في كل زاوية من مخيم جباليا، وعلى جدران التاريخ الفلسطيني، تظل صورة العميد الشهيد ياسر محمد يوسف السيد (أبو أحمد) مشعّة كرمز للوفاء والثبات على المبادئ الوطنية. وُلِد ياسر في 10 أكتوبر 1958، في مخيم جباليا، متجذرًا في ذاكرة وطنه من خلال جذوره العميقة في بلدة المسمية المهجرة عام 1948، التي طُردت عائلاتها إلى الشتات بعد النكبة، فكان مصيره منذ الطفولة مرتبطًا بحكاية شعب لم يستسلم ولم ينسَ أرضه.
تكوّن فكره الوطني في مدارس وكالة الغوث للاجئين، حيث اكتسب التعليم الأساسي والثانوي، قبل أن يخطو خطواته الأولى نحو العمل الوطني في جامعة النجاح الوطنية بنابلس،
هناك حيث ساهم في تأسيس حركة الشبيبة الفتحاوية الطلابية، وجعل من شبابه منارة للشباب الفلسطيني، محفورًا اسمه في ذاكرة المخيم كرمز للثورة والتحدي.
لم يعرف ياسر السيد طريق الراحة، فقد اعتُقل مرارًا خلف قضبان الاحتلال الإسرائيلي بسبب نشاطه الوطني، وواجه المطاردات والاعتقالات، لكنه ظل صامدًا، رافضًا الانحناء أمام الضغوط. وبفضل
شجاعته وحبه لوطنه، نجح في ضم المئات من شباب وشابات المخيم إلى صفوف الشبيبة الفتحاوية، ليصبح مخيم جباليا بحق مركزًا للثورة والوعي الوطني.
غادر القطاع متجهًا إلى لبنان، حيث شارك في الدفاع عن الثورة الفلسطينية أثناء اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، ثم في معارك الحفاظ على القرار الوطني المستقل عام 1983 في نهر البارد والبداوي، قبل أن يتجه مع القوات الفلسطينية إلى ليبيا. وعند عودة قوات الأمن الوطني الفلسطيني إلى أرض الوطن عام 1994، عاد ياسر ليعمل في القوات البحرية الفلسطينية، حيث ترك بصمته في كل موقع تولاه، مشهودًا له بالكفاءة ودماثة الأخلاق.
لم يخف ياسر السيد من مواجهة التحديات،
فقد تعرض للاعتقال والتحقيق عدة مرات خلال الانقلاب الأسود في غزة عام 2008، لكنه ظل صامدًا، حارسًا لقيم الحق والحرية. تقاعد عام 2017 برتبة العميد، تاركًا إرثًا من الإخلاص والتفاني في خدمة الوطن، وواصل نشاطه الوطني من خلال عضويته في قيادة إقليم شمال غزة، وكونه أمين سر الهيئة الوطنية للمتقاعدين العسكريين.
كان ياسر السيد مثالًا للشهامة والوفاء، رمزًا للصمود في أصعب الظروف، محافظًا على كرامة المخيم وأهله. وعندما شنّت إسرائيل حرب الإبادة على غزة، رفض النزوح وواجه القصف والجوع والعطش إلى جانب أهله، مجسّدًا أروع معاني البطولة الوطنية.
وفي 6 نوفمبر 2024، ارتقى العميد ياسر السيد وزوجته وأبناؤه وأحفاده في مجزرة نكراء بمخيم جباليا، تاركًا خلفه ألمًا وحزنًا، لكنه أيضًا إرثًا خالدًا من الشجاعة والصمود. سيظل اسمه محفورًا في ذاكرة الشعب الفلسطيني، كرمز للوفاء والتضحية، وسيرةً يُستلهم منها الأجيال القادمة في مسيرة الحرية والاستقلال.
العميد الشهيد ياسر السيد لم يكن مجرد مناضل، بل كان روحًا فلسطينية صلبة، حاملًا لواء الحق في وجه كل ظلم، وستظل ذكراه نورًا يهتدي به الأحرار، ودليلًا على أن الوطن أغلى من كل شيء، وأن الحرية تُنتزع بالدم والوفاء والصبر.