ليس سهلاً أن تُرثي رجلاً بحجم وطن. وليس سهلاً أن تختصر حياةً امتلأت بالعطاء والصبر والفداء في كلمات، ولا أن تُلخّص صموداً امتدّ منذ طفولته في مخيم جباليا حتى لحظة ارتقائه شهيداً على بوابة مستشفى كمال عدوان.
إنه الدكتور الشهيد سعيد محمود حسين جودة، الذي لم يترك الدنيا إلا بعد أن ترك فيها سيرةً تُحكى، وعلماً يُشهد له، وبصمةً لا يمحوها الزمن.
ولد لاجئاً… فعاش كريماً… ومات عظيماً.
رثاء الشهيد ومحطات مضيئة ومشرفة في مسيرة حياته .
من أسدود إلى جباليا… بداية الحكاية
وُلد سعيد محمود حسين صالح جودة في مخيم جباليا عام 1956م، ذلك المخيم الذي حمل جراح الوطن وملامح النكبة. كانت عائلته قد هجّرتها قسوة الاحتلال من بلدة أسدود المحتلة عام 1948م، فحملوا مفتاح العودة وغرسوا في أطفالهم حلم الوطن… وكان سعيد واحداً منهم.
نشأ في بيتٍ فلسطيني بسيط، مليء بالقيم، محاطاً بإخوته، وبأمّ وأبٍ زرعا فيه الصدق والأخلاق وحب الناس.
دراسته… رحلة كفاح لا تعرف الانكسار
تفتّحت عيناه في مدارس وكالة الغوث في جباليا، فأنهى فيها تعليمه الأساسي والإعدادي، ثم حصل على الثانوية العامة عام 1976م من مدرسة الفالوجا الثانوية للبنين.
كان ذكياً مثابراً، يعرف أن طريق الطب طويل، لكنه آمن أن خدمة الناس شرفٌ يستحق التعب.
الطريق إلى مصر… وحلم الطب
ترك المخيم وذهب إلى مصر، إلى جامعة المنصورة تحديداً، وهناك درس الطب بكلّ ما في قلبه من شغف.
وفي عام 1988م عاد يحمل شهادة بكالوريوس الطب، لا ليفتح عيادة فاخرة، بل ليعود إلى غزة… إلى شعبه… إلى مخيمه.
طبيب الطوارئ… ثم أيقونة جراحة العظام
بدأ عمله في مستشفى الشفاء عام 1989م، في قسم الطوارئ وسط أصعب الظروف.
ثم تخصّص في جراحة العظام، ليصبح واحداً من أمهر أطبائها في قطاع غزة، قبل أن ينتقل إلى مستشفى كمال عدوان مديراً طبياً له، وطبيباً لا يُجارى في مهارته وإنسانيته.
كان الطبيب الذي لا يرد مريضاً، ولا يرفع صوته على محتاج، ولا يتأخر عن جريح، حتى لقّبه الناس بـ**"أيقونة مخيم جباليا"**.
نضاله الوطني… رجلٌ من رجال فتح
لم يكن سعيد جودة طبيباً فقط، بل كان من المؤسسين للمكتب الحركي الطبي، ومن أكثر أبنائه إخلاصاً وانتماءً.
تقلّد منصب أمين سر المكتب الحركي الطبي المركزي سابقاً، وكان مسؤولاً لملف العظام في العلاج بالخارج لسنوات طويلة، وعضواً في الاتحاد الفلسطيني للطب الرياضي.
كان مثالاً للطبيب المناضل، الذي يجمع بين العلم والوطنية، وبين المشرط والراية.
حياته العائلية… رجلٌ عاش للمحبّة وصنع أسرةً من نور
تزوّج رحمه الله من معلمة لغة إنجليزية فاضلة، رحلت قبل عشر سنوات، فحمل وحده عبء الأبوة والأمومة.
خلّف أبناءً وبنات كانوا جزءاً من قلبه:
محمد – طبيب أسنان (استُشهد قبل أسبوع من والدِه)
خالد – ضابط شرطة
محمود – توفاه الله صغيراً
مجد – استُشهد في الحرب قبل أسبوع أيضاً
ومن البنات: هلا – لمى – صباح – جوري
كان أباً يشبه الأنبياء في رحمته، وصديقاً لأبنائه قبل أن يكون والدهم، وعمود البيت وضياءه.
التقاعد… والعودة إلى الميدان في الحرب
تقاعد عام 2016م، لكن الحرب التي بدأها جيش الاحتلال على غزة أعادت إليه دوره الطبي والإنساني.
طلبت منه قيادته في رام الله العودة للعمل، فعاد فوراً، دون تردّد، إلى مستشفى كمال عدوان ومستشفى العودة.
رفض النزوح.
رفض الهروب.
رفض أن يترك أبناء شعبه بلا طبيب عظام واحد.
أُصيب مرتين خلال الحرب، وفقد معظم أفراد عائلته، لكنه بقي واقفاً… يداوي الناس ويداوي قلبه الجريح.
يوم الاستشهاد… الرحلة الأخيرة إلى المستشفى
صباح الخميس 12/12/2024م، خرج الطبيب الجريح، الأب المكلوم، المناضل الصابر، ليتوجّه إلى عمله كما يفعل كل يوم.
لكن رصاصة قنّاص من طائرة إسرائيلية أصابته في رأسه وهو في طريقه لإنقاذ آخرين… فصعدت روحه إلى السماء.
استُشهد سعيد جودة في المكان الذي عاش لأجله: الطريق إلى المستشفى.
استُشهد بعد أسبوع من استشهاد ابنه مجد، وبعد أيام من استشهاد ابن أخيه، وبعد عمرٍ كامل من التضحية.
لقد رحل آخر أخصائي عظام في جباليا… الطبيب الذي لم يغادر شعبه، ولم يترك موقعه، ولم يرفع الراية البيضاء.
في ختام سطور مقالي:
رحمك الله يا سعيد جودة…
يا ابن أسدود الذي لم يعد إليها جسداً، لكنه عاد إليها مجداً، وعاد إليها روحاً تشبه البحر في اتساعه.
يا طبيب الشمال، وملاذ الجرحى، وسند المخيم، وأيقونة مخيم جباليا التي لن تتكرر.
لن يطويك الغياب…
ولن يمحو سيرتك الزمن…
فمن عاش كما عشت، ومات كما متَّ، لا يُدفن في الأرض، بل يُزرع في القلوب.
سلامٌ عليك يوم وُلدت،
ويوم عشت صابراً منيحاً،
ويوم ارتقيت شهيداً طبيباً مناضلاً،
ويوم تُبعث على هامة الشهداء والصدقين.
المجد لك… والخلود لروحك… والرحمة لاسمٍ يظلّ يضيء غزة مهما اشتد الظلام.