد التعامل من خلالها، مع طلابه لتأهيلهم في اخذ دروهم الاجتماعي والثقافي.
تعرفت عليه في مسيرة نضال وحكاية انسان من مدينة صور عام 1976 ، مدينة الشموخ والمقاومة والتحدي ، مدينة الامام موسى الصدر، كان يومها مسؤولا للامن الشعبي ، وكان فكر كمال جنبلاط والحزب التقدمي الاشتراكي التي انتمى اليه بوقت مبكرا في عرين شبابه شغله الشاغل .
لم يكن علي السريس من الثوريين الذين لا ينصتون لصوت الشعب بل كان أفضل من عبر عن ضميره بحكمة وحرص جعله في نظر الناس ورفاقه قديساً يطمئن المواطن اللبناني و الفلسطيني ، مؤكدا ان قضية فلسطين هي القضية القومية وهي اساس الصراع في المنطقة ، ومن خلال فهمه العميق والثوري كان يعتبر ان المقاومة هي وحدها التي تستطيع استعادة فلسطين.
لقد كان الاستاذ علي السريس وحدوياً وينبذ الطائفية والمذهبية، كما كان متمسكاً بوحدة الأمة من المحيط إلى الخليج، كان تقدمياً وحضارياً في كل مواقفه وسياساته، أحبه كل من عرفه، لنبل أخلاقه وتواضعه ولإخلاصه لشعبه وأمته بدون أن ينتظر جزاء من أحد على الإطلاق، يعمل ويقول ما يمليه عليه صوت ضميره وثقافته وتجربته النضالية الطويلة العامرة بالإنجازات التي أطل عليها الشعب اللبناني الشقيق.
كان رجلاً ديمقراطياً بكل معنى الكلمة يحترم الرأي والرأي الآخر، زاهد في مسيرة نضاله ، وكلكم تعرفون جيداً العروض والإغراءات التي رفضها رفضاً قاطعاً، كذلك تخليه عن موقعه من اجل رغم إلحاح رفاقه أن يبقى في هذا الموقع، فكان بالفعل حالة تقدمية وطنية قومية قل مثيلها متمسك بالثوابت لا يحيد عنها مهما كانت الصعوبات والعقبات، ونحن نفتقده والشعب الفلسطيني واللبناني وكافة ألاحزاب والقواى الوطنية والديمقراطية باعتباره رجل بقامة أمة بفكره واسلوبه الوطني التقدمي.
ومن هنا اقول وانا افقد صديق واخ ورفيق درب رسم بروحه وأسلوب قيادته وتعامله المتميز مع كافة فصائل العمل الوطني الفلسطيني وكافة الاحزاب والقوى الوطنية اللبنانية ومع كافة الجمعيات والمؤسسات الاهلية علاقة حظي بثقة وحب لا يضاهيه سوى حب الوطن والثقة بالناس وبهذا حاز المرتبة الرفيعة والمكانة العالية بين أبناء الشعب اللبناني والفلسطيني، أما الشهداء فكانوا بالنسبة له ايقونة العهد الذي لا ينفصم بينه وبين ما وطد نفسه من أجله، كانوا لا يغيبون عن ذاكرته وفي كل مناسبة لا يحلو له الكلام إلا عن مآثرهم وعهده لهم بمواصلة الدرب، كان يشعر بواجب الخضوع لكل عبرات الحب والذكرى حين يحضر ذكر الشهداء وكان يعرف أكثر من أي انسان واجبه تجاه من سبوقه.
علي السريس كان يحمل في قلبه كل الود والمحبة لرفاقه في الحزب التقدمي الاشتراكي ولكافة اصدقائه ، ويحفظ لهم دورهم الكبير الذي يقومون به بغض النظر عن اختلاف وجهات النظر ، تماماً كإيمانه بالشعار العظيم لرفيق دربه الشهيد كمال جنبلاط .
لقد اهتم الاستاذ علي السريس اهتماماً بالغاً بالقضايا الوطنية والقومية والإنسانية فكرياً وسياسياً، وأقام علاقات وطيدة وحميمة مع جميع القوى والأحزاب ، مدافعاً بكل إخلاص وإيمان عن التجربة الاشتراكية من خلال الحوارات واللقاءات المطولة ، من خلال استشرافه ملامح وآفاق المستقبل
واليوم يترجل الاستاذ علي السريس واقفاً مهيباً دون أن يكون ثقيلاً على أحد، رحل بصمته وعنفوانه وكبرياءه، رحل المناضل الكبير، رحل استاذ الأجيال بصمت، رحل ولم ترحل مبادئه التي ناضل من أجلها في كل اتجاه، وستبقى تستنفر فينا العمل لها، لكي تكون العلاقات اللبنانية الفلسطينيه كما حلم به تسوده المعرفة والعلم والعدالة وحقوق الانسان والديمقراطية الحقة.
علي السريس مناضلا جسورا من أجل بناء لبنان الديمقراطي العلماني البديل للنظام الطائفي القائم، والقائد الجسور الذي حظي بالاحترام والتقدير ، وهو يغادرنا اليوم يترك بصمات تجربته النضالية المشرفة بالممارسة التقدمية.
وهنا ونحن نودع الفارس الشهيد الاستاذ علي السريس الذي ترجل عن صهوة الدنيا نقول(إنا لله وإنا اليه راجعون) رحم الله الراحل بواسع رحمته ، والعزاء لكل محبيه وأصدقائه وأسرته الكريمة ومدرسته وزوجته وابنائه وجميع أخوانه وأفراد عائلته، داعياً لهم بالصبر والسلوان.
ختاما: نقول سنبقى اوفياء للمسيرة التي من أجلها ناضل الاستاذ علي وقدم التضحيات حتى الرمق الأخير.
كاتب سياسي